‏إظهار الرسائل ذات التسميات سليم نقولا محسن. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سليم نقولا محسن. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 26 يونيو 2013

المعارضة في سورية ، ومعاليف السي مرسي، مصيبة أهل مصر..؟ - سليم نقولا محسن

المعارضة في سورية ، ومعاليف السي مرسي، مصيبة أهل مصر..؟ 

سليم نقولا محسن

ترتبط قضية التكفيريين وما يسمى المجموعات المسلحة المعارضة في سورية، بأجواء الأسطورة التي صنعها الإعلام العالمي المتطور، بأكثر من حقيقتها، وببدو أن لا صحة لكثير مما يتناقل عن أخبارها ويشاع، لكن البعض يعيش في الرغبات التي تدفعهم إلى ممارسة الاستمتاع بالفضائيات المروجة بنوع من الإدمان، فيستحيل إعادتهم إلى الواقع للحوار معهم، أو إدخال المنطق إلى عقلهم..

فاستهداف الحاضن السوري والعربي اللذان كانا في عهدة العثماني من قبل الغرب الرأسمالي (الانكليزي الفرنسي)، ليس وليد الساعة، فالأطماع فيهما لم تهدأ منذ ما قبل تقسيمات سايكس بيكو - ابريل، مايو سنة 1916، وإن كان يأخذ هذا في انتقال مراحله واختلاف ظروفه صورا شتى، وتكاد أن تكون أدوات التحريك السياسي اللاوطني فيهما واحدة، فمنذ ما قبل الخمسينات كانت جماعة الأخوان المسلمين، تحاول بسط وصايتها على الإسلام الشامي في سوريا لتفجيرها من الداخل، ذلك بعد أن كانت قد رسخت نفسها في الأوساط السورية منذ أواسط الثلاثينات في حلب ودمشق وحمص ودير الزور كمقابل مضاد مدعوم من بريطانيا والحركة الصهيونية العالمية للدعوات العصبوية والقومية التي تفشت، واجتاحت الوطن العربي في حماسة فائقة ضد الاستعمار الغربي، والتي ترافقت مع صعود الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية، وما رافقهما من مظاهر العزة الوطنية والتقدم القووي في أوروبا ما قبل الحرب الثانية عام 1939/ ، تلك التي كان يفتقدها أبناء الوطن، فمنذ ذلك التاريخ كانت تجهد الجماعة وبعض المنظمات المدنية والجمعيات ذات الميول الغربية في إقناع الشارع الشعبي للوقوف إلى جانب استدخال النفوذ الغربي الاستعماري، ومجانبة القوى الوطنية والقومية في دعواتها التحريرية، كما كان لها الدور الأكبر في صناعة دستور 1950 الفتنوي،

فبعيدا عن أدبيات الجماعة المكتوبة في الوسطية الإسلامية، والتي كانت تحاول فيها احتواء الإسلام الشامي الموروث الرافض لدعواتها المتشنجة الإقصائية والإلغائية للآخر، تلك القادمة من مصر مولد حركة الجماعة الأم.. كانت مجالس منتدياتها المغلقة، منابر تحريض فاعلة ضد الطوائف الأخرى المشاركة في الوطن دون استثناء، تكفيرا وتشويها لعقائدها ولسلوك مجتمعاتها وأبنائها، دون أن تغفل عن أن ترسم بالهمسات التخابثية، الأوامر اليومية، والأساليب الباطنية العنصرية في كيفية ممارسة العزل والمقاطعة واحتكار الثروات والإفقار، وإقصاء شباب هذه الطوائف من المناصب الحكومية ومنها الجيش ومن كافة المشاركات الثقافية والسياسية..

وليس بعيدا أن يكون معظم سياسيي الطبقة الحاكمة (السنة) زمنها كورثة سلطات سابقة كانت تخشى من المفاهيم الاجتماعية السياسية المترتبة على وجود وتطور مجتمع مدني، قد جعلهم هذا يقعون أسرى دعوات جماعة الأخوان العنصرية العصبوية الالغائية وشحنها الطائفي، المتناقضة مع التوافقية السورية في إدارة الحكم العادل بين الطوائف، أو أنهم قد وقعوا فريسة أجواء مناخ عنصري طاغ، أو قد خضعوا لتوجيهات المخابرات البريطانية وجمعيات الماسون ذات النفوذ، التي كانت توجه جماعة الأخوان، ذاتها صاحبة المشروع الصهيوني، فجانبوا الحق، وخانوا الأمانة من شكري القوتلي الرئيس إلى سعد الله الجابري وبقية الحاشية السائدة إلى أديب الشيشكلي، وقد روي عن جميل مردم وهو حكيمهم العاقل، أنه مر يوما في سوق الحميدية التجاري في دمشق، وسأل بعض أصحاب المحال عن أسمائهم، فأزعجه أن من صادف وسألهم كانوا من الطائفة المسيحية، فأجابهم غدا سنقيم لكم قبة جرس ونبني كنيسة، وبعدها اختفي أصحاب المحال هؤلاء تدريجيا من السوق..؟

