‏إظهار الرسائل ذات التسميات د . أســــــامـة جـــادو. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د . أســــــامـة جـــادو. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 16 أبريل 2013

قـــوة السلطان وفاعلية السلطات - أســـامة جــادو

أســـامة جــادو يكتب - قـــوة السلطان وفاعلية السلطات
 أســـامة جــادو
إنَّ الله لَيَزَع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، قاعدة ذهبية نطق بها الخليقة الراشد عثمان بن عفان رضى الله عنه وهى تشير بجلاء الى قوة السلطان وفاعلية السلطات، ووجود السلطان مانع لكثير من المفاسد التى تلحق الضرر بأفراد المجتمع وجماعاتهم، وغيابه أو ضعفه يفسح الطريق لكل من تسول له نفسه الشر أن يفعل ما يشاء، والسلطان هنا يحمل معنى السلطة التنفيذية بكل صورها وتخصصاتها وأدواتها ورجالاتها، ورحم الله الشيخ الجليل" أبو الأعلى المودودي" وهو يتأمل وظيفة الدولة في الإسلام فيقول: "إنّ  الدولة التي يريدها القرآن ليست غايتها سلبية فحسب - أي منع عدوان الناس بعضهم على بعض وحفظ حرية الناس والدفاع عن الدولة، بل الحق أن غايتها إيجابية هدفها الأسمى هو نظام العدالة الإجتماعية الصالح الذى جاء به كتاب الله، وغايتها النهي عن جميع أنواع المنكرات التي ندد بها الله فى آياته، ففي تحقيق هذا الغرض تستعمل القوة السياسية تارة ويستفاد من منابر الدعوة والتبليغ العام تارة أخرى، وتُستخدم لذلك وسائل التربية والتعليم طورا، ويُستعمل لذلك الرأى العام والنفوذ الإجتماعى طوراً أخراً، كما تقتضيه الظروف والأحوال " (رسالة نظرية الإسلام السياسية للمودودي)
وهو يتفق فى ذلك مع تعبير بديع للإمام أبى حامد الغزالى  حين أشار الى قوة السلطان الذي يمنع بعض الناس من بعض، وقريباً من هذا ما اوضحه الإمام الشهيد حسن البنا حين قال: " إذا قيل لكم إلام تدعون؟ فقولوا: ندعو إلى الإسلام الذي أتى به محمدٌ صلى الله عليه وسلم، والحكومة جزءٌ منه، والحريةُ فريضةٌ من فرائضه، فإن قيل لكم:هذه سياسةٌ، فقولوا: هــذا هو الإسلام ، ونحن لا نعرف هذه الأقسام" (من رسالة "بين الأمس واليوم"). وفى موضع أخر يوضح مكانة سلطان الدولة ومنزلة الحكومة فى الإسلام فيقول رحمة الله عليه:
  يفترض الإسلام الحنيف الحكومة قاعدة من قواعد النظام الاجتماعي الذي جاء به للناس، فهو لا يقر الفوضى، ولا يدع الجماعة المسلمة بغير إمام.  ولقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه: (إذا نزلت ببلد وليس فيه سلطان فارحل عنه), كما قال في حديث آخر لبعض أصحابه كذلك: (إذا كنتم ثلاثة فأمروا عليكم رجلا)..
فمن ظن أن الإسلام لا يعرض للسياسة، أو أن السياسة ليست من مباحثه، فقد ظلم نفسه، وظلم علمه بالإسلام ولا أقول ظلم الإسلام فإن الإسلام شريعة الله لا يأتيه الباطل من بين يده ولا من خلفه .. وجميل قول الإمام الغزالي رضى الله عنه: (اعلم أن الشريعة أصل، والملك حارس، وما لا أصل له فمهدوم وما لا حارس له فضائع) فلا تقوم الدولة الإسلامية إلا على أساس الدعوة، حتى تكون دولة رسالة لا تشكيل إدارة، ولا حكومة مادة جامدة صماء لا روح فيها, كما لا تقوم الدعوة إلا في حماية تحفظها وتنشرها وتبلغها وتقويها" (رسالة مشكلاتنا فى ضوء النظام الإسلامي).
لقد عانى الشعب المصري أشد المعاناة  من وجود حكومات جائرة وسلطات ظالمة، ولم تتغير معاناته بعد زوال النظام الفاسد الذى اطاحت به ثورة الشعب الغاضب، إذ اننا ما زلنا حتى الآن نتلمس الطريق نحو الاستقرار وبناء المؤسسات الدستورية بعد نجاح الشعب المصرى فى انجاز الدستور.
وبقينا فى ظل حكومات تسيير أعمال مرتعشة لا تتقدم ولا تضبط أحوال البلاد الأمنية والإقتصادية وتترك الفوضى فى الشارع فترة طويلة عقب الإطاحة بالرئيس المخلوع، وكثيرا ما يسألني من حولي: متى تنتهى معاناة الناس وكيف يعود الاستقرار للشارع المصري وتتوقف الفوضى وتنتهى العشوائية؟
وجوابي: لستُ قلقاً لما يحدث، فهذه الفوضى جانب منها مصطنع وتدبره وتديره مجموعات  تستهدف التخريب واعاقة الوصول بالبلاد الى شط الامان والاستقرار لتدور عجلات الانتاج وهذه الفوضى يمكن السيطرة عليها، وجانب آخر يتلاشى بمجرد ان تكون فى البلاد سلطات وطنية ذات كفاءة وحسن إدارة  وطيب نوايا، وأكرر على مسامعهم قولة الخليفة الراشد: " انَّ الله لَيَزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".
ومن ظواهر الفوضى التى نعانى منها
- الانفلات الأمنى وبروز البلطجة وجرأتهم على العباد حتى طالوا رجال السياسة والحكم
- التعدي على المرافق العامة للدولة وتعطيلها ومنع المواطنين من الانتفاع بها
 - البناء المخالف، وهو ما أفصل فيه الحديث بغية إثارة الموضوع فى دوائر الحريصين على مقدرات البلاد ومصالح العباد
فشت ظاهرة البناء المخالف وخاصة فى فترة ما بعد الثورة، ويرجع هذا الى حالة السيولة التى تمر بها البلاد، وضعف الأجهزة المسئولة عن الرقابة وضبط المخالفين، وضعف المحاسبة لحد التلاشي، والقاعدة الشرعية هنا تبين ذلك " من أمن العقوبة أساء الأدب"
شعور بعض المواطنين بضعف اجهزة الدولة المخولة بالرقابة والمحاسبة، أغراهم بالإندفاع نحو تحقيق الربح السريع عن طريق البناء المخالف قبل ان تفيق الحكومة وتستعيد عافيتها وتبسط رقابتها وتمارس دورها بقوة وفاعلية.
الصور الأكثر شيوعا فى مجال البناء المخالف
1 - البناء  من غير ترخيص بعيدا عن الطريق الرسمي  ودون الالتزام بقيود الإرتفاع واشتراطات البناء .
2 - التعليات فوق المسموح به قانونا والوارد فى الرخصة، فتجد بناء يرتفع لأكثر من 11 طابقا فى حين أن عرض الشارع لا يتجاوز ستة امتار والرخصة لا تسمح بأكثر من اربعة طوابق
3 - التعديات على املاك الدولة والاوقاف أو الخاضعة لقانون حماية الأثار،  ويستفزك ما قام به البعض من الاستيلاء على الشارع وتحويله لملكية خاصة والبناء عليه.
4 - التعديات على خطوط التنظيم ومناطق الردود المقررة بالاشتراطات.
5 - المباني والمنشآت والأعمال  التى تقام خارج الحيز العمرانى المعتمد للمدينة أو القرية.
هذه المخالفات القانونية قرر القانون  رقم 119 لسنة 2008 الخاص بقانون البناء إزالتها بالطريق الإداري على نفقة المالك، ويصدر بذلك قرار من المحافظ المختص ولا يجوز التجاوز عن إزالة  هذه المخالفات وفقا للمادة رقم 60 من القانون المشار اليه .
المشاركون فى المخالفات المعاقب عليها قانونا
هذه المخالفات الخطيرة يشارك فيها عدة اطراف؛ المالك يتحمل المسئولية  كاملة، ويشاركه المهندس او الشخص المسئول فى المكتب الهندسى القائم بأعمال الاعتماد وذلك وفقا لأحكام المادة 103 من قانون البناء، وفضلا عن معاقبته بالحبس او الغرامة المشددة يحكم بالازالة وتصحيح الاعمال  المخالفة على نفقة المخالف، وفى حالة التكرار والعود  تكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على خمس سنوات ومثلي الغرامة المشار اليها فى الفقرة الاولى، كما تقضي المحكمة بشطب المهندس المخالف او المكتب الهندسي الذي ارتكبت المخالفة لصالحه او من احد العاملين لديه من سجلات نقابة المهندسين.

ويشاركهم فى  ارتكاب هذه المخالفات كل من تقاعس عن اداء مهام وظيفته من موظفي الوحدات المحلية المنوط بهم مراقبة تطبيق قواعد القانون والاشتراطات الواردة بالقانون وتوقع عليهم الجزاءات الجنائية  بما فيها الحكم بالعزل من الوظيفة، فضلا عن الجزاءات الادارية
الاضرار التى تلحق بالمجتمع
هذه مخالفات خطيرة تشكل اعمالا يعاقب عليها القانون ويتضرر منها المجتمع، ولا تقتصر اثارها على اطرافها او المجاورين لها، ومن ذلك:
* المخالفات متعلقة بالنظام العام ومن شأنها  الاضرار الشديد بالمرافق العامة للدولة حيث انها صُممت وفقا لإحتياجات مخطط لها سلفاً ولا شك ان هذه المخالفات تخرج عن منظومة التوافق مع المرافق العامة كشبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والطرق والنقل والتعليم  والصحة وغيرها، التي صممت لتقديم الخدمات لعدد معين من المواطنين وهذا احد اسباب انفجار شبكات المرافق العامة وعدم قدرتها على استيعاب زيادة الاستهلاك .
* المخالفات تسمح لمرتكبيها بالتهرب  من سداد استحقاقات مالية لخزانة الدولة  كرسوم الترخيص وضرائب مستحقة عن هذه الانشطة وهذا يُضعف الحصيلة المالية للدولة.
* تلحق الضرر البالغ بالمواطنين الذين ترتبت لهم اوضاع ومراكز قانونية  قبل انشاء هذه المخالفات مما ألحق بهم الضرر وقد تتصدع البنايات المجاورة وقد تتهدم او تنهار من جراء هذه المخالفات.
·        تنتابنى  وتنتاب الكثيرين مشاعر الخوف والقلق  من جراء هذا التسارع فى البناء المخالف عقب الثورة حتى ان البناء يرتفع  14 طابقا فى أقل من شهرين بواقع ثلاثة  ايام لكل طابق، وهذا يجعلنا ننظر بعين الخوف والارتياب لكل المباني التى شيدت خلال هذه الفترة بعيدا عن أي رقابة، ولا بد من إعمال صحيح القانون حمايةً لأرواح المواطنين وسلامتهم، وإلا تفاجئنا كل فترة بخبر انهيار عقار على قاطنيه.
كم نحن فى حاجة ماسة الى ثورة أخلاق  وضمائر، ثورة تعيد الإعتبار للمال العام وتأكيد حرمته ووجوب احترامه والحفاظ عليه وصيانته، ثورة توقف الانهيار الأخلاقى وخراب الذمم حتى لا تتعرض البلاد لانهيار المباني وخراب الديار، واتعاس العباد وافساد البلاد . 
ثورة تحافظ على الأرواح وسلامة المواطنين وأمنهم وسلمهم فلا يبيتون على خوف من انهيار عقار يُقيمون فيه او يعيشون بجواره أو يمرون تحته او يعملون فيه .
نحن فى حاجة حقيقية لحراك اجتماعى بغرض توعية المواطنين جميعا أن يحترسوا ويأخذوا حذرهم ولا يُشاركوا فى هذه المخالفات وأن يتعاونوا من أجل إزالتها ومنعها أصلا من الوجود .
وأحد مفاتيح الحل الجذري لهذه الظاهرة هو وجود السلطات الوطنية القادرة والحارسة والحامية والأمينة، ونأمل ان تكون قريبا.
------
أســـامة جــادو 
نائب مصري سابق ومحامٍ

الأربعاء، 10 أبريل 2013

نحو نظام إنتخابى أمثل - د .أســامـة جــادو

نحو نظام إنتخابى أمثل 
 د .أســامـة جــادو  
عقب موافقة الشعب المصرى على الدستور الجديد ، نشطت الفعاليات واللجان الحوارية السياسية بُغية التوصل الى التوافق على قانون انتخابات مجلس النواب فى ظل الدستور الجديد ، لا سيما وأن الدستور وضع القواعد العامة والأسس التى على أساسها يتشكل وينتخب مجلس النواب الجديد .
و قبل الشروع في الحديث عن أنظمة الانتخابات نود تأكيد أهمية الاتفاق والتعرف على المبادئ الرئيسية والأهداف العامة التي نسعى إلى تحقيقها من خلال الانتخاب بغض النظر عن أي نظام نتبعه:
عن إرادة الشعب المصرى ويجسد روح ثورته ويحقق أهدافها أن تفرز الانتخابات برلمانًا قويًّا يعبر
2- أن تتم العملية الانتخابية من الألف إلى الياء وفقًا لآليات ومعايير شفافة تضمن تحقق النزاهة الكاملة في ظل قانون وممارسة صحيحة تخضع للإشراف القضائي الكامل.
3- عدم استبعاد أو إقصاء أي شخصٍ أو حزب أو قوة سياسية وفقا لما ورد فى دستور مصر الجديد.
4- إتاحة الفرصة للجميع سواء كانوا أفرادًا أو أحزابًا في الترشح والدعاية والمتابعة والانتخاب وممارسة العملية الانتخابية كاملة.
5- ضمان إفراز معارضة قوية تسهم في حيوية البرلمان وتعزز فرص المعارضة والرقابة على الحكومة ومراقبة سلطة التشريع.
أنظمة الانتخاب المتعارف عليها
النظام الأول نظام الأكثرية العادية.
النظام الثاني نظام التمثيل النسبي.
النظام الثالث نظام التمثيل شبه النسبي ( النظام المختلط)


محددات اختيار النظام الانتخابي
كل دولة لها ظروفها وخصوصيتها، وليس هناك نظام انتخابي واحد صالح للتطبيق في كل البلاد، وعلى هذا الأساس نؤكد أن النظام الانتخابي لدولة ما يعتمد على النسق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي والتعليمي السائد فيها؛ حيث أفادت إحصاءات أن نظام الأكثرية هو الأكثر انتشارًا بين دول العالم، فمن بين 199 دولة كانت تعتمد نظامًا انتخابيًّا في نهاية عام 2004م وجد الآتي:
- يوجد 91 دولة اعتمدت نظام الأكثرية (الأغلبية) في نظامها الانتخابي، وأشهر هذه الدول بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية ومصر.
- يوجد 72 دولة اعتمدت نظام التمثيل النسبي، ويعتمد على نظام القوائم النسبية سواء كانت حزبية أو ائتلافية أو متعددة كما هو الحال في جمهورية تركيا.
- يوجد 30 دولة اعتمدت النظام المختلط.
- يوجد 6 دول لم يتم تحديد دقيق للنظام السائد بها.
ويعد النظام المختلط نظاما مشتركَا يجمع بين نظامي الأغلبية والنسبية والتمثيل النسبي، فيتم انتخاب عدد من الممثلين البرلمانيين عبر نظام الأغلبية العادية (الفردي) وعدد آخر من خلال القائمة النسبية
وأبرز مثال لهذا النظام نظام الانتخاب في ألمانيا وبعض الدول الإسكندنافية وفلسطين والسودان.
نظام الانتخاب الفردي (الأكثرية) يمتاز بأنه:
- نظام بسيط وسهل التطبيق.
- نظام اعتاد عليه الناخبون
- نظام يتيح الفرصة للجميع سواء كانوا حزبيين أو مستقلين.
ويعاب عليه:
-----------------------
(-% أنه لا يحقق مبدأ التمثيل على الوجه الأكمل ويتجاهل أصوات الأقلية (49
- أنه نظام يسمح للمال السياسي والبلطجة والعصبيات أن تتبوأ مكان الصدارة، وتلعب دورًا مهمًا في التأثير في سير العملية الانتخابية.
أنه نظام يربط النائب بجمهور الناخبين، ويجعله أسير طلباتهم على حساب دوره الرقابي والتشريعي.
ومن المهم أن أذكر أن التخوفات من النظام الفردي (التربيطات العصبية/ سلاح المال/ البلطجة / الانتخاب على أساس الفرد لا البرنامج/ ابتعاد بعض الكفاءات عن المعترك السياسي، ومن ثمّ العزوف عن خوض الانتخابات؛ لعدم قدرتها على الحشد والتمويل والعجز عن مواجهة محترفي الانتخابات والتربيطات ) هى قائمة كذلك في نظام القوائم؛ لأنه في النهاية أفراد مرشحون عن دائرة أكبر من الدوائر الفردية
يهمني الآن- ونحن على عتبات وضع نظام انتخابي جديد يمهد لنقل البلاد إلى المستقبل- أن نعزز فرص مشاركة كل الشعب المصري بكل فئاته وتياراته وقواه ومنظماته السياسية والفكرية، مراعين حالة الثقافة السياسية لعموم الشعب، وتوزعاته على القوى والأحزاب السياسية، فما زالت غالبية الشعب حتى اليوم عازفة عن المشاركة الحزبية والانخراط ضمن منظومة الأحزاب القائمة حاليًّا.
لذلك أرى أن المناخ السياسي لا يقل أهمية عن النظام الانتخابي، وأن اختيارنا لنظام انتخابي يتيح لأكبر عدد من الشعب المشاركة في السياسة والعمل السياسي، ومن أبرز تلك المشاركات العملية الانتخابية، وأنّ النظام المختلط (الذي يجمع بين نظام القوائم النسبية والنظام الفردي) أنسب في الوقت الراهن للمزاج العام المصري ، وهو ما اتجه اليه الدستور الجديد ووافق عليه أغلبية الشعب المصرى حيث يتيح الفرصة للحياة الحزبية أن تنتعش وتنشط، وفي ذات الوقت لا يغفل حقوق غالبية الشعب الذين لم ينخرطوا بعد في منظومة الأحزاب السياسية القائمة أو التي تأخذ طريقها إلى الحياة السياسية في مصر.
تبقى نقطة أخيرة فيما يتعلق بتوزيع المقاعد البرلمانية بين نظام القوائم ونظام الفردي، حيث قرر الدستور الجديد فى مادته رقم (231 ) على الآتى :
"تكون الإنتخابات التشريعيــة التالية لتاريخ العمل بالدستور بواقع ثلثى المقاعد لنظام القائمة ، والثلث للنظام الفردى ، ويحق للأحزاب والمستقلين الترشح فى كل منهما "
تقسيم المقاعد البرلمانية بين النظامين بنسبة الثلث والثلثين، بحيث يخصص الثلث للنظام الفردى ، ويخصص الثلثان لنظام القوائم ، مع منح الأحزاب والمستقلين فرصة الترشح والمنافسة فى كلا النظامين ،فكما يحق لأعضاء الحزاب أن يترشحوا على المقاعد الفردية يحق للمستقلين ان يترشحوا على المقاعد المخصصة للقوائم من خلال التقدم بقائمة مