‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. رضوان السيد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. رضوان السيد. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 11 مارس 2013

الخصوصية والذاتية... بين أوروبا والإسلام! - د. رضوان السيد

الخصوصية والذاتية... بين أوروبا والإسلام! - د. رضوان السيد


كان ذلك في شتاء عام 1976، وكم يبدو الزمان سحيقاً من تلك الحقبة وإلى اليوم وكنت حينها أحضّر للدكتوراه بجامعة توبنجن بألمانيا الاتحادية. وكان معهد الدراسات الشرقية الذي أدرس فيه على ضفة نهر صغير، وعلى ضفته الأخرى مدرسة ثانوية. ظُهْر أحد الأيام ناداني زميل إسباني كان يقف على النافذة في مقابل المدرسة الثانوية لأشاركه في رؤية مشهد لافت: فتاة تركية في الخامسة أو السادسة عشرة تضع غطاء رأس وتتحدث إلى رفيقتها الألمانية ويأتي شاب عابث من خلف الفتاة فيمسك بطرف غطاء رأسها وينزعه فتنسدل خصل شعرها السود على ظهرها. أما الفتاة فتضع يديها على وجهها ولا تلتفت وتبدو كأنها تبكي في حين تسارع ثلاث فتيات ألمانيات لنجدة زميلتهن فيضربن الشاب ويبعدنه ثم يأخذن زميلتهن إلى داخل مبنى المدرسة. في عام 1989 حدث في المدرسة نفسها شيء مختلف تماماً؛ فوفقاً لتقرير صحفي نشر حينها، فقد تقدم طلاب وطالبات المرحلة الثانوية (176 من 211) بطلب إلى مدير المدرسة، يقول إنهم منزعجون من إصرار زميلاتهن المسلمات، وعددهن 17، على ارتداء غطاء الرأس، وأكثر من ذلك طالبوا بالزامهن بخلعه أو منعهن من دخول المدرسة. استجابت الإدارة للطلب وأنذرت الفتيات، فأصرت سبع منهن في حين قررت عشر فتيات لبس الحجاب في الشارع وخلعه داخل المدرسة!

في عام 1976 كان عدد المحجبات في المدرسة الثانوية بتوبنجن ثلاثاً وما أزعج ذلك غير زميل واحد لهن فقط، وقد تضامنت زميلات الفتيات معهن وانتهى الأمر عند هذا الحد. وفي عام 1989 صار عدد المحجبات بالمدرسة ذاتها 17، وقد لقين رفضاً عاماً تقريباً وشاركت الإدارة في ذلك. وهكذا فالواقع أن الطرفين يتغيران في حين يصر كل طرف على أن الآخر هو الذي تغير. وبينما يتحدث مثقفون منذ مطلع التسعينيات عن استعصاء المسلمين على الاندماج، تصر غالبية أبناء الجيل الثالث من المسلمين على حقها في ممارسة دينها بشكل كامل وتدين العنصرية والتعصب وتتمسك بمبدأ المواطنة، في حين تكتفي قلة بإظهار انزعاجها وغضبها.

حتى مطلع التسعينيات من القرن الماضي ظل الباحثون الاجتماعيون والمراقبون يعتبرون السلوك الجامح من جانب قلة من الشبان المسلمين في فرنسا على الخصوص، شكلاً من أشكال الاحتجاج على التجاهل والإهمال وعدم النجاح في الاندماج والإحساس بالتمييز... أما ظاهرة الحجاب المحدودة فلم تثر الاهتمام في البداية، إذ انتشرت أولاً بين بنات المهاجرين الأتراك قبل أن تشمل باقي الجاليات الأخرى ذات الأصول الإسلامية. وكان هناك من أراد اعتبارها نوعاً من الاحتجاج أيضاً، ليس على الحداثة الأوروبية فقط، بل وعلى الأهل المحافظين. بيد أن التسعينيات أتت بظواهر جديدة لدى الطرفين، الإسلامي والأوروبي، فلدى المسلمين ظهرت غيتوهات كاملة بالحجاب واللحى وأشكال اللباس والسلوك الغريب. ولدى الأوروبيين تجاوز الأمر اعتبار الجاليات العربية والإسلامية عمالة منافسة وغريبة إلى ردود فعل ثقافية أو ذات طابع ثقافي، حيث أثارت قلق المثقفين الأوروبيين تظاهرات الاحتجاج على كتاب سلمان رشدي آيات شيطانية. ومنذ ذلك الحين افترقت رؤى الطرفين أو الأطراف وإن ظلت الأمور مختلطة في عيون الجمهور.

