‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبد العزيز كوكاس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبد العزيز كوكاس. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 13 أبريل 2020

هكذا حول فيروس كورونا الإنسان المعولم إلى فارس بلا وجود - عبد العزيز كوكاس

هكذا حول فيروس كورونا الإنسان المعولم إلى فارس بلا وجود 

عبد العزيز كوكاس
« الموت يدفع الإنسان لأن يكون أكثر تيقظا للحياة » باولو كويلو
فجأة فقدنا ثقتنا بعالم الوفرة وعصر السرعة والتقنية المتطورة، إذ اكتسى فيروس كورونا المستجد نفس سمات عصرنا.. التكاثر والتناسل والانتشار السريع، كل التقدم التكنولوجي وتكاثر الخيرات الطبيعية والأغراض المادية التي وصفها بدقة جان بودريار في كتابه عن المجتمع الاستهلاكي الذي تحولت فيه وفرة الأغراض والسلع إلى أسطورة جديدة، حيث تحول الاستهلاك إلى جوهر أخلاق عالمنا الذي يوشك أن يحطم كل أسس الكائن البشري..  كل هذه الوفرة والبذخ السلعي الزائد لم يصد عن الإنسانية حاجتها الأولى للبقاء في الحياة.

في سطوة حضارة الإشباع والجشع أصبح الكائن الإنساني المتعدد الأبعاد، مثل نسخ مكرورة، واحدي الأبعاد ك »فارس بلا وجود » كما وصفه الكاتب الإيطالي « إيتالو كالفينو »، مستغرقا في قعر وجوده البيولوجي والفيسيولوجي، مجردا من الخيال والشعر والدين، حتى جاء فيروس كورونا المستجد ليعيدنا إلى صميم ما يشكل جوهر وجودنا، أي الوعي بقيمة الحياة وقيمة العالم الذي نعيش فيه، بعدما أصبنا بغربة عميقة عن ذواتنا وعن الكون الذي نسكنه، وأصبحنا مثل كائنات تتحدث بلغات متبلبلة، نحتاج إلى مترجمين لفهم بعضنا وفهم رسائل العالم إلينا..

حرب وجود لا حرب حدود

إنها الحرب.. هكذا بلا سابق إنذار، تقرع الطبول ويعلو صوت النفير في كل أرجاء الكون، وينزل الجيش إلى الشارع بأسلحته الثقيلة، ويتكلف الإعلام بتأثيث المعركة ونقل صولاتها وجولاتها بالتفصيل كل دقيقة، بمعجم عسكري مثل الصحافيين مراسلي الحروب يغطون يوميات هذه الحرب النادرة الحدوث بمعجم عسكري(جنود، الصف الأمامي، العدو المشترك للأمة، وطننا المسالم، نكسب المعركة، لا صوت يعلو اليوم على الحرب ضد كورونا، لنؤجل تصفية حساباتنا في هذه المعركة المصيرية…)، وهو ما يهيج مشاعر الناس ويثير فزعهم كما يوقد حماسهم، فيعودون إلى وحشيتهم الأولى أو إلى تضامن العشيرة.

إنها حرب ضد عدو غير مرئي، مراوغ، خفي.. فيروس يقترب من الأسطرة بسبب المحكيات المتناسلة عن هالته، إنه مثل الإلكترون أدق الجسيمات المولدة لطاقة مغناطيسية، لا يُرى ولكنه يترك الأثر: إنه الوباء المعمم بالتقسيط المريح على البشرية جمعاء.. حيث نعيش تحت سلطة ديكتاتورية للإمبراطور كوفيد التاسع عشر الذي أحدث رُهابا غير مسبوق في النفس البشرية وزادت الآلة الإعلامية من هالته وسطوة رعبه، حتى أضحى مثل مديوزا تحول أعينها الأصحاء إلى مرضى والمرضى إلى موتى بلا طقوس جنائزية ولا قبر يترحم عليه الحزانى..

منذ بداية العقد الثاني للألفية الثالثة تحول فيروس كورونا المستجد إلى وباء حقيقي وليس مجرد كائن أسطوري قادم من هذا الشرق الأقصى الأسيوي، وبحكم سرعة زحفه في كل بلدان العالم، أصيبت البشرية بالذعر ولم يعد هناك ما يسيطر على تفكير صناع القرار غير حفظ البقاء والخروج بأقل الخسائر من هذه الجائحة، فقد شلت الدورة الاقتصادية وتعطلت أسس الحياة الاجتماعية، وأضحت الفضاءات الاجتماعية مهجورة، والشوارع  أضحت يتيمة مثل أماكن مهجورة تحسسك بالذعر، وانتقلنا من فضاءات الحركة والتنقل والسرعة، إلى حضارة الجمود والسكون، وهو ما جعلنا وجها لوجه مع صفاقة العالم ومع جوهر ذواتنا، نعيد تقييم أسس الوجود ومعناه..

« شيطان » كورونا يعيدنا إلى الخطيئة الأولى

لقد عصفت حرب كورونا المستجد بكل النظام القيمي الذي انتهجته البشرية إيمانا وفعلا، أو انقيادا وتبعية، كل منظومة القيم التي آمنا بنجاعتها والتي تتمحور أساسا حول كونية الديمقراطية وحرية السوق وخضوع الثانية للأولى، أصيبت بالشلل، وبشكل غير متوقع سادت العالم الكثير من الهلوسات والتفسيرات الشيطانية حول سبب فيروس كورونا المستجد، حتى في قلب قائدة العالم حيث تحدث الناس عن كون مصدر « كوفيد 19 » هو هجوم مخلوقات فضائية زرعت الفيروس الجرثومي في الأرض.. وأضحى الهم الأساسي لنا اليوم هو الحفاظ على البقاء واستمرار الوجود.

إن توقف الدورة الاقتصادية وشلل الإنتاج وحظر التنقل والتجوال ومرض التسوق الجهنمي، جعلنا نخشى من الموت الحقيقي للأغراض والسلع والخدمات التي ظلت متراكمة على مرمى حجر منا، ونحن الذين كنا شهودا على صنعها ورعاية مسار حياتها وموتها في آن، أو نخشى أن تبقى بعدنا فيما ننقرض نحن، وهو ما أعادنا إلى دائرة الخطيئة الأولى، فيما يشبه ثورة العالم علينا وعودة الشر إليه، كما الشيطان في المحكيات القروسطية يقربنا من القيامة الآن ويؤثث جنازة العالم بشكل جماعي بلا طقوس ولا شعائر تليق بنا.

لذلك هرع الناس إلى الأسواق، وجففوها من كل المعروضات التي كانوا حتى أمس يصنعونها ويرسمون مسار حياتها وفنائها، وهم الذين تآلفوا مع هلوسات حكاياتها في الإعلانات الكاسحة التي هزمت كل مقاومة وحطمت أي مناعة لقدرة الإنسان على مقاومة الرغبات الجامحة، وتساوت مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية في هذا الافتراس الوحشي الذي أعادنا إلى بدائيتنا الأولى.. اكتناز المؤن لدوائر الزمن الغادر، وعلينا أن نفهم اقتناء المستهلكين المذعورين من الجحيم لأكوام ورق التواليت، بلاوعي الإنسان الحديث للتطهر من كل الجرائم والآثام التي اقترفها في حق نفسه واتجاه محيطه، فيما يشبه محاولة منه للتخلص من الجلد المسحور الذي يطبق على الهيكل العظمي الذي هو صورة الموت كما يروي بلزاك في روايته الشهيرة « الجلد الحزين ».

