الخميس، 15 مايو 2014

مقياس التكثيف و الإضمار و الحذف : في القصة القصيرة جدا - عمر دغرير

مقياس التكثيف و الإضمار و الحذف في القصة القصيرة جدا
عمر دغرير

ما هو التكثيف ؟
نعني بتكثيف القصة اختزال الأحداث، وتلخيصها، وتجميعها في أفعال رئيسية، وأحداث نووية مركزة بسيطة، والتخلي عن الوظائف الثانوية التكميلية، والابتعاد عن الأوصاف المسهبة، أو التمطيط في وصف الأجواء.
ونفهم من هنا، أن القصة لابد أن تخضع لخاصية الاختزال والتركيز ، وتجميع أكبر عدد ممكن من الأحداث والجمل ، وذلك في رقعة طبوغرافية محددة، ومساحة فضائية قصيرة جدا. ولا يكون التكثيف – هنا- فقط على مستوى تجميع الجمل والكلمات، بل يكون أيضا على المستوى الدلالي، فتحمل القصة تأويلات عدة، وقراءات ممكنة ومفتوحة.
ويعد التكثيف أيضا من أهم عناصر القصة القصيرة جدا، ويشترط فيه الدكتور يوسف حطيني: ” ألا يكون مخلا بالرؤى أو الشخصيات، وهو الذي يحدد مهارة القاص، وقد يخفق كثير من القاصين أو الروائيين في كتابة هذا النوع الأدبي، بسبب قدرتهم على التركيز أو عدم ميلهم إليه.”
هذا، وتستند معظم قصص مصطفى لغتيري إلى التكثيف القصصي، والإيجاز في تفصيل الحبكة السردية ، وذلك عن طريق التركيز على استهلال وجيز، وطرح للعقدة بشكل مركز، وتبئير لنهاية قد تكون مغلقة أو مفتوحة، تحتاج إلى التخييل القرائي، والتأويل الاستنتاجي، والتفاعل الضمني بين النص والمتلقي، كما في قصة: ” بلقيس”، التي يصور فيها الكاتب العطش الإنساني إلى الارتواء الشبقي والإيروسي؛ بسبب الافتتان بغواية المرأة، والإعجاب بجمالها الفينوسي الجذاب اشتهاء وحرقة:” في قصر سليمان، حينما كشفت بلقيس عن ساقيها المرمريتين، كان هناك في مكان ما، عين تختلس النظر، وترتشف بالتذاذ تفاصيل القوام البهي.
من مكانه، في إحدى شرفات القصر، رأى الهدهد ما حدث، فاعتصر قلبه الندم.
منذ ذلك الحين، أقسم الهدهد بأن لا ينقل مطلقا الأخبار بين البشر، وأن يلزم الصمت إلى أبد الآبدين” .
وتعتبر مجموعة” أبراج” لحسن برطال نموذجا بارزا لخاصية التكثيف والاختزال السردي؛ وذلك بسبب قصر الجمل، وكثرة الفواصل المفرملة.

ما هو الإضمار والحذف؟:

تستند القصة القصيرة جدا إلى مكون الإضمار والحذف، باعتبارهما من أهم الأركان الجوهرية للقصة القصيرة جدا، وينتجان كما هو معلوم عن طريق وجود نقط الحذف، والفراغ الصامت، وظاهرة التلغيز.
وهكذا، يستعمل كاتب القصة القصيرة جدا تقنية الحذف والإضمار ، من أجل التواصل مع المتلقي، قصد دفعه إلى تشغيل مخيلته وعقله، لملء الفراغات البيضاء، وتأويل ما يمكن تأويله؛ لأن توضيح دلالات المضامين ومقصدياتها ، لايمكن توضيحها أكثر من اللازم. ويستعين الكاتب غالبا بالإيجاز والحذف ، وذلك لدواع سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، ولعبية، وفنية، وأخلاقية. كما أن ذكر بعض التفاصيل الزائدة التي يعرفها القارئ، تجعل من العمل الأدبي حشوا وإطنابا. لذلك، يبتعد الكاتب عن الوصف، ويستغني في الكثير من النصوص عن الوقفات الوصفية، واللوحات المشهدية، التي قد نجدها حاضرة في القصة القصيرة العادية أو النصوص الروائية.
هذا، وتتحقق ظاهرة الإضمار فنيا في المجموعة القصصية القصيرة جدا ، وذلك عن طريق الحذف الدلالي، وتشغيل علامات الترقيم الدالة على غياب المنطوق اللغوي، وحضور الإبهام البصري، وهيمنة الفراغ اللغوي، ويظهر ذلك بوضوح في توظيف النقط الثلاث، كما في قصة: ” برتقالة ” لمصطفى لغتيري التي يحاور فيها تناصيا قصة أحمد بوزفور ،حيث تتحول سيارة أجرة إلى برتقالة ، عندما تعاين شرطي الطريق، فيقع هذا التحول خوفا من بطش السلطة، وهربا من مضايقاتها غير المشروعة:” صباحا فتحت باب الثلاجة…مددت يدي داخلها…تناولت برتقالة….متلذذا شرعت أقشرها…فجأة أمام ذهولي، تحولت البرتقالة إلى سيارة أجرة صغيرة حمراء…شيئا فشيئا استحالت دهشتي إعجابا بالسيارة…بتؤدة فتحت بابها الخلفي…انبثق منها الكاتب متأبطا أوراقه… مددت يدي نحوه…دون تردد سلمني إحداها…متلهفا قرأتها…إنها قصة سيارة أجرة، تحولت إلى برتقالة” .

ويبين لنا هذا مدى غلبة الطابع الذهني على قصص الكاتب؛ مما يجعل قصصه الرائعة تجمع بين المتعة والفائدة. أي: إن الكاتب يصدر في قصصه عن معرفة خلفية، وزاد ثقافي رمزي، وهذا ما يميز هذه المجموعة عن باقي المجموعات القصصية القصيرة الأخرى.
ومن أهم سمات القصة القصيرة جدا عند حسن برطال وجود ظاهرة الحذف والإضمار، وذلك من خلال الإكثار من علامات الحذف، والنقط المتتالية الدالة على حذف المنطوق، واختيار لغة الصمت والتلميح ، بدلا من التوضيح والإفصاح .
هذا، ويكثر الكاتب من نقط الحذف لخلق بلاغة الإضمار والصمت، بدلا من بلاغة الاعتراف والبوح، التي نجدها كثيرا في الكتابات الكلاسيكية شعرا ونثرا. وفي هذا الصدد، يقول الكاتب متوكئا على بلاغة الحذف، ملمّحا إلى الموت، ومستنكرا بشاعة القتل البشري:” قابيل دفن أخاه…الغراب دفن أخاه….والذي قتل بغداد دفن نفسه…” .
وعليه، يستلزم الفراغ النقطي قارئا ذكيا، لما يكتبه حسن برطال؛ لأن قصصه قنابل موقوتة، يمكن أن تنفجر في أية لحظة، يحتك فيها المتلقي بأسلاك قصصه القصيرة جدا، والتي على الرغم من حجمها الكبسولي تحمل في طياتها أسئلة كثيرة، وقضايا إنسانية شائكة- كما قلنا سابقا-.

 ( منقول )
إرسال تعليق