كان هناك من سعى، وما يزال، لإحقاق الحقوق وإنجاز المواطنة وإدماج المسلمين عن طريق التدريب وخلق فرص العمل والاستجابة للمطالب، لكن كان هناك من اعتبر أيضاً أن الإسلام يملك طبيعة متجوهرة وثابتة والمسلمون خاضعون لها ولذلك فهم يميلون لأمرين: إدخال الخاص في العام، واستعمال الرموز الدينية في المجال العام ليس للتمايز عن الآخرين فقط، بل ولإزعاجهم! وعلينا ألا ننسى أن التسعينيات ما شهدت بدايات أحداث العنف باسم الإسلام فقط، بل شهدت أيضاً تفكك يوغوسلافيا السابقة وسط مذابح ضد المسلمين هناك حتى أواخر القرن العشرين. أي أنه في الوقت الذي كان فيه المسلمون يواجهون أوروبا بخصوصياتهم وذاتياتهم الدينية والرمزية والشعائرية والاجتماعية، واجهت أوروبا تحدياً آخر هو وجود مسلمين أوروبيين أصليين كان عليها الاعتناء بهم وحمايتهم بل والإعانة على إقامة دول لهم. وهكذا وعلى مشارف هجمات أسامة بن لادن على الولايات المتحدة ثم اندلاع العنف "القاعدي" في أوروبا أيضاً، كانت الجبهات قد صارت واضحة: وجود إحياء أو أصولية أو صحوة بين المسلمين الأوروبيين في أجيالهم الشابة على الخصوص، تعتمد الخصوصية والتمايز بالحجاب وباللحى واللباس، يواجهها إصرار أوروبي من المؤسسات الرسمية ومن المثقفين ومن الإعلاميين بالدعوة إلى الاندماج من دون شروط ورفض الخصوصيات الثقافية والدينية وضرورة إجراء إصلاح إسلامي ليتقبل المسلمون ويقتنعوا بفكرة وممارسة فصل الدين عن الدولة.

كانت ظاهرة ابن لادن مسيئة للمسلمين في أوروبا والعالم من عدة نواح؛ فمن جهة حولت الإسلام إلى مشكلة عالمية وحققت فرضية صامويل هنتجتون بشأن صدامية الإسلام ودمويته، وزادت من مشكلات المسلمين الأوروبيين مع السلطات والجمهور عندما انتشر العنف الإسلامي في أوروبا أيضاً وشارك فيه شبان مسلمون من أبناء الجاليات المقيمة بالغرب. بيد أن أفدح ما عنته ظاهرة ابن لادن هو أن هناك انشقاقاً داخل الإسلام كما أن هناك انفجاراً مدمراً حدث بالداخل قبل أن ينال بشُواظِه العالم الأوسع.

لقد جعلت ظاهرة ابن لادن كل مسلم بالغرب مشبوهاً، وزادت من ضغوط السلطات والجمهور على المسلمين بمختلف فئاتهم، بيد أنه بغض النظر عن العنف المنتشر عبر العالم، فإن الظاهرة الباقية، حتى لو لم تكن عنيفة، هي وجود توجهات قوية -ثقافية ودينية وسياسية- في قلب الإسلام تدعو داخل المجتمعات ذات الأكثرية الإسلامية إلى إقامة الدولة التي تطبق الشريعة. وفي المجتمعات التي يشكل المسلمون أقلية فيها، يتسبب ذلك التوجه في انفصالية وانكماش قد يقترنان بعنف وقد لا يقترنان، لكنهما يمثلان حالة من الاكتفاء العاجز ورفض المشاركة واعتبار أن الإسلام يواجه مؤامرة "عالمية" ولا بد من التفكير كل الوقت في طرائق للدفاع عنه.

لقد كان هناك من اعتبر في سبعينيات القرن الماضي أنه في مواجهة التجربة السياسية المتعثرة في بلاد العرب والمسلمين، والتطرف الإسلامي المتصاعد فيها، فإن مسلمي المَهاجر يشكلون أملاً كبيراً باعتبار تعرفهم على مجتمعات مدنية منتظمة ومتقدمة وتجارب سياسية مزدهرة وعلاقة بين الدين والدولة لا ينظلم فيها أحد الطرفين. لكن لسبب أو لآخر تكررت الظواهر الدينية نفسها لدى جاليات المَهاجر ومسلميها. وربما عاد ذلك للترابط الوثيق المستمر والمتجدد بين تلك الجاليات ومواطنها الأصلية. ثم بسبب عدم النجاح في الاندماج الذي أعاقت تحققه متغيرات غربية أيضاً لكن أياً يكمن الأمر، فإن المسلمين بالمهاجر يواجهون مشكلات مضاعفة؛ منها الأصولية التي ظهرت بينهم فقتلت روح التوثب والتجدد. وكذلك انشدادهم إلى أحداث وتطورات البلدان الأم وهي ليست واعدة ولا مبشرة. إضافة للمتغيرات التي حدثت بالبلدان الأوروبية فزادت من الضغوط على المسلمين وشجعت نزعات التطرف أو الانكماش لديهم. ثم ظهور ابن لادن والذي أيقظ في أخلاد كثير من الشباب روح المغامرة الحية. وأخيراً وليس أخيراً عدم وجود المؤسسات الدينية المعتبرة في الوطن الأم وفي المهاجر والتي تستطيع أن تحتضن وتستوعب وتصغي للمشكلات وتنظر في الحلول.

أما الأوروبيون فمن الطبيعي أن يرفضوا من جانبهم، دولاً ومجتمعات، العنف لأسباب اجتماعية أو دينية، بيد أن التطورات داخل المجتمعات الأوروبية خلال الثمانينيات والتسعينيات أفضت إلى رفض اختلاف المسلمين في حده الأدنى، ليس من جانب أوساط اجتماعية أو ثقافية فقط، بل ومن جانب السلطات التنفيذية والبرلمامية. وقد رفعت حروب ابن لادن مستوى التوتر في أوساط المسلمين في أوروبا وفي العلاقة بينهم وبين الأوروبيين، لكن المشكلة الأصلية تتمثل في صعود أصولية بين المسلمين في سائر أنحاء العالم، ومنها أوروبا، وصعود تيارات واتجاهات أوروبية ترفض الاختلاف الإسلامي بالذات، وتصعب في الوقت نفسه من شروط الاندماج وإمكانياته.

كل مجموعة بشرية تملك معناها بحد ذاتها، والمسلمون وإن لم يكونوا في الحقيقة مجموعة واحدة، فالجميع يتعامل معهم باعتبارهم كذلك. هؤلاء الذين يبلغون خمس سكان العالم، هم الآن مشكلة عالمية.

ومن المهم والمهم جداً أن نتأمل مشكلاتنا بالمنظورين الداخلي والعالمي وأن نبتعد عن الاعتذارية وعن الشفقة على النفس، وهما الأمران السائدان حتى الآن. المسلمون الفرنسيون هم طليعة مسلمي أوروبا والأكثر عدداً بينهم، ومن المهم أن يتأملوا مسائل مستقبلهم ومستقبل الإسلام في أوروبا، باعتبارهم الأكثر مسؤولية إن لم يكونوا الأكثر تأهلاً حتى اليوم.
تاريخ النشر: الأحد 21 أكتوبر 2007



د. رضوان السيد

ــ حاصل على دكتوراه الفلسفة من جامعة توبنغن الألمانية.
ــ أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية.
ــ مدير المعهد العالي للدراسات الإسلامية.
ــ رئيس التحرير المشارك لمجلة "الاجتهاد
".
د. رضوان السيد

العيش مع الآخر... أين يتجه المسلمون؟ - د. رضوان السيد

العيش مع الآخر... أين يتجه المسلمون؟ د. رضوان السيد

د. رضوان السيد


سبق أن ذكرتُ أن السؤال عن «وجهة الإسلام» كان قد طرحه هاملتون غب، المستشرق البريطاني في ثلاثينيات القرن الماضي. وقد شغله وقتها اتجاه المسلمين بشبه القارّة الهندية إلى الانفصال عن الهند، وإقامة كيان خاص بهم رغم مساعي غاندي الحثيثة لإبقائهم في «حزب المؤتمر الهندي». وقد اعتبر «غب» يومَها أن هذا التوجه له دلالات فيما يتعلق برؤى المسلمين المستجدة للعيش مع الآخر. فقد ذهبت «الرابطة الإسلامية» إلى اعتبار الإسلام هويةً دينية وثقافية وسياسية. وبالفعل فإن الدين الإسلامي اعتُبر فيما بعد الدين الرسمي لدولة باكستان الجديدة. وظلت التجربة الباكستانية ملأى بالمصاعب والعقبات عبر تاريخها الحديث والحاضر كله. فبمساعدة الهند في مطلع سبعينيات القرن الماضي، قام البنجاليون، فيما كان يُعرفُ بباكستان الشرقية، بالانفصال عن باكستان الغربية، وأقاموا دولة بنجلاديش. ومع أن الدولتين ظلتا على اضطراب شديد منذ ذلك الحين؛ فإن دولة باكستان (الغربية) هي التي تعاني داخلياً من الأصوليات الدينية المتشددة (حركة «طالبان» باكستان). وهكذا فإن الانفصال الباكستاني عن الهند، ما أنهى حالة الانقسام، بل انتقل للدواخل الباكستانية، ولا يزال معششاً فيها في صورة توترات إثنية ودينية وسياسية.

على أن فشل التجربة الباكستانية، باعتبار الإسلام ديناً قومياً جامعاً، ما أفضى لمراجعات بشأن علائق الدين بالقومية والإثنيات، وعلائق الدين بنظام الحكم. فالقومية الكردية في تركيا والعراق وإيران وسوريا لا تزال تسعى لإقامة دولة قومية جامعة. ونحن نعرف أن الأكراد هم في غالبيتهم العظمى من المسلمين السنة وعلى المذهب الشافعي. بيد أن محاولاتهم الانفصالية عن كل الدول التي يقيمون فيها، لا تستند إلى المكون الديني الواحد، بل إلى المكون الإثني واللغوي (والتاريخي) والجغرافي. وقد دفع النزاع الكردي مع سائر الدول الوطنية والقومية والنزاعات القبلية والإثنية المشابهة في آسيا وأفريقيا، الباحثين الأنثروبولوجيين والاستراتيجيين، إلى القيام بدراسات مُمايزة بين الدين والإثنية باعتبارهما أبرز عوامل الصراع في القرن الحادي والعشرين. وقد توصل بعضهم إلى أن العامل الإثني هو الأكثر إثارةً للنزاع أخذاً من أعداد مواطن التوتُّرات والصراعات في القارتين القديمتين.

على أنه ينبغي أن يقال إنه ليس في هذه النتيجة إن صحت، أي عزاء. فنحن نعلم -بعد الثورات العربية على الخصوص- أن المسألة الدينية أو علاقات المسلمين بالآخر غير المسلم، وطبيعة أنظمة الحكم التي يريدون إقامتها، تطرح إشكاليات كبرى. فهناك ميل جامح لدى كثرة من عامة المسلمين، إلى إقامة أنظمة حكم إسلامية تميز بحدود معينة بين المسلم وغير المسلم اجتماعياً وسياسياً على أساس الدين. ووجهة نظر هؤلاء أنهم يريدون أن يحيوا حياةً إسلامية كاملة، فذلك مقتضى هويتهم ودينهم. وما دام الأمر كذلك، فإنه يصعُبُ إقامة أنظمة حكم مدنية أو ديمقراطية حتى استناداً إلى صناديق الاقتراع. فنظام الحكم في الأزمنة الحديثة يقوم على مبدأ المواطنة، الذي يفترض التساوي في الحقوق والواجبات وبدون تمييز ديني أو إثني أو جغرافي أو اجتماعي. ولأنّ الأنظمة الشمولية القامعة ما عادت ممكنة، فمعنى ذلك أن تتفكك بعض الدول والبلدان إلى وحدات صغيرة على أساس الأديان والإثنيات، وتسود بينها النزاعات والحروب على الحدود وعلى مسائل أخرى كثيرة. فكما كانت الدولة القومية الشمولية في أوروبا وآسيا وأفريقيا مدعاةً لنزاعات كثيرة؛ فكذلك ستكون الدولة الدينية القادمة مثاراً لهذه النزاعات لسببين: النزاع في الأوطان وعليها بين المسلمين وغيرهم، والنزاع بداخل الإسلام وجماعات المسلمين على النظام السياسي وعلى التمايزات بين الأحزاب السياسية الدينية القائمة.

ولدى المسلمين مشكلات كبرى في مواطن هجرتهم واستقرارهم في الدول الأوروبية وأميركا وأستراليا. فقد أثاروا بإصرار بعض شبابهم على الخصوصية الشديدة، حذر ثم نفور سكان البلاد الأصليين، وأفضى الأمر إلى عنف تقلب فيه الناس بين ظلم وظلم. وكل ذلك ينسبهُ المتابعون إلى ما يعتبرونه «يقظة» في أوساط المسلمين، تجرف في وجهها كل الاعتبارات الأخرى للعيش والتعايش وقبول الآخر أو التسليم بجواره القريب أو البعيد.