كيف انتقل العالم من قيم التبذير وارمه بعد الاستعمال، وذاك الاستعراض السحري الذي كانت تمارسه علينا المنتوجات والسلع بوفرة غير مسبوقة في تاريخ الجنس البشري، إلى عالم الندرة والخوف من الجوع والموت بالفيروس القاتل، وحتى ما توفر من مال لدى من لم يمسس الوباء أجرتهم أو مداخيلهم الشهرية بسوء، بحكم إغلاق جل محلات الاستهلاك الرفاهي: مقاهي، حانات ومطاعم وفنادق، والمحلات التجارية الكبرى موطن التبضع الزائد عن الحاجة، جعلت هذا الكرم الحاتمي لعالم الوفرة بلا معنى، وغدت حتى الأوراق النقدية ذاتها مصدر رعب حقيقي لانتقال عدوى الفيروس القاتل، أضحت مثل وسخ الدنيا في استعادة لمحكيات آبائنا.

الانتقال من حضارة الخارج إلى حضارة الداخل

أصيبت النرجسيات والفردانية الأنانية بجراح عميقة بسبب فيروس كورونا المستجد، فالحجر الصحي أعاد للفضاء الحميمي- البيت والأسرة- قيمته كمكان للعيش المشترك ودفئه الإنساني وحتى جحيمه لدى البعض أصبح ملاذا لا مفر من التكيف معه وخلق علاقات جديدة به، حيث سنميز منذ اليوم بين المفيد والضروري لبقاء الجنس البشري، والتافه والعابر مع نمط الاستهلاك الافتراسي.. استعادة الحميميات، الوعي بالمصير المشترك، وقفة تأمل مع الذات والوعي بإنتاج شروط جديدة للعيش، لقد دمر فيروس كورونا كل نظام التفاهة وسعار الاستهلاك الذي كنا نعيش أسيرين بين قضبانه باختيار أو وفق منطق الضرورة معتقدين أنه ملاذنا الأكبر للحرية واللذة.. وهو ما يمكن أن يعيد العالم المقلوب على قدميه لنرى له هيئة معقولة كما فعل ماركس مع جدل هيغل.

لقد بتنا نلعب لعبة القط والفأر مع فيروس كورونا بالأمس كنا نتسيد لوحدنا في الخارج، نطوع الطبيعة، نؤله الإنسان، وأصبحت الشوارع والمقاهي والحانات والمطاعم هي جوهر حضارتنا، حضارة الخارج وأمسى الداخل الإنساني أجوف مثل نفق مظلم، والوعي والهوية، الأسرة والتفكير في روح شرطنا الإنساني مغيبا، وها قد انقلبت الآية حيث أضحى الخارج محرما علينا، لأنه مصدر تهديد قاتل لوجودنا، يتسيد فيه فيروس كورونا والشرطة والموت، ها قد تعطل الجسد من الحركة والإنتاج واستهلاك السلع، ولم يعد لنا سوى جوهرنا الإنساني كمخلص من هذا الهباء الجائحي الذي ضرب المعمور.


الخميس، 6 فبراير 2014

أنقذونا من حراس الذاكرة - عبد العزيز كوكاس

أنقذونا من حراس الذاكرة
الأديب عبد العزيز كوكاس
في مقال سابق لي تحت عنوان: "الآن وقت الكلام وإلا.. فلا كلام"، كتبت انطباعا أوليا تولد بعد انتهائي من قراءة كتاب "الصحافة والسياسة" للصحفي المقتدر محمد حسنين هيكل، إذ شدتني قدرة الرجل على اختراق جدران الصمت وكشف المسكوت عنه في زمن صعب، لقد تردد كثيرا في كشف صفحات غامضة من التاريخ المصري المعاصر، بعد مجيء الثورة الناصرية، وكشف الترابطات والمداخل السرية التي عاشها داخل عالم الصحافة في تشابكه مع المجال السياسي... تردد هيكل في هذا البوح، لكن نداء داخليا كان يجذبه إلى الكلام رغم أنه يعرف مسبقا أن الأمر لا يتعلق بنزهة رومانسية في تلابيب الذاكرة، بقدر ما هو مهمة صعبة تجر خلفها سيلا من الأهوال، خاصة وأن "لدى الآخرين سلطة وليس في يدي شيء، ولدى الآخرين منابر ضخمة كأنها الحصون، وأنا في الهواء الطلق أو في العراء".

كان هاجس محمد حسنين هيكل الكشف عن الحقائق وإيصالها إلى الناس، إذ نجده في مقدمة الكتاب يُلح على أنه: "لابد ، إذا كانت لهذه الصفحات من قيمة أن تصدر بينما جميع الأطراف على قيد الحياة، يملكون فرصة الرد إذا شاؤوا، وبأي وسيلة يختارون".

في المقال المشار إليه، كتبت: "وبتحوير دفة الحديث قليلا نحو المغرب، أجدني أتساءل: لماذا لا نجرب الحديث في موضوعات انقضت بالفعل احتمالات التأثير على مجراها؟ لماذا لم يتم حتى الآن الكشف عن المسكوت عنه في مسارنا السياسي، خاصة في مرحلة الكفاح الوطني؟ لماذا لم يكتب ساستنا مذكراتهم؟ وإذا كُتبت لماذا لم تنشر؟"

وها نحن اليوم نشهد نوعا من الإفراج التدريجي عن مذكرات الزعماء السياسيين بالمغرب، لكن بالمقابل هناك عطب في كتابة التاريخ وفي رواية الواقع وأيضا في تلقيها.

هناك نوع من التضخيم في تسييج الحقائق، مع العلم أن معرفة ماضينا القريب ستساعد بدون شك على فهم سلوكاتنا السياسية الحاضرة... هذا الصمت غير المبرر للفاعلين السياسيين هو الذي جعل كل طرف سياسي فاعل يعتقد بأنه وحده له أحقية الكلام وسلطة توزيع الحقيقة، مع العلم أن الذاكرة مشتركة والتاريخ ملك جماعي.. "فالآن وقت الكتابة وإلا.. فلا كتابة"

إن الأمر لا يتعلق بألمعية استثنائية ولا حاجة إلى عيون زرقاء اليمامة لمعرفة ما يثار بسبب الذاكرة المغربية وخاصة في جانبها السياسي، هناك خلل ثقافي يفسر باستراتيجية الكتمان التي تحيط بمرحلة الكفاح الوطني وبالعقود الأولى للاستقلال، وذلك راجع من جهة إلى طبيعة الفاعلين السياسيين، الذين هم فاعلون جماعيون، كما يقول الأستاذ عبد الله ساعف: "في المغرب ليس هناك فاعل فردي واحد يتحرك في السياسة"، وهذا ينعكس على كتابة الوقائع نفسها، فوقائع التاريخ كما حدثت في الزمن تصبح ذات قيمة خلافية في الكتابة، لأن الكتابة كما يقول جورج بالانديي لا تقدم حقائق نهائية، بل تقدم حقائق توجد موضع نقاش، وصيغا قابلة للمراقبة، ولأنها مسجلة في الزمان فهي تعطينا الوقت للتفكير والتأويل في آن، من هنا بروز المنظور الشخصي في سرد الواقع التاريخي، حتى لكأننا نصبح أما تواريخ.. هناك تاريخ عبد الكريم غلاب وتاريخ الخطيب وتاريخ أحرضان وتاريخ بن سعيد آيت يدر... والانتماء السياسي للفاعل السياسي الذي يروي الأحداث لا يعطيه أي امتياز لمناصرة الحقيقة، إذ التحريف جزء من لاعبي السياسة.

ومن جهة ثانية، فإن استراتيجية الكتمان تعود في جزء كبير منها إلى عطب ثقافي لدى الفاعلين السياسيين بسبب هيمنة النزعة الحزبية الضيقة، والنزوع نحو ما يسميه صلاح عيسى ب "لعبة الطرد من الحلبة" فكل حزب "يجُب" ما تقدم عليه، محاولا طمسه وإلغاءه، بحيث يعلن عن نفسه على أنه مركز التاريخ وقطبه الأوحد، "هكذا يشوه التاريخ ويفقد مركز التاريخ وقطبه الأوحد، "هكذا يشوه التاريخ ويفقد موضوعيته طالما أنه ابتذل ليكون مجرد تاريخ شخصي أو حزبي.. فليس الماضي سوى تمهيد لمجيء الفرد، ولا يعود للحاضر أي قوام وتتعذر قراءته في صخب الشعارات، في حين يفقد المستقبل كل شفافيته وينفتح على هاوية لا قرار لها"، صلاح عيسى: "البرجوازية المصرية ولعبة الطرد خارج الحلبة" دار التنوير للطباعة والنشر، ط : 82، ص : 73 ومقدمة الناشر).

في تقديري الشخصي هذا ما يبرر عزوف السياسيين المغاربة عن كتابة ونشر مذكراتهم.. وحين يفعلون، فإن الوقائع تسرد من موقع البحث عن بطولة وأمجاد شخصية والانتصار للحزب والقبيلة، بل حين يتم استقبال وتلقي هذه المحكيات التاريخية تُستنفر ردود الفعل بشكل هستيري لا يصحح الوقائع المسرودة ولكن يزيدها غموضا.. إن الأمر يعكس خللا ثقافيا في استعادة الذاكرة السياسية كتابة وتقبلا أيضا.

فالضجة التي أثيرت حول كتاب احرضان الذي لم يقرا بعد في الغالب، ليست الأولى من نوعها، إذ الكل يعرف كيف أبعد عبد الله العروي في بداية السبعينيات النقط الحساسة في دراسته حول الأصول الثقافية للحركة الوطنية، وكيف أن عددا كبيرا من الباحثين وضعت بينهم وبين البحث في الذاكرة التاريخية حواجز وموانع هي جزء لا يتجزأ من أعطاب الذاكرة الثقافية بالمغرب.

هناك محاولة للوصاية على التاريخ، وحبس مذكرات الكفاح الوطني في حزب أو شخص أو قبيلة.. هذه الرؤية الضيقة هي التي تجعل البعض يعتقد بأنه وحده له أحقية الكلام، وأسبقية امتلاك الحقيقة وسلطة توزيعها على الناس، لن أتكلم عن المضللين الذين قطر بهم سقف السياسة في أرذل أيامها، حتى صاروا يقتاتون من ذاكرة الزعماء وفكرهم الكفاحي.. إن ما سرده أحرضان ليس هو الحقيقة في نهاية المطاف وإنما هي زاوية للنظر من جهة فاعل سياسي مهما كانت حساسياتنا، يجب أن نعتبرها جزءا من التباسات التاريخ وجراحاته.. لا أن نقصيها بدعوى تخندق صاحبها في هذا الاتجاه أو ذاك.. فعمل أحرضان في الجيش الفرنسي، ومواقفه في البدايات الأولى للاستقلال معروفة الجهة التي كان يصطف فيها، وما كتبه يجب أن يتناول من هذه الزاوية بالذات.. وحتى تحريفاته الممكنة لوقائع التاريخ.

إن الذاكرة ملك جماعي، والكتابة عنها الآن هي تأويل شخصي لمرحلة جماعية ماضية، والتاريخ لا يملك قيمته كشريط من الوقائع التي حدثت في زمن ماض، بل من تلك الزاوية التي تلتقط بها الأحداث وتؤول، وهنا قيمة الحوار والاختلاف الذي يخلص رواية الذاكرة التاريخية من تلك الأحقاد الصغيرة التي تسكن ضلوع البعض، إن هذه القدسية يجب أن تزول، وأن نباشر الحديث عن الوقائع بهم ثقافي يسعى إلى تجاوز هشاشتنا الذاتية ووضع الأسئلة الجذرية على الذات والتاريخ والمجتمع، فالحقيقة كما يقول نيتشه قد تكون مجرد وهم، أو قد تكون موجودة لكنها ضائعة بين اثنين متطوعين أعماهما الصراخ عن التماسها.

ما أحوجنا إلى ما أسماه فوكو "بحوار العشاق" حول ذاكرتنا التاريخية، ذلك الحوار الهادئ الذي يلمس نسغ الأشياء بدون طبول ولا مزامير.. دعونا نختلف حول ما اتفقتم عليه في الماضي، هل يحتاج كل واحد إلى فتوى أو ترخيص ليتحدث عن ذاكرة الكفاح الوطني؟ ثم إن أحرضان ليس "أي واحد" إنه مهما اختلفنا معه في الرأي، يظل أحد الرموز الفاعلة في المرحلة، ثم وهذا هو الأساسي، فالرجل ليس نبيا وكلامه ليس منزلا، لأنه يروي الأحداث التي عاشها من زاوية نظره، فالجانب الثقافي والانفعالي يظل حاضرا، من هنا تأتي ضرورة تشييد قواعد اختلاف سعيد بين ذاكرات تاريخية، فالذين بيدهم وثائق أو عايشوا المرحلة، عليهم أن يواجهوا الرجل برزانة، أما الاختفاء وراء إثارة حروب فنجانية وبعث الموتى من قبورهم، فإنه ينبئ عن وعي قصير النظر وعن خلل ثقافي يحكم جسدنا وذاكرتنا، وإلا فالآثار السلبية لحرمان الناس من حق ممارسة مواطنتهم كاملة وغير منقوصة، وليس بالإجماع القمعي أو المواطنة المشروطة خارج حق الاختلاف وحرية التعبير والرأي عمق أي حداثة فكرية أو سياسية، ستدفع بنا إلى التأكيد على أن أكبر أعداء الديموقراطية هم الديمقراطيون أنفسهم، وفي أحسن الأحوال دعاة الديموقراطية.

الأربعاء 05 فبراير 2014

الاثنين، 27 يناير 2014

ما أروع البياض و الحلم - عبد العزيز كوكاس

ما أروع البياض و الحلم
الأديب عبد العزيز كوكاس
 "عندما يصل المرء أخيرا إلى المراعي الخضراء، يجد نفسه قد أصبح عاجزاً عن تسلق السور الذي يحيط بها" فرانك دي سكسون

تمتد هذه الصفحة أمامي مثل تنين شاره فاه، وددت لو قسمت مساحة هذا البياض إلى جزئيات صغيرة، أكتب في كل جزء منها بعضا من سواد القلب.. عزيزي القارئ دون أن نستبلد بعضنا، لنكون واضحين كما الحقيقة وأصرح لك: "ليس لدي ما أكتبه الآن وهنا.. هل تثق بي وأنت تدفع جزء من قوت العيال وإكراهات المعيشة، أو بضعا من وقتك الثمين.. تريد المقابل".. هل حين أهديك البياض، بياض هذه الصفحة، أهديك الهباء؟

أنت تعتقد أن كل كتابة هي نسيج الموت، لذلك نحن نكتب على بياض، نسيج الموت.. لست أدري كيف أُحس كلما استعصت علي الكتابة، صورة كاتب يحار أمام بياض الصفحة بلقطة رجل يسير وسط صحراء من ثلج يمتد إلى مالا نهاية دون أن يعثر على بغيته..

ليس لدي ما أكتبه اليوم، أرى السائقين يحترمون الضوء الأحمر، والراجلون يعبرون الخطوط البيضاء المرسومة، والشرطي ودود لدرجة أنه يتحول إلى "بابا نويل" طيب، يقدم الهدايا كما التحايا للسيارات العابرة دون انتباه للونها أو ماركاتها المسجلة... أرى المواطنين يحترمون طابور الإدارة، والإداريون يأتون إلى مكاتبهم في كامل يقظتهم ولياقتهم، ويقدمون ابتسامات هادئة لزبنائهم ويجيبون على أسئلتهم بكل لطف وبدون رشوة.

أرى الشوارع نظيفة، وقمامات الأزبال محكمة الإغلاق في كل مكان، التلاميذ في بذلهم الأنيقة يصطفون لتحية العلم الوطني ويتوجهون إلى قاعات الدرس أمام أساتذة راضين مرضيين، أرى فيما أرى مواكب سياسيينا النافذين تمر بدون ضجيج أمامنا نحن الماضون إلى عملنا كما لو نذهب إلى أماكن العبادة، لا تُقطع علينا طريق ولا يزعجنا انتظار.

أطفالنا لم يعودوا يسندون رؤوسهم على شوارع تغتصب براءة طفولتهم، لقد امتلأت بهم المدارس ورياض الطفولة، وشبابنا لم يعد يعتنق أعمدة الكهرباء وجدران الحي، ولم يعد يجد الوقت ليعد خيباته على أصابعه، فلديه الوقت الكافي للعمل، ولممارسة الحب والاستماع إلى الموسيقى، والذهاب إلى المسارح التي امتلأت بها المراكز والهوامش.

ليس لدي ما أكتبه اليوم، إن مزاجي رائق، والكتابة متشحة بالسواد ولون الكآبة، وأنا لا أرى أمام حفرا في الشوارع ولا مجاري للصرف الصحي مكشوفة تزكم الأنوف، الورود تتفتح والأشجار تُزهر في حدائق أحيائنا، وفي الجانب الآخر من الحديقة هناك ملعب للأطفال وللكبار أوقات للتسلية.. أجلس في مقهى، يبتسم لي النادل بمودة.. لا يمر بجانبي كلب سائب ولا متسول أضاع أحلامه في منتصف الطريق إلى الحياة!

أنا اليوم بمزاج رائق، أخاف على حريتي وأفضلها على سجن بخمس نجوم.. أمارس الحب كما أشتهي، أستمع إلى الموسيقى دون تجريم من أحد، أحلق ذقني أمام المرآة، دون أن أنزعج من صورتي، أقرأ جرائد اليوم دون أن ينتقل سواد حبرها إلى شغاف قلبي.. لم أعد شبه مواطن في شبه وطن مع أشباه مواطنين، فلماذا تريدونني أن أكتب دوماً عن السواد، فأنا اليوم مع حكمة إيليا أبي ماضي:

قال: السماء كئيبة، وتجهما قلت ابتسم، يكفيك التجهم في السماء
إنها ديمقراطية الحلم، هل يمكن للحلم أن يكن ديمقراطيا... ما أقرب الأرض ما أبعد السماء.

الحلم ليس كالحكم، أبعد مسافة من وقائع الأشياء، ومن الواقعية العمياء التي تبلد الحواس، لم يعد أمامنا إلا أن نُربِّي حجل آمالنا في زاوية قصية لا تصلها فظاعات اليومي المحيط بنا.. لكن القلب عليل.


الخميس، 14 نوفمبر 2013

نحن والجزائر: "القضية كبرات واللعب صغار" - الأديب عبد العزيز كوكاس

نحن والجزائر: "القضية كبرات واللعب صغار" 

الأديب عبد العزيز كوكاس

"إن مشكلة هذا العالم تكمن في أن الحمقى والمتعصبين دائماً ما يشعرون بالثقة في انفسهم... أمّا العقلاء فهم يشكون دائماً في قدراتهم!"
بيرتراند راسل


في لقاء جمعني بأحد رموز الحركة الوطنية الذي هضمت السياسة حقه في نهاية العمر فقدم استقالته منها، كانت الأزمة قد اشتعلت في منتصف العقد الأول من هذا القرن بين المغرب والجزائر، فتساءلت لماذا لا يلعب رجال الحركة الوطنية بحكم ثقلهم التاريخي وعلاقاتهم الشخصية برموز فاعلة في مركز صناعة القرار بالجزائر دورا في حل المشاكل العالقة بين البلدين؟ وقدمت مثالا لم يمكن فعله كتشكيل إطار فكري سياسي يضم فاعلين وازنين من المغرب والجزائر يساهمون في تقريب وجهات النظر بين الحاكمين وتقديم حلول للماسكين بزمام الأمر بالبلدين الشقيقين، أو تأسيس إطار ذي طابع عقلاني يخلص السياسة بين البلدين من طابعها الغرائزي، فكان رد هذا الرجل ،الذي لم يتخل يوما عن حسه الوطني العالي، حكيما حين قال لي: "بين المغرب والجزائر القضية كبرات واللعب صغار".

اليوم يحضرني جواب هذا السياسي الذي ترك أثره موشوما على صفحات التاريخ المعاصر، ونحن في نصف العقد الثاني من الألفية الثالثة، في سياق تناسل ردود الأفعال بين الرباط والجزائر.. أحس أكثر أبعاد معنى هذا الجواب الحكيم، بحكم أن المغرب منشغل أساسا باستكمال ملف وحدته الترابية، ظل النظام الجزائري يحول نقط قوة المملكة إلى "كعب أخيل"، حيث أخذ يسدد سهامه لما يعتبره اليد الموجعة للنظام الملكي الذي شكل عقدة لمعظم حكام قصر "المرادية"..

وفي اللحظة التي كان يبرز فيها عقلاء عندنا وعندهم، كان الصراع يبدو أكثر بدائية كما لو أن الأرض ضاقت بالبلدين ولو كان فيهما اثنان لفسدتا، وأن العالم لا يتسع لجزائر قوية ومغرب قوي أيضا، كان هؤلاء العقلاء يلقون الصد فينزوون إلى دائرة الظل أو يرمون في قمامة النسيان أو يكون مصيرهم القتل كما حصل مع الرئيس الراحل محمد بوضياف، ليخلو المجال فقط لدهاقنة السياسة وتجار الحروب الذين يغتنون من الآلام والأوجاع.. لذلك القضية كبرات واللعب صغار بزاف..

ذهب العاهل المغربي إلى الجزائر في بداية حكمه كمن يمد للإخوة الجزائريين باقة ورد.. تجول في شوارعها بدون حراس ومدد إقامته على غير المعتاد، لكن عبد العزيز بوتفليقة ابن وجدة لم يرد على التحية بأحسن منها ولا حتى بمثلها، بل أصر على وضع حصى في حذاء الملك، فلم يستقبل الوفد الرسمي الذي ذهب إلى الجزائر ليضع حكامها أمام مقترح الحكم الذاتي الذي قدمته المملكة الموسومة أبدا بالمخزن في الإعلام الجزائري المتحكم في أغلبه عن بعد من طرف الأجهزة الاستخباراتية، قلت الذي قدمته المملكة من أجل إنهاء النزاع المفتعل بالأقاليم الجنوبية، وكلما كبر الصراع كان اللعب يصغر أكثر فأكثر، مما جعل العُقد تتراكم وتصبح مثل عقد ذنب الضب بين الجارين غير الشقيقين، لذلك حينما طالب العاهل المغربي محمد السادس بفتح الحدود بين البلدين بل قام بمبادرة فتإلغاء التأشيرة من جانب واحد، جاء الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى التلفزيون وأخذ يتهكم على ما يشتريه الجزائريون من وجدة الذي اعتبره مجرد "قْشيوشات" وبنص عبارته "قش بخته وفناجل مريم"، بل إن الإعلام الجزائري اعتبر الطلب المستمر للعاصمة الرباط بفتح الحدود بين المغرب والجزائر بأنه تسول من طرف المخزن.

وإذا كنا أقل إساءة في مبارزة التلاسن مع النظام الجزائري، فإن ذلك لا يعني أننا ملائكة والشر من اختصاص الآخرين، وأننا لم ننتج صغارا لعبوا في قضية كبيرة، بل إننا أصبحنا نقرأ في الإعلام تصريحات بعض الزعماء السياسيين والتي ليست سوى ردود أفعال صغيرة انفعالية تصل إلى ذات الحضيض الذي نلوم عليه حكام الجزائر الذين يتاجرون بآلام شعبهم وباستدامة روح الشقاق بين المغرب والجزائر، لكن هل ما حدث يشكل منعطفا آخر في الصراع؟

إن ما يحدث بين المغرب والجزائر اليوم لا يتعدى أن يكون زوبعة في فنجان والصراع بيننا وبين من يحكم الجزائر هو حول من يمتلك الملعقة التي تذيب السكر في الفنجان الإقليمي وليس حول من يديرها".


عبد العزيز كوكاس
الأربعاء 13 نونبر 2013 

الجمعة، 25 أكتوبر 2013

اللعب في مملكة السلطان - إصدار جديد للإعلامي عبد العزيز كوكاس

اللعب في مملكة السلطان - إصدار جديد للإعلامي عبد العزيز كوكاس
لم أحاول هنا غير اللعب في مملكة السلطان، اللعب بالنص الأدبي واللعب فيه أيضا...
هي مقالات مختلفة حول النص الأدبي، كُتبت على امتداد أكثر من عقد من الزمن منذ بداية التسعينيات، قبل أن تأكلني دروب الصحافة، بعضها عبارة عن شهادات في حق مبدعين مغاربة عشت برفقتهم أو صاحبت بعشق نصوصهم، جزء منها عرض بمناسبة احتفاء اتحاد كتاب المغرب أو جمعيات للطلبة الباحثين في بعض الجامعات بأحد المبدعين، وبعضها كان عبارة عن امتداح نص إبداعي فجر داخلي طريقا للغواية، فيما تدخل النصوص التالية من هذا الكتاب في باب الدراسات الأدبية التي كانت اختصاصي الجامعي ووشم عشقي الأول في مملكة سلطان الأدب.. فيما الفصل الأخير خصص للكاتب منظورا إليه بأعين الآخرين، والذي يتمحور حول مقالات أو دراسات كانت روايتي الأولى "ذاكرة الغياب" موضوعا لها.

كان مقدرا لهذه النصوص أن تصدر مجتمعة قبل دخول الألفية الثالثة، لكني ظللت مترددا وخجلا لأني لست دارسا للأدب بالمعنى الأكاديمي، ولكني مجرد عاشق لنصوص ارتبطت معها بحميمية كبرى، من هنا العنوان الفرعي لهذا الكتاب، "في امتداح النص" الذي أوحى لي به عمل روائي رائع للمبدع البيروفي ماريو بارغاس، لكن غواية النشر ظلت قائمة ولعلي بصدور هذا العمل النقدي بكل الهنات التي أتحمل وحدي مسؤولية وجودها، أكون قد سعيت إلى تأكيد اعتراف فضائل أساتذة ومبدعين كانوا سندا لي، ولا أنسى أياديهم البيضاء على مسار تكويني الأكاديمي أو المهني، أذكر منهم على سبيل الوشم: محمد بنيس، الراحل أحمد المجاطي، الأمين الخمليشي، عبد الجبار السحيمي، محمد مفتاح، محمد عياد، محمد سبيلا، عبد القادر الشاوي...
يجمع بين نصوص هذا الكتاب اللعب بمفهومه عند هزينكا باعتباره حركة حرة، يُشعر بالحيوية، يستقر خارج الحياة اليومية ، وقادر على الاحتواء التام للاعب.. على هذا الأساس بنى الناقد الفرنسي ميشيل بيكار تصوره للقراءة كلعب باعتبارها أسمى أنواع القراءات في سعي حثيث لتحطيم التحديد السيميولوجي للنص الذي يحصر القراءة في الأبعاد التواصلية، فإذا كان اللعب يُحدث قطيعة ثم اندماجا في الواقع، فإنه في نفس الوقت يخلق ذلك التوازن بين ما هو مجاني وما هو وظيفي في حياة الإنسان...
لا أعتبر نفسي ناقدا، وإنما عاشقا للعب، يبتلعني النص كما تبتلع اللعبة اللاعب في متعة خالصة من أي غرض، ليس في عبارة "مملكة السلطان" أي قداسة، سمو، رفعة، حدود، سلطة... يحضرني الأدب كسلطان، يحمل أبعاد المغايرة، الاختلاف، ولم الرهبة في حضرته، إذ من تواضع "للأدب" رفعه.
لم أحاول هنا غير اللعب في مملكة السلطان، اللعب بالنص الأدبي واللعب فيه أيضا .

السبت، 19 أكتوبر 2013

قضية موقع "لكم" اليوم أسئلة محض أخلاقية - الإعلامي عبد العزيز كوكاس

قضية موقع "لكم" اليوم أسئلة محض أخلاقية
الإعلامي عبد العزيز كوكاس 
تطرح قضية موقع "لكم" اليوم أسئلة محض أخلاقية..
لقد كان انكباب هيئة الدفاع ومعها عموم الديمقراطيين على مبدأ واحد، هو إطلاق سراح الزميل علي أنوزلا، أو ضمان محاكمته وفق قانون الصحافة محاكمة عادلة.. وطي الملف.

وصدرت عن الزميل أنوزلا رسالة لها طابعها القانوني لأنه وهو قيد الاعتقال لا يمكن أن يتحمل وزر ما ينشر، وبعد إنساني مرتبط بإنهاء معركته داخل الاعتقال بشرف، ثم بعد سياسي يعبر عن تمسكه بانتمائه الوطني وفك ارتباطه مع أي جهة منافسة للسلطة السياسية، وتعبيره عن حسن نية لإقفال الملف.. وليس في ذلك أي جبن أو تنازل..

ثم جاء الزميل بوبكر الجامعي وأعلن أن أنوزلا لم تعد له أي مسؤولية على الموقع وهو ما يعتبر انقلابا وسطوا غير أخلاقي على موقع بسببه يوجد الزميل أنوزلا رهن الاعتقال، وأتساءل هل يتقاسم معنا بوبكر الجامعي حرقة ضرورة وضع حد لمعاناة الزميل أنوزلا، أم يريد تحويل موقع "لكم" إلى أصل تجاري للبروز في القنوات العالمية والصحف ذات الصيت الدولي ولا يهم أن يقبع أنوزلا في السجن ولا أن تكون رغبته هي الحجب المؤقت لموقعه.

السبت، 29 يونيو 2013

شبح الفساد - الإعلامي عبد العزيز كوكاس

شبح الفساد 

الإعلامي عبد العزيز كوكاس
"أن تموت جوعاً وأنت حر، خير من أن تعيش عبداً وأنت سمين"         مثل إنجليزي

الفساد لا لون ولا رائحة له، لكن من سوء حظ المفسدين أنهم يتركون الأثر الذي يدلنا على الفساد، والمحققون في جرائمه مثل المحققين في الجرائم الكبرى المتشابكة الخيوط، المحكمة الحِبْكَة، التي تنجح، إلى حين، في التستر والاختباء تحت ألف قناع.
الفساد لا هوية له.. هو مثل الثعلب الذي يظهر ويختفي، يبدو أحيانا مثل الشبح، لذلك حين أعيت الحيلة رجلا من حجم عبد الرحمان اليوسفي، الذي ظل ينقر برفق على الطاولة ليبرز له وجه الفساد، قال كلمته البليغة: "لسنا هنا لمطاردة الساحرات"! وهو ما كرره رئيس الحكومة الحالية، وإن في سياق مختلف..
للفساد أرجل أخطبوطية، وهو مثل السرطان الذي ينتشر في كل أنحاء الجسد الاجتماعي، فهو موجود في السياسة وله هبة في أوساط الاقتصاد، وله أعشاش ضخمة في الإدارة بمختلف أسلاكها، ويملك أقلاما صلبة تدافع عنه في الإعلام، وله حصانة في أجهزة الدولة، كما له زبانية وحماة حتى في أبسط التجمعات في قاعدة الهرم الاجتماعي..
للفساد أرباب يحمونه، وهم منتشرون بيننا بألف قناع، ولهم ألف درع للوقاية.. وما ينفجر من تحت أقدامنا اليوم نحس بعمق أنه ليس سوى الجزء الظاهر من جبل الثلج.. أو هو المشهد التقديمي في دراما حزينة..
مع توالي تقارير المجلس الأعلى للحسابات، التي كان يجب أن تكون تقارير عادية في ظل ممارسة الدولة لمبدإ الرقابة على مؤسساتها وتفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة كتقليد في دولة الحق والقانون، أحس كما لو أن هناك مُخرجاً ذكيا وراء الستار يختار التوقيت المناسب والمشهد الدرامي الملائم من أجل تأجيج عناصر الفُرجة أو لممارسة طقوس التطهير الجماعي، والصحافة مستعدة في ظل شح المعلومات والقيود المفروضة على سقف حرية التعبير، لتعمل على تفجير فائض الطاقة المعطلة من السخط والغضب ..
تقارير المجلس الأعلى للحسابات ليست بأية حال صك إدانة، في الدول تحتكم إلى القانون، لكنها أيضا ليست صكا للبراءة،ربما الخلط قادم عندنا من لفظة "الحساب" الذي يقترن في أذهاننا بالعقاب، لذلك لن نرتاح حتى يدخل هؤلاء أو بعضهم على الأقل إلى السجن، عند فورة تقرير المجلس الأعلى يبان الحساب، ليس مثل التعبير الفرنسي "les comptes"،ولذلك كان الرميد محقا في تشكيل لجنة لدراسة تقرير المجلس الأعلى للحسابات قبل اتخاذ أي قرار..
هل المغرب ممتلئ فقط بالمفسدين في جل مراكز القرار ولدى أطر إداراتنا ومؤسساتنا.. نعم لمحاربة الفساد، ولكن ليس بهدف تيئيسنا من وجود كفاءات نزيهة بهذا البلد، فرجاء ارحمونا من هذا الحب القاسي، انصفوا الأطر النزيهة، التي مثل المرأة الحرة تجوع ولا تأكل بثديها، لا تكتفوا بفضح المفسدين، بل نوِّهوا بتلك اليراعات المنتشرة في مختلف مؤسساتنا، أطر منتشرة هنا وهناك تمتلك حساً وطنيا وضميراً مهنيا، فالمجتمع المغربي في حاجة إلى نموذج إيجابي للنجاح، خارج المفسدين والانتهازيين وتجار المخدرات والنخاسة الجديدة..
في كل مدشر وقرية، في الأرياف البعيدة كما في قلب عواصمنا المتمدنة، هناك آلاف المغاربة الذين يردعهم الوازع الأخلاقي وضمائرهم الحية تقاوم إغراءات المال السايب، اخلقوا جوائز للنزاهة وتَوِّجوا أطراً حافظت على نظافة سيرتها وهي التي وجدت نفسها في قلب الإدارات الفاسدة والمؤسسات التي ترتع فيها الرشوة.. إذ لا يكفي استخدام معاول الهدم فقط، لابد من بناء منظومة للنزاهة وثقافة الشفافية وحسن التدبير، وبناء نماذج إيجابية نجحت بناء على ما حصدته بعرق جبينها، إن التشهير بالمفسدين عمل ضروري في كل ممارسة ديمقراطية، لكنه وحده لا يكفي، فغدا قد نُدخل نصف المغاربة إلى السجون، لكن ماذا بنينا، فلا تُغرقونا في مباهج الفرجة الخادعة على مآسينا، نريد ما يمكث على هذه الأرض، لا الزبد الذي يذهب جفاء.

الخميس، 20 يونيو 2013

الكلام العريان- عبد العزيز كوكاس

الكلام العريان

الإعلامي عبد العزيز كوكاس 


"الكلام المرصّع فقد المذاق
والحرف البرّاق ضيّع الحدّة 
ياك الذلّ محاك يا سيدي عفاك
و كلمة عفاك ما تحيّد شدّة"
شهرمان وغناء جيل جيلالة

بالأمس كان لدينا "لكلام لَمْرصَّع" واليوم لا يوجد لدينا سوى "لَكْلام لعريان"..

كان الكلام مرصعا بلآلئ المعنى بصدق التعبير عن الحب، اللعب والحياة.. كان لدينا "الكلام المرصع"، حين كانت الكلمة هي الرجل رغم أنها أنثى في المبنى (وعُذْراً لكل مفرط شديد الحساسية من بقايا تقسيم العمل بين المرأة والرجل، فالرجل هنا يحيل إلى معنى غير ذكوري)، كان الرجل هو الكلمة، وكانت الكتابة ولادة بعد مخاض عسير، وكانت الصحافة ككتابة مهنة للمتاعب وللولادات الصعبة.

كانت الورقة أنثى والقلم ذكراً، هو لباس لها وهي لباس له، ومن تزاوجهما تولد حرقة الكتابة، ومنها الكتابة الصحافية..

كانت الكتابة رمزاً للفحولة، لذلك لم يؤمن الكثيرون بأسبقية أنثى مثل الشاعرة نازك الملائكة لتكون رائدة الشعر الحر، حتى ولو جاءت بديوان كامل، وكان يكفي أن يصدر الشاعر الذكر بدر شاكر السياب قصيدة واحدة عام 1948 تحت عنوان "هل كان حبا" ليقع النقد في شرك حق الأسبقية للقصيدة/ الأنثى التي كتبها ذكر، أو للديوان الذكر الذي أمهرته بتوقيعها نازك الأنثى.. نفس الشيء حدث مع أحلام مستغانمي، إذ تم التشكيك في صحة نسب رواية جميلة في حجم "ذاكرة جسد" للأنثى أحلام، ونسجت روايات حول وجود ذكر حتى لو كان "عابر سرير" وراء إنتاج رواية أحلام مستغانمي، من نزار قباني إلى سعدي يوسف الذي لمح للعمل الإبداعي ذاته في "حانة القرد المفكر"..

كانت الصحافة أنثى، والكتابة كذلك بينما القلم ذكر والكلمة هي الرجل.. اليوم في زمن الكومبيوتر، لم نعد نستطيع التمييز أين الذكر من الأنثى في الكتابة وأدواتها، أين الذكر من الحاسوب؟ هل هو الشاشة أم الفأرة أم لوحة المفاتيح أم القرص الصلب؟ فالحاسوب لا قضيب له..

لذلك أضحت الكتابة ذاتها باردة، بلا قلب ولا وجع، بلا حب ولا مخاض ولا ولادة.. كتابة منسوخة/ ممسوخة كسولة وبليدة، بلا أوصال ولا جذور، كتابة جامدة مثل قبر من رخام، صامتة مثل صخرة صماء، ملساء مثل جبل في القطب المتجمد..

بالأمس كان الكلام مرصعا بجواهر المعنى وبحرقة القلب، والكلمة رجل تكتب بقضيب، هو القلم حتى لو كان بيد أنثى، وكان الكاتب أو الكاتبة قد قلمه (ا)، قد كتابته (ا)، يحتفي باسمه ممهوراً على أجنة، قبل أن ترى النور، يظل يرعاها بحرص العشاق ونبل الأنبياء...

اليوم أضحت الكتابة، وأخص بالذكر الكتابة الصحافية، بلا قلب.. صحافيون نابتون مثل الفطر، يتركون دروسهم حول المهنة وراء ظهورهم في قاعات الدرس، ويقترفون مهنة الصحافة عن سابق إصرار وترصد، ويكتبون بلا وجع، لا يرهبهم البياض الممتد أمام أعينهم مثل صحراء كل قطعة منه متاهة، لأنهم هنا أمام الحاسوب في زمن التقنية، لديهم كل مفاتيح الكون مع لوحة المفاتيح والشيخ كوكل الذي يبرر الشيء ونقيضه: الموت والحياة، الدال والذال، الحقيقة والكذب... لا حسيب ولا رقيب في زمن النعجة دولي...

كان الكلام مرصعا والكتابة مسؤولية أخلاقية تجاه الذات قبل المجتمع، أما اليوم فنحن أمام الكلام العريان، أي الكلام الخالي من أي حس نقدي/ أخلاقي/ معرفي.. لا سلطان على الكلام اليوم.. سدنة المعنى توارت في الغياب، وما بقي من أحلام الربيع الصحافي انغمسوا في صراعات المواقع، وحماية مصالح المؤسسات الاقتصادية، وأضحى المعنى آخر اهتمامهم، وبارت الأيام مع جيل صحافي يقترف المهنة بوجه سافر وبلا وجع أو حرقة.. مثل داعرة تفتح فخذيها لعابري السبيل، أضحت مهنة الوهم الأكبر، التي هي الصحافة، للتجار الصغار الذي يفتتحون دكاكين للربح السريع، الذين يقتاتون على الماخور الأكبر للمجتمع من أوجاعه الهامشية، ما هو السؤال المركزي لأكبر المؤسسات الصحافية اليوم.. هل هو الكلام المرصع؟ الحرقة المهنية لتطوير الصحافة وأخلاقياتها؟ الانتساب إلى الحقيقة مهما ارتفعت تكلفتها وضرائبها التاريخية؟ أبدا!

إنه الكلام العريان، من المعنى والحقيقة، من المعاناة والصدق.. إنه الكلام العريان من الولادة الصعبة، المؤمن بأوالية كسب الربح على وجع الحقيقة، المرح زيادة على اللزوم بالجني المادي السريع، بدل المكاسب الرمزية للمؤسسات الصحافية في إنتاج المعنى والانتصار للحقيقة والمساهمة في تطوير الوعي الاجتماعي والسياسي للرأي العام.

الكلام العريان ينتجه صحافيو الكوكوت مينوت، ما تساقط من أوراق خريف المعنى، المتسولون أمام أعتاب المؤسسات الاقتصادية، الناسكون الخاشعون في محارب المال، ضد المبادئ النبيلة التي وُجدت من أجلها الصحافة...

ويا قلبي، ما لي أنا لا.. أصخرة لا تحركها كل هذه الأغاريد، لم لا أدخل رأسي مثل النعامة في الرمل وأقول اختبأت من صهد الأيام، وأضع رأسي بين قطيع الجماعة وأنادي السياف: "فينك أقطاع الريوس"؟

وهل تبقى لي رأس لأفكر في كل هذا الخراب، لأنتج مثل ت. س. إليوت قصيدة تليق بكل هذا الخراب، ومالي مثل نائحة لا أتعلم الزغاريد في زمن الكلام العريان بدل الكلام المرصع..

الإعلامي عبد العزيز كوكاس 

الخميس، 30 مايو 2013

الحريـــــة - عبد العزيز كوكاس

الحريـــــة - عبد العزيز كوكاس
الإعلامي عبد العزيز كوكاس

الحرية غواية القنديل لسذاجة الفراش.. شهيد النور

قدرة الهواء والضوء على التسلل إلى غرفة الزنزانة من ثقب لا يلجه إلا المفتاح الحارس

الشق الذي يسمح للماء أو حمم البركان بالتنفيس عن ازدحام المنتظرين للهجرة إلى أقاليم أخرى..

هي قطرة الندى التي تزرع الحياة في خد الورد..

تلك الفجوة الدقيقة التي تحافظ عليها حشود النمل لتنجو من قدر حوادث السير.

الحرية لحظة بياض في حياة شعب بين موت حاكم وميلاد حاكم.


بسمة منحدرة مثل شلال.. رائحة قبلة جريحة،

استرخاء العم الذي يمنح صوتي لحنا يشبه لون شعر حبيبتي.. ملامسة فراشة، مساء دان من شرفة الله..

الحرية دقات قلب العاشق حين يرى خيال عشيقته في أوجه كل المسافرين بمحطة القطار.. هي إحساس المجداف بأنين ماء البحر، وأسف السراج لطيش الفراش المنجذب لشرفته.

ظل راقصة تدغدغه لمسات الريح، أمل استنبت صخرة على حافة شديدة الاندحار.

رحم الأرض.. زغرودة تنزلق من يدي امرأة تعد البسمة والخبز للقائمين في بطون الحلم والغبار وأغوار البحار

الحرية نافذة ساخنة.. دليل الغواية يجوس في دمي

جسد رخامي يتكئ على لوحة الجدار المتشقق..

أسى عميق يضيء عتمات عينيك،غفوة حارس في مرآب ليلي، أو في أقبية السراديب..

الحرية غمزة ضوء الشمعة الأخيرة حين يتكئ على راحتها صمت العالم.

السبت، 20 أبريل 2013

أيها السياسيون.. من فضلكم القليل من الخيال فقط - عبد العزيز كوكاس

أيها السياسيون.. من فضلكم القليل من الخيال فقط
الإعلامي عبد العزيز كوكاس
وأنا أتابع ردود فعل السياسيين حول التحول الطارئ في الموقف الأمريكي من قضية الصحراء، أحسست بنوع من الغمة في القلب.. سواء تعلق الأمر بالمهللين لتوسيع اختصاصات المينورسو لتشمل الإشراف ومراقبة وضع حقوق الإنسان بالأقاليم الصحراوية ، أو بالمعارضين.. تذكرت ما قاله الباحث عبد الله العروي يوما حول شغفنا كمغاربة اللامحدود للتحدث بلغة تخالف العقل، حيث أن كل واحد منا يتكلم ""اللغة المناسبة "بحسب متطلبات الظروف من البرلمان إلى المسجد أو أمام كاميرات التلفزة.. في حين أن السياسة تحتاج إلى قدر كبير من الخيال للقدرة على الإبداع والتنبؤ بالوقائع والأحداث من خلال تركيب المعطيات الراهنة ومعرفة إسقاطاتها قبل أن تقع على أرض الواقع.. وليسمح لي سياسيونا أن أقول لهم إنهم يفتقرون إلى الخيال المبدع.
 المسيرة الخضراء - ملحة تاريخية - ملحمة ملك و شعب
لنبدأ بالمهللين لتوسيع مهام المينورسو بالصحراء، وهم أنواع: الإسلاميون من جماعة العدل والإحسان الذين لم يروا في تحول الموقف الأمريكي سوى "لعنة مخزنية"، فعمر أحرشان هذا الشاب الملتحي القيادي بجماعة العدل والإحسان، لم ير في القرار الأمريكي الخطير سوى لحظة للتشفي من شكل تدبير النظام السياسي لقضية الصحراء، والحقيقة أنه في كل بلدان العالم وعبر التاريخ، حين يمس الوطن تذوب الخلافات الداخلية.. لأن الأمر يتعلق ليس فقط برقعة جغرافية بل بكيان وطني وبهوية مشتركة تضم جميع الفاعلين في أي موقع سياسي كانوا، هكذا كان السياسيون الكبار من عبد الكريم الخطابي إلى علال الفاسي وعبد الرحيم بوعبيد والفقيه البصري وبنسعيد آيت يدر... حيث ظلوا يناضلون داخل وطنهم وفي المنافي البعيدة ووسط أقبية السجون عن الوطن، كلما مُس في شبر من ترابه، وكانوا كرجالات دولة يُغيبون خلافاتهم مع نظام سياسي استبدادي، لأن لا معركة تعلو على وحدة الوطن، من هنا يمكن التساؤل عما إذا كانت اللحظة التاريخية هي لحظة لتقديم الحساب... وضمنهم أيضا يساريون تساءلوا بما يشبه النكاية: ما الذي يضير النظام السياسي إذا ما أشرفت المينورسو على وضعية حقوق الإنسان بالصحراء؟

هذا الأمر فيه الكثير من الخلط وافتقاد الحس السياسي، إذ يفترض أن يساريين متطرفين لهم نوازع اشتراكية وشيوعية وفي لحظة تحولوا إلى مناصرين لـ"ماما أمريكا" التي سمعناهم أكثر من مرة يقولون عنها في مظاهرات عامة :"يكفينا يكفينا من الحروب، أمريكا أمريكا عدوة الشعوب" إذ يقتضي الانسجام الفكري والإيديولوجي أن يدافع هؤلاء عن توسيع مهمة المينورسو حول مراقبة حقوق الإنسان على كل المغرب، إذا كانوا يعتبرون أن ذلك لا يتعارض مع مبدأ السيادة الوطنية كما يحاولون أن يوهموننا..

إذا كان الحقوقيون عامة غير معنيين بالخلفيات السياسية لقرار مرتبط شكلا بالدفاع عن حقوق الإنسان، فإن السياسيين لا يُغتفر لهم أبدا أن يجهلوا الخلفيات السياسية لأي قرار في مجال العلاقات الدولية وإسقاطاته البعيدة على الوضع الإقليمي والمحلي وتجاذبات المصالح الجيوستراتيجية في مداها القريب والمتوسط والأبعد.. وإلا فعلى يساريينا وإسلاميينا غير المعتدلين أن يفسروا لنا تحولات الموقف الأمريكي من قضية الصحراء في ظل نفس سيادة نفس الرئيس الأمريكي أوباما، بين فترة وجود هيلاري كلينتون حيث كان البيت الأبيض يشيد بالتقدم الحاصل بالمغرب في مجال حقوق الإنسان ومساندة المشروع الوازن والمعقول للمقترح المغربي حول الحكم الذاتي.. "هذه العبارات صادرة بنصها عن مسؤولين أمريكيين "، وبين الوضع الحالي مع جون كيري، ولماذا هللت الجزائر لمشروع القرار الأمريكي الذي سيقدم إلى مجلس الأمن؟ وكيف نربط موقف جون كيري الحالي برسالته السابقة لكولن باول لمطالبة واشنطن بالضغط على المغرب في قضية الصحراء؟ ولماذا جاء هذا القرار مباشرة بعد زيارة هولاند إلى المغرب؟ وما علاقة الموقف الأمريكي المفاجئ بما حدث في مالي؟
..ألا يحتاج سياسيونا المعارضون للقليل من الخيال والذكاء السياسي بدل هذه الردود غير المحسوبة في قضية وطنية تهم جميع المغاربة الأحياء والأموات منذ مبادرة جيش التحرير باستكمال تحرير التراب الوطني وما وقع في إيكوفيون عام 1958 وشهداء الوحدة الترابية منذ عام 1975؟
أما الذين عارضوا القرار فنقول لهم أين كنتم؟ لا نحتاج لأن تذكروننا بالدروس الأولى للوحدة الوطنية، وبأن الوطن في خطر وأن العدو يتربص بنا وأننا في لحظة الأزمة الاقتصادية تنزل علينا المطارق من كل حدب وصوب، فالملكية كما الوطن ليست في حاجة لأي نفاق سياسي، بل في حاجة أكيدة لمن يجلب المنافع ويدرأ المفاسد.. أين أدوار المساهمين في الأممية الاشتراكية والأممية المتوسطية؟ أين هي أحزابكم الصديقة التي تستقدمونها بمناسبات مؤتمراتكم؟ أين هي لجان العلاقات الخارجية وسط أحزابكم؟ أين هي خلايا التفكير وإبداع حلول للأزمات الطارئة؟
ها ما نحتاج إليه.. بعض من الخيال السياسي والكثير من الإبداع، حتى نكون في مستوى اللحظة التاريخية التي يمر منها الوطن.

الخميس، 7 فبراير 2013

حرية أقل - عبد العزيز كوكاس


حرية أقل - الإعلامي عبد العزيز كوكاس
"الحياة التي لا تُعرف إلا بضد الموت، ليست حياة" محمود درويش 
الإعلامي عبد العزيز كوكاس 


ما بال حكومة بن كيران كلما كلما طالبناها بحرية أكبر، فتح علينا أعضاؤها سيرة العهد القديم وحكاياته السوداء التي يشيب لها الأطفال وهم لم يبلغوا سن الفطام، كما لو أنه يجب علينا أن نخشى من سجن أكبر، لأنه ليس لديهم ما يكفي من هواء الحرية ليتسع لأحلام الجميع، فصاروا يقنعوننا بعبودية أقل، علينا أن نختارها بكامل الحرية وباشتهاء كبير. 
حين نشدد على ضرورة انفتاح مؤسساتي أكبر، وعلى تكييف قوانين المملكة مع مقتضيات القوانين الكونية كما نصت عليها المواثيق الدولية، منُّوا علينا بغنائم الحكومة الجديدة وبشَّرونا بفتوحاتهم القادمة، وأشعرونا كما لو أننا نعيش فائض قيمة الحرية، وأن جسدنا أصيب بتخمة الحرية، ويفترض أن نُجري حِمية على هذا الجسد المجتمعي لنتلاءم مع إيقاع ما حولنا.. 

حين نطالب بن كيران بوجوب وضع القطار المغربي على السكة الحقيقية للديمقراطية كما أرستها دول ذات تقاليد حضارية باذخة، قالو لنا "احمدوا الله وانظروا إلى ما حولكم من الجزائر إلى اليمن، ومن الخليج إلى المحيط، وسترون أن المغرب اليوم جنة في جحيم هذا المحيط، واحة تزهر فيها جنان الحريات ورياض الحقوق ونخيل الديمقراطية الوارفة الظلال... 

كلما نزلنا إلى الشارع لنحتل مساحة في الفضاء العام، تنديداً بخرق حق، أو ضد التهاب أسعار، أو انتهاك مكتسب أو احتجاجاً على قرار.. أخرجوا من علبهم خراطيش سنوات الرصاص ونصَّبوا أمامنا فزَّاعات أوفقير والدليمي والبصري.. وكل مجرمي اغتصاب الحق العام في الاحتجاج بشكل سلمي. 

حين تطالب ترانسبرانسي بإجراءات قانونية أكثر صرامة لمحاربة الرشوة، يقنعوننا برشوة أقل، كما لو أنه قد أصبح علينا أن نرضى بحرية أقل، ورشوة أقل، وفساد أقل وديمقراطية أقل.. لماذا؟ 

لأن المغرب لا يملك بترولا ولا ثروة استثنائية، والدولة فقيرة ليست لها مداخيل، وليس هناك ما يغري الأجانب سوى نسائنا وحشيشنا.. كما لو أن الديمقراطية سليلة الوفرة وأن قدر مجتمعات النُّدرة أن تستكين لعبوديتها، وأن تقبل بوضع أقل. 

إننا لا نُنكر ما أُنجز بالمغرب، لكن نعتبره دون طموحنا في ظل إيقاع زمن لا يرحم، ونعتقد أن المغاربة يستحقون اليوم حرية أكثر، وديمقراطية أكبر، وأن كل التوازنات تُشجع على الذهاب بعيداً نحو تحصين المواطن وترسيخ أسس دولة قوية، بالحق والقانون، أما المَنُّ علينا كل لحظة بالمقارنة مع مآسي الزمن الماضي وملفاته الثقيلة، أو بما يحدث في دول الجوار.. فيدفعنا للقول على إيقاع محمود درويش إن "الحياة التي لا تُعرف إلا بضد الموت، ليست حياة"، ونضيف "إن السماح بحرية أقوى في ظل ديمقراطية غير مراهقة، ومع سياسة الوضوح المسؤول.. هو الذي من شأنه أن يحصن أبناءنا من شبح الماضي وويلاته، كي لا يتكرر ما حدث".