تلك الممارسات التي نبههم في خصوصها بطاركة سوريا المسيحيين زمنها في أكثر من موضع، (الصائغ الكاثوليكي، والطحان الأورثوذكسي)، لما لاحظوه من إجحاف بحق أبناء رعيتهم، وتمييز فاضح غير عادل في التعامل الحكومي بين أبناء الطوائف، وإلا فكيف يمكن أن نفسر هذا الإصرار في تشارك أشخاص هذه الطبقة ذاتها على تبني قضية باطلة لها تداعياتها المستقبلية في تعايش أبناء الوطن الواحد من خلال تشويه سمعة زعيم وطني ورأس طائفة علوية وعضو في البرلمان السوري، مثل المغفور له (سلمان المرشد) ، واختلاق الأكاذيب حول معتقداته الدينية الطائفية وممارساتها، لتبرير إعدامه شنقا عام 1946، ومن ثم محاصرة أسرته وطائفته من بعده طيلة سنوات، إلى أن قتل الشيشكلي وريثه وأكبر أبنائه (القائم الموعود في طائفته) مجيب المرشد عام 1952/.. وفي ما أشيع من سوابق لهم، اغتيال الد.عبد الرحمن الشهبندر عام 1940/ في عيادته وكان من زعماء الثورة السورية وعقلها، وهو(سني وطني متنور)، وضلوع هذه الطبقة السياسية الحاكمة ذاتها (الكتلة الوطنية) في مقتله، وللحقيقة فإن هؤلاء كانت لهم أذرع من الرعاع القتلة، يعهدون إليهم بالمهام القذرة ويحمونهم..

إذن فالأوضاع المتراكمة قد هيأت لوجود حاضن لفكر التكفير والإلغاء، رعته الجماعة بدراية ولم يغب عنها، تشارك في تكوينه طيلة سنوات مجتمعات ذات بعد هامشي مصحر لا يعرف سوى الغنائمية من (الغير المُحلل)، بابا للعيش والحياة؟، شاركت الدولة في إنتاجها، وهذه المجتمعات لا تنتمي إلى المجتمع المدني السوري ولم تدخل إليه ولا تعرف العمل والإنتاج وما يفرزه من علاقات ومنظومات قانونية أو عرفية تحكمه.. كما لم تفلح دعوات الدولة وسلطاتها الفوقية التبشيرية بالعلمانية، أو التعايش السلامي بين أبناء المجتمع الواحد، وسيادة الدولة وقانونها، ولا حتى التبذير في الاقتصاد الاجتماعي، أن تقنع عقول هؤلاء أو أن تلجمهم، أو أن تخفف من جموحهم..؟

فالواقع المعاشي ومنظومته الاقتصادية هو من يوجه إلى مزيد من المغانمية أو العمل والاستفرار بغض النظر عن التحريضات الأدبية الكلامية وإن علت أصواتها، ففي أواخر السبعينات حاولت جماعة الأخوان في سوريا ركوب الوضع الاحتقاني لتنظيمات سياسية في سورية لم تكن تعرف الطائفية، وكانت ذات بعد قومي ناصري أو يساري أممي، أو ذي طابع انشقاقي كالبعث العراقي، كنتيجة لخطأ القيادة السلطوية في عدم احتوائهم وإلى إخراجهم من الساحة السياسية، لجرهم إلى معركتها الانقلابية ضد الدولة، كما ركبتالجماعة موقفا تحريضيا طائفيا بما سمته انتزاعا للرئاسة من الطائفة السنية عقب استلام الرئاسة حافظ الأسد لإعطاء حركتهم بعدا دينيا جهاديا، يقنع مجاميع الشعب وبجرها إلى انقلابيتهم، وقام تنظيمهم الطليعي في عمليات عسكرية متنوعة في عموم سورية اتخذت طابع الاغتيالات والمجازر، لإحداث الفوضى، نبذها الموقف الشعبي العام، فلم ينجر إلى حركتهم ولم يتبناها، فانتهت..

إذن فتحويل سوريا إلى ملعب للصراع مطلب دائم متجدد، عملت عليه وأتقنته الجماعة طيلة تاريخها في سوريا، ولم تكن سوريا بحاجة إلى أزمات داخلية لصنع الأحداث الجديدة فيها، فالمطالب المطروحة (ضد الفساد وفي الحرية والديمقراطية) التي انجر إلي الاحتجاج عليها قطاعات كبيرة من الشعب لم تكن أثقالها صارخة عليه ولا مفهومة له، وليست سوى محاكاة بغبغائية لصنع التغيير أكان صالحا هذا لهؤلاء المحتجين أو غير صالح، أسوة بما كانوا يرونه يحدث في ضجيج ناري انفعالي عبر نقل الفضائيات له من دول الجوار،

لكن جماعة الأخوان ومن اشترك معها من بقايا اليسار المتحول إلى الديمقراطية الأمريكية، والمنظمات الإنسانية الخيرية المشبوهة، كانوا بحاجة إلى هذه الاحتجاجات لركوب موجتها والانحراف بها، بالرغم من أن جماهير الاحتجاجات ذات الطابع المدني التي انساقت بداية قد تركتهم رغم كل الإغراءات، فصاروا أعداءها، ولقد استطاعوا عبر التحالفات المقامة مع القوى الدولية من خلال تنظيم الجماعة العالمي، والجماعات التي رتب لها تسلم السلطات في دولها أن ينسقوا فيما بينهم، بالاشتراك مع دول الجوار الإقليمية، لأن يفتحوا الحدود لما يسمى بالمجاهدين العالميين لإحداث الفوضى، وإفساح المجال من خلالها لاستيعاب كل اللصوص والخارجين عن القانون والزناة والقتلة والمهربين وعصاباتهم، وشركات القتل العالمية المتخصصة، وأن يمدوا غطاء سياسيا دوليا.. تعبر وتتحرك تحت خيمته كل قوى النهب العالمي وتنظيماتها وملحقاتها لتخريب سوريا واستباحتها وتقويض دولتها..؟ .. لكن كل هذا قد أحدث فوضى فأين الثورة ؟..

ومع هذا تصر كل قوى الغرب العالمية بما فيها إسرائيل الحدودية، التي دخلت المسألة السورية مؤخرا علانية دون حجاب، على المغالطة وقلب الحقائق في معرض تناولها حراك الشعب السوري وثورته، فكل هؤلاء العملاء المشتركين في إقامة الفوضى هم الشعب بحسب تصنيفهم، وهم الثوار؟، أما شعب سوريا المقاوم الساعي إلى أمنه والراغب في السلام والعدل، الذي نصر على وصفه بالمدني، هو القاتل وهو من يستبيح القوانين الدولية ويهدد السلام العالمي..؟

ومع كثرة المحاولات لتصوير طبيعة الصراع كما يتناسب ورؤياهم المصلحية وتبريراتهم، أيضا يحاولون نقل مجريات أحداث التشابكات على الأرض السورية، بما يتناسب وتسويقاتهم السياسية والعسكرية ومكاسبهم الآنية والمستقبلية،

أما حقيقة مجريات التحركات القتالية في ما يحدث من الجديد والمستجد على الأرض السورية فيأخذ الشكل التالي:

1 - الشعب في كل مدنه ومختلف طوائفه وشرائحة مستهدف من قبل التكفيريين في قنص عشوائي وضرب باللحم عن طريق التفجيرات المتنقلة، والاستخدام المحدود للكيماوي السام، أو الخطف العشوائي والاغتيالات والمجازر، أو في العمار بالتخريب والدمار.. الشعب بالنسبة للتكفيريين وعصاباتهم الإجراميةهو من حصة الدولة بكافة شرائحه، فالكل مستهدف ودمهم في زعمهم مباح(وهذه مفارقة في الثورات)، لكن قد تمنع مثل هذه الممارسات حرية أفراد الشعب السوري من الانتقال وتأمين القوت اليومي، وتضفي بعض الخوف والرهبة، إنما لا تستطيع منعهم من التفكر ومراقبة الأمور ، كما لا تعني التمكن من القضاء على كل السوريين وإفناءهم، أو بسط الاحتلال والسيطرة عليهم وتقييدهم.. والأيام قد أغنتهم خبرة في كيفية تجنب الخطر..وأساليب القتال بشكل أفضل، فعبر الاتصال مع الكثير من الأخوة السوريين المقيمين في مدنهم وقراهم: لا نسمع منهم تأكيدا عن ما يشاع أو عن ما تبثه الفضائيات، بل في الغالب نفيا لها، فهم يتحدثون عن الأمان والاطمئنان فيما بينهم، وعن اكتفائهم التمويني وتوفر ما هو أساسي، وعن عدم حاجتهم إلى شيء..؟

2 - تستخدم العصابات التكفيرية الاستراتيجية الجرذية .. هم دائما في الخفاء وفي الأنفاق التي يكثرون من حفرها، تحت الأحياء والأبنية، كما أحدثوا فتحات قتالية بين المنازل، في المناطق التي هجروا بعضا من أهلها، وأبقوا الآخرين دروعا بشرية، ولم تنفعهم في شيء، لذا فهم لا يواجهون الشعب أو الجيش مباشرة.. وبالمقابل لا يواجههم الجيش.. ولا يبحث عنهم، ولا يلاحقهم.. لكن الشعب وجيشه في حذر دائم منهم، هم فجأة يظهرون، فجأة تجتمع أعدادهم، لتهاجم حاجزا عسكريا منعزلا، أو إنسان ما يسير وحيدا، أو حيا متطرفا أو منزلا، فيقتلون ساكنيه ويمثلون بجثثهم ، ثم يختفون، لا يحتلون أرضا أو منطقة ما، فلا قدرة لهم على ذلك، ولكنهم يتواجدون في بعض الأمكنة، التي يمكن أن يهربوا وينسحبوا منها، يستخدمون القنص البعيد المتخفي من بنادق ليزرية متطورة وعادية، ويرمون بالصواريخ المحلية وبالهاون من بين الأبنية أو من أسطحها في عمليات مركبة تتقنها العصابات يقوم بها أفراد منهم قد لا يتجاوز الأثنين أو الثلاثة ثم يهربون، وربما يأتي البعض منهم من وراء حدود الدول المجاورة، لكن كل هذا يبقى محدودا في تأثيراته، ولا يمكن أن يرقى إلى مستوى الحسم القتالي أو العمليات الكبرى التي يهولون لها .. عمليات جرذية مؤلمة قد تصيب أفرادا ممن تطالهم بالمصادفة أو الاستهداف الانتقائي بأساليب أقرب إلى الغيلة.. لكن هل رأينا أحدا يترك منزله ويغادره من أجل جرذ، أو أن يسلمه لجرذ.. ويرحل؟

3 - مشكلة الشعب والقيادة والجيش.. هو الحفاظ على أبنائه، على أفراد الشعب من كل فئاته على اختلاف توزع مدنه ومناطقه، وهؤلاء يستهدفون أفراد العصابات التكفيرية فقط دون غيرهم، مع صعوبة تمييزهم لتخفيهم بين المواطنين المسالمين.. بالوقت نفسه نرى العصابات التكفيرية تستهدف كل أفراد الشعب دون تمييز .. كما يستهدف الصياد البط في بحيرة..؟

لذا فالقوات المسلحة السورية وشعبها وعلى غير ما يشاع ويتناقل، هما في حالة راحة مع الحذر الدائم.. وقواتها تراقب وتحاصر.. ولا تحتاج إلى أعداد كبيرة ولا إلى مجهود استثنائي، ولا إلى أسلحة متفوقة، ولكن إلى أساليب جديدة وطرق نوعية في القتال لا أكثر.. ربما ستطول المعركة، فمرسي المصيبة الأكبر لأهالي مصر المحروسة، الذي أعلن تبنيه لثورة أخوانه في سورية وأتباعهم، فقد قرر علف الفائض من شعبه، ومن العرب، ومن جهاديي الإسلام في الدول الأخرى، ومن السوريين الذين غادروا إليه تحت مسمى المعارضة، أما وقد أصبح لديه فائضا من المعاليف هؤلاء، والذي وعد على الغالب بأموال طائلة ثمنا لتسمينهم وبيعهم.. سيرسلهم في قادم الأيام مع بعض المجاهدات.. وسيتسللون إلى سوريا، وسيحسبون شعبا عليها، ومجاهدين فيها عبر الفضائيات، وثوارا ..؟

ولا شك أن بعض الضوضاء الدموي موضع رعب وإزعاج، وليس مرحبا به، لكنه بالتأكيد لا يمكن أن يحسب بأي حال أهازيج فرح...

الجمعة، 24 مايو 2013

الموالون، ومسار الدولة في تربية الذئاب..؟ - سليم نقولا محسن

*الموالون، ومسار الدولة في تربية الذئاب..؟ 
سليم نقولا محسن

 الأحداث السورية الجارية التي انعكست بدورها سلبا على ما يحيط ، ليست بالأمور البسيطة، فلقد استطاعت التوجيهات المتتابعة الممنهجة، أن تتغلغل عبر سطح الثقافات المتداولة، وأن تنشئ بدلا عنها مقولات فكرية جديدة مغايرة تماما لما كان سائدا، بواسطة أدوات محلية مخترقة غالبا ما اعتبرت بين السكان من أهل الإمامة أو الثقافة أكان أشخاصها من العملاء أو الأغبياء..
فالحرب الحديثة لا تقام فقط بواسطة الأدوات الحربية المتفوقة، وإنما
أيضا بالعقل المتفوق، فما هو معروف أن من أبسط الأمور المعمول بها للتفوق على الخصم جعل هذا الخصم ضد ذاته، وإشغال فكره بما هو ثانوي من خلال التأكيد على اعتبار هذا الثانوي، هام وأساسي ومميت، مما يتيح عبر انشغاله فيه الانقضاض عليه.. وفي المسار ذاته اعتبار العدو بشكل ما صديقا منقذا، والانحياز إليه، وإلغاء الذات الفاشلة حسب الظن، وتوكيله لقصورها لتوليته أمورها، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تهالكها، فعلى سبيل المثال: هل كان أهل البلاد من احتل البلاد في فلسطين، وأن احتلال الصهاينة لفلسطين كان عملية إنقاذ لأهلها.. وأن حالة التشرد والبؤس والضياع والعيش في الشتات.. كانت مجرد خيالات وأوهام، فبعض ممن اعتبر يوما من المثقفين لفلسطينيين وإمعاتهم، ينحون في هذا الاتجاه، ويعمدون على حرق ألثورة الفلسطينية للتحرير والعودة، في أكثر من موقف مداور أو معلن، ويطبلون ويزمرون، ويهللون ويفرحون لأوجاع وانكسارات فصائل الثورة ومن يواليها أمام الاعتداءات الإسرائيلية، وصولا إلى حرق علم فلسطين بما يمثله من هويتها التاريخية ورمز وجودها، في دلالة واضحة على تسليم أمورهم إلى الأعداء، وإلغاء الذات، وإذا جاز القول الانتحار..؟
وليست هذه حالة فلسطينية فريدة، إنما عربية أيضا تتناول شرائح واسعة نسبيا في معظم الأقطار، وتنتشر بين مثقفي السلطات أداة ترويج سلعها الفكرية بشكل خاص، فهل كانت المطالبات الشعبية السابقة في وحدة البلاد 
العربية والحرية والتقدم بشكل ما مغلوطة أو خاطئة، وأن البديل عنها المنقذ كما يصورون هو الاحتلال ومخيمات البؤس والموت والإذلال.. لم تتبدل أدوات القهر ولا أشكال وطرق تنفيذها، ولا الدول الراعية لها ولا مفاهيمها، وأن مساحات واسعة من الكرة الأرضية من أمريكا اللاتينية إلى شبه الجزيرة الكورية إلى الصين سابقا والقارة السمراء وأفغانستان وأراضي العرب ومنها العراق شاهدا على ذلك.. أم أن كل ذلك قد غيب عن الذهن تماما،
أو غطي بورود ومروج الربيعات..؟

إذن علينا تناول المسألة من مقترب آخر مختلف، وعلى غير ما هو متداول، فالثورة الجديدة المصدرة إلى شعوبنا وبلادنا، ليست وطنية لتحرير الأرض من الغاصب وإقامة دولة شعب الوطن الحر، ولا هي تقدمية من أجل إنجازات اقتصادية واجتماعية توصل إلى الوفرة وأمن وسلامة العيش، ولا سياسية من أجل توطيأات لمسائل الحرية والديمقراطية وتوظيفاتها السياسية كما يدعون، إنما هي أمر مختلف، واختلاق ثورة، هي مرتبطة بقضايا دولية وإقليمية وتوازنات عالمية للسيطرة والهيمنة على ثرواتنا وأراضينا وشعوبنا، وهذا ليس محل خلاف، ولا جدال عليه، لكن ليس هذا كل شيء.. فإن ما يحدث هو فوضى وخراب وإلغاء وموت وتهجير، يتم على غير ما هو متعارف عليه ومتوقع بواسطة وسائل جديدة أخرى وعبر أدوات مستعبدة وبائسة ومضطهدة، في بلادها ومواطنها، تستنفر وتوجه ضد شعوب تحاكيها وتجاريها في المأساة، وهي تظن أن بوصلتها صحيحة، وأنها في حربها المعلنة تروم الخلاص، لكن بقيادة عالمية خبيثة..؟

في زمن هيمنة الإمبراطوريات كان الأباطرة يلجأون، خوفا من تحرك أهل البلاد الأصليين، إلى تغيير تركيبة السكان، في دورية زمنية، لضمان ضعفهم وخضوعهم وولائهم، فيعمدون إلى تجديد مناطق توزعهم، فإما يهجرونهم إلى بلاد أخرى، داخل أقاليم الدولة وإما يبيدونهم، أما إن كانوا بحاجة إليهم وإلى مواطنهم لما يتميزون بقدرة نوعية على الإنتاج، فيأتون إليهم بسكان جدد يختلفون عنهم في طرق عيشهم ومسلكهم وعقائدهم، ويسكنوهم بينهم أو إلى جوارهم، وهؤلاء الجدد لا بد أن يرتبطوا بمن أسكنهم كمصدر عيشهم الوحيد وبطرق شتى، ويستعملون غالبا كقوة قامعة مرهبة ضد السكان الأصليين، وهذا ما كانت تفعله الدولة العثمانية في تاريخها، ولعل آخرها ما قامت به حكومة
دولة تركيا الطورانية القومية الحديثة بحق مواطنيها، من الشعوب الأصيلة في الدولة، في مطلع الحرب العالمية الأولي، إذ أبادت شعب الأرمن في مجازر بشعة، وقبلهم الأكراد، وهجرت العرب، واليونان من أراضيهم وأراضي أجدادهم..واستولت عليها وأسكنت غيرهم..؟

في الأزمنة الحديثة ومع نشوء القوانين الدولية الجديدة التي تحمي حقوق الإنسان، التي منها حق الحياة والاعتقاد، وتغير المزاج الإنساني الدولي، لم يعد مستساغا القيام بمثل هذه الأفعال علانية من قبل الحكومات المعنية، اتجاه الشعوب المستهدفة المغلوب على أمرها، وإن كان يتم تنفيذ شبيه لممارساتها بطرق مواربة، لخدمة سياسات ومصالح دولية، كما مأساة تشريد شعب فلسطين عام 48 ، التي حدثت في ظلها، وحدوث مذابح عرقية وطائفية متعددة في مختلف أنحاء العالم، كما مذابح كوسوفو في البلقان، ورواندا في القارة
السمراء، أو العراق، ذلك بعد أن يتم التحريض عليها خفية وتحت مسميات مخملية مختلفة والإعداد لها بإتقان، ولا يشذ آخرها عن ما سبقها تلك المتمثلة في أحداث مذابح اليوم في سوريا، التي تطال ألوانا من النسيج السوري باسم ثورة الحريات ودعاوي الجهاديات التكفيرية المستنحتة مفرداتها من التراث، والمستقدمة أدواتها من أنحاء البلاد،
إذن كان لا بد من استنحات طرق أخرى في تغيير تركيبة السكان، ليست العرقية أو الطائفية، أو اللغوية وما شابه في الدلالات الخلافية، أو اعتماد التغيير في جغرافية تواجدهم، وإنما بالسكان ذاتهم، ذلك في تبديل طرق المحاكمات العقلية فيما بينهم، ونظرتهم لذات الأمور المعروضة أمامهم..بدءا من أماكن استنباتهم، من خلال قلب ظروف بيئاتهم الحياتية..؟

فعلى مدى عقود من الحكومات الوطنية الاستقلالية، تمت وفق ضرورات منها سلطوية أمنية إضافة لحاجة ترتيب الولاءات حول كل من السلطويات المستجدة، إعادة توزيع الثروات العامة والخاصة، وتبني دور الاضطلاع في مهام الاقتصاديات الاجتماعية الإنسانية وما يترتب عنها، تلك التي توفر الضرورات الحياتية كالخبز والوقود والخدمات التعليمية المجانية والصحية، وأساسيات المواد الأولية الحرفية والمستلزمات الزراعية، التي كان من نتيجتها إضافة إلى غيرها وإلى مركزية المشاريع وحصر فرص العمل في المدن
الرئيسية، إلى استجرار مواطني الأرياف إلى أفخاخ الحضرية المدنية
المغلوطة، فجرى حشر آلاف الخريجين الجامعيين الذين لا فائدة منهم في مشروعات خلبية خارج اختصاصاتهم، وإلى احتواء الآلاف ممن يمتلكون قوة العمل في تورمات الدولة الاقتصادية دون عمل وإنتاج مجدي، وقد استدعت حاجة إقامتهم إلى التوزع حول المدن في سكناهم كجسم غريب في بيوت البلوك الاسمنتي، الشبيهة بالمخيمات، والتي توسعت إلى أحياء غير نظامية في كل الاتجاهات، طبعت أبنائها في أنواع من السلوكيات الخاصة المتوترة، وهذه الأحياء جرفت في نموها الفوضوي حتى أراضي الزراعة القريبة المعدة لحاجات
أهل المدن..؟

وكان من جراء نمو ظاهرة الفوضى السكانية المستجدة هذه، المخالفة للقواعد الأساسية في إقامة الدول والمجتمعات، إلى تبدل للمفهوم المدني القائم في وجوده على حاجة المجتمع إلى حكمة العدل، لنوع من المفهوم المدني الأهوج القائم على الردع الاستنسابي المتدرج في عنفيته إلى الظلم والطغيان والقهر، وتبعا إلى تواجد مجتمع مدني مزيف مظهري، إلى جانب المجتمع المدني الأصيل، يقوده الموالون الذين استولدوا بدورهم موالين من جنسهم، تمفصل أشخاصهم عناصر دائمة في مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية وفي نقاباتها واتحاداتها ومراكز القرار فيها، مما أدى ذلك إلى تبدل المفهوم الاقتصادي
والقانوني والأخلاقي للمجتمع الجديد، وشيوع مفهومه من مجتمع يرتبط دخل
الفرد فيه بما يقدمه من إنتاج مفيد إلى مجتمع يرتبط الدخل الفرد فيه
لمستلزمات عيشه المتميز، وإلى رفاهيته الفاجرة، وتقويمه الاجتماعي على الموالاة، أو اللا مشروعية في الخروج عن رقابة السلطات وقوانينها.. وكان
هذا من العوامل الرئيسية التي أدت إلى إلغاء محاكمة العقل، وإلى ضمور الفكر والإبداع والقيم المؤسسة على العمل والانتاج، وسببا في الفساد والإفساد وشيوعه، وبالتالي إلى نشوء شرائح واسعة من السكان شرهة لا تشبع، كل ما تقدمه، وكل رأسمالها ادعاء المولاة..؟
هذه الشرائح السكانية المتشكلة على تنوعاتها قد تميزت في غالبيتها من أفراد لم يعرفوا الارتباط بالإنتاج وعلاقاته، ولا آلياته الاجتماعية
والأخلاقية، فلا مهارات حرفية لديهم ولا عمل لهم، أو يمكن إدراجهم عقب أن احتوتهم الدولة لقاء أجر شهري منتظم، ذلك في إشغالهم ضمن مشاريعها المستحدثة، أو في تضخيم جهاز الدولة الوظيفي والأمني والعسكري، ضمن آليات تقنيع البطالة، في خانة البطالة المقنعة، مما شكل كل هؤلاء وعائلاتهم ومن هو مرتبط بهم في الإعالة، تجمعات سكانية تزاوجت وتناسلت، وحصّل أفرادها العلم المجاني العالي أو البسيط ، وغادروا تقاليدهم ونسوها إلى ما اعتقدوا أنها حداثة ومدنية، وعاشت هذه على هامش المجتمع المدني المستقر
وسلوكياته وعاداته ومعتقداته وأعرافه المتوارثة واقتصادياته  لانتاجية، وإن تداخل اليعض من شرائحها أو أفرادها في سكناهم مع جغرافيته كجسم غريب..؟
حقيقة الأمر فقد تحول هؤلاء الهامشيون في طبائعهم وفكرهم إلى حالة ما قبل الاجتماع الإنساني واستقرار المجتمع، إلى حالة الأسروية الفردية المستقلة واقتصاد الصيد والالتقاط، وشبه حيوانية، لكن في صور أخرى، تتناقض ممارساتها العملانية الخفية والمعلنة حتى مع محفوظاتهم النصية للشرائع والأعراف والقوانين والقيم، فأضحت هذه غير مفهومة ولا قيمة لها، فالحرية لديهم هي نقيض مفهومها الوظيفي كضرورة للعمل الإنتاجي والسياسي، وتعني لهم التحرر من الكوابح التي تفرضها ضرورة الاجتماع الإنساني وقيوده وبالتالي الانفلات، وتعني الغنم والفجور والتخريب، فكل ما حولهم، أصبح مشاعا لديهم، وما يملكه الغير هو في اعتقادهم حق لهم قابل لوضع اليد عليه
وامتلاكه واستهلاكه، إذا انتفى المنع عنه أو الخطورة، فلقد تحولوا إلى قطعان افتراسية في مظهرية آدمية، وحالة ذئبية كل شيء لديها قابل للالتهام.. فلا انتماء لها ولا أخلاق ولا أوطان.؟

وأن كل ما كان يحتاجه هؤلاء هو الفرصة المؤاتية لإعلان حقيقتهم، كي ينتقلوا مما هم عليه من الممارسة المواربة الخجولة المتعبة إلى الصريحة لإشباع فورات شهواتهم، ومن حالة التبعية المقيدة الممانعة في إطار الدولة والسلطة لضروارات التوازنات المجتمعية السياسية لاستمرار سيادية الدولة وبقائها ووحدة أبناء مجتمعها، إلى سياديتهم الهوجاء المشرعنة، لاختراق كل محظور، والتصرف بما ليس لهم، أو حقهم أو ملكهم.. فلذا لم يكن مستغربا من مثل هكذا تكوين أن يتواءم أفراده أو جماعاته مع دعوات الفوضى الوافدة  
والتدخل الغريب، وخلع الشرائع، وإزالة الدولة وتهجير الشعب والإبادة وخراب العمران، وبيع الأوطان والديار، وأن يستجيبوا للدعوات التكفيرية الجاهلية الوافدة ذات التركيب الفكري البسيط، بما يسمح من كم تبريري، عبر إسقاط كل ما هو قائم لإعلان دين الله، وإقامة دولة الإسلام، وكي يعلنوا أن كل ما حولهم دار حرب وكفر، وكل ما تحويه من بشر وضرع وشجر وأرض وثروات مغانم للمجاهدين  المنصورين من الله..؟

فالمتتبع لتفشي هذه الظاهرة الوبائية السكانية في دولة ما ومنها سورية، وخاصة الدوائر الدولية ذات المصلحة المعادية، لا بد أن تلاحظها، وتواليها، وإلى أن تعمل على استغلالها وتفاقمها، وتجييش أفرادها وتجمعاتها، هذا إن لم يكن قد سبق وأن ساهمت في التأسيس لها، لتنفيذ مآربها ضد الدولة، فإن كان من الروادع التي تحبط انفلات همجية هذه الجماعات، هو الخوف على مصدر رزقها، وهنا الدولة، عملت على استبداله في عطاءات سخية تعويضية، وإن كانت القوى الردعية العاملة بموجب القوانين الاقتصاصية، عملت على إلغائها في إحداث الفوضى وإشغال الدولة وتعطيل مؤسساتها، وإن كان قد تبقى لدى البعض من أفرادها القليل من التقليد القيمي الاجتماعي والديني الموروث، عملت على إلغائه في مفهوم بديل يحلل الحرام ويمنح الثواب لما كان قد أوجب أو نهى عنه السلف..
ففي إحصائية معلنة شبه تقريبية ترافقت مع بدء الأحداث في سورية: قدر أن عدد الملاحقين قانونيا الصادر في حقهم أحكاما غيابية لقيامهم بأفعال جرمية، ما يقارب الستين ألفا، وهو رقم كبير يدلل على ما كان يعتري المسار الوظيفي للدولة من خلل، يداني المأساة، عدا عن ما كان من احتمالات مرجحة في أن يتشكل جيش تخريبي من هؤلاء الملاحقين بالإضافة إلى غيرهم، لبدء افتعال الأحداث السورية.. وهذا ما كان قد حدث..؟