إن السؤال الآن وغداً: لماذا يسلك المسلم العادي سلوكَ الخائف على دينه، أو لماذا يسلك سلوكَ الأقلية الخائفة والمتوترة حتى في البلدان ذات الكثرة الإسلامية؟ وما هي مآلات ذلك العيش التاريخي في مجتمعات تعددية والذي عاشه المسلمون في تجربتهم التاريخية والحديثة، وهم الذين صنعوه بوحي من دينهم وقرآنهم؟ لقد اعترف القرآن بالديانات الكتابية الأخرى، وأمر بالتسليم لأتباع تلك الديانات بالحريات الدينية والاجتماعية، وحرية التنقل والتجارة، والمشاركة شبه الكاملة في الحياة أو الحيوات بداخل دار الإسلام. ثم إن دول المسلمين وسعت من الاعتراف بأتباع الديانات غير الكتابية، وسادت وجوهُ عيشٍ وادعة خلال قرون وقرون: فما الذي حصل؟ ولماذا يضيقُ المسلمون ذَرْعاً بذواتهم الشاسعة في الأصل، وبالذوات والهويات الأخرى المشابهة أو المختلفة؟ برنارد لويس يعيد هذا الضيق إلى المنخفض الحضاري الطويل الذي دخل فيه المسلمون نتيجة الغَلَبة الأوروبية عليهم في القرنين الأخيرين، ثم نتيجة عواصف الحداثة التي ضربت طمأنينتهم وسكينتهم واستقرار بلدانهم. إنما من ناحية ثانية فإن المجتمعات الآسيوية والأفريقية الأخرى عانت ما عاناه المسلمون وأكثر. وهناك أمثلة الصين والهند واليابان. وهي مجتمعات هائلة وذات أمجاد تاريخية، وقد عانت معاناة شديدة تحت وطأة الغزوات الاستعمارية والحروب الإمبريالية. ومع ذلك كله فإنها ما قررت الانفصال الشديد عن الآخر الذي قرره المسلمون. هنا يقول لويس وغيره إن تلك المجتمعات أقامت دولا قومية، ونجحت في المشاركة بحضارة العصر، والإنتاج الصناعي والتكنولوجي والاقتصادي الكبير. وهو الأمر الذي لم ينجح فيه المسلمون نجاحاً كبيراً. ولذا فإن باحثين كثيرين يعتبرون أن هناك تجارب إسلامية واعدة، مثل إندونيسيا وماليزيا وتركيا. وهناك تجاربُ ناجحة للمسلمين في مواطن هجرتهم واستقرارهم. ومع الوقت؛ فإن وعياً جديداً سيُداخل المسلمين بأن دينهم ليس في خطر، وأنه ليست هناك مؤامرة عالمية عليهم!

لكنْ، إلى ذلك الحين، ماذا يكون بالوسع فعله لمواجهة الانفصاليات والتماميات على حد سواء؟ فالانفصاليات تستشري حيث يكون المسلمون أقليات. والتماميات تصعد وتستشري حيث تكون هناك كثرة إسلامية.

الواقع أن المسلمين لا ينفردون بالخطأ في المجتمعات التي يكونون فيها أقليات. فالآخرون تغيروا أيضاً، وهم أيضاً يأبَون الإصغاء والاعتراف أو فئات واسعة منهم. وفي حالات كهذه، يكون على المسلمين التمسك بحقوق المواطنة، والتأبي على العنف وعلى الدونية في الوقت نفسه. أما مجتمعات الكثرة الإسلامية فلا علاج لها ولا حل إلا بحدوث تغيير في الوعي الديني والاجتماعي والسياسي. وللنخبة التي تعرف الدين والعالم دور كبير في استحداث ذاك الوعي. وهذه العملية شاقة ومضنية لكنها ممكنة، ويساعد عليها الاستقرار القادم، والأنظمة السياسية التعددية، والسلطات الدينية المستنيرة.


د. رضوان السيد

ــ حاصل على دكتوراه الفلسفة من جامعة توبنغن الألمانية.
ــ أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية.
ــ مدير المعهد العالي للدراسات الإسلامية.
ــ رئيس التحرير المشارك لمجلة "الاجتهاد".
د. رضوان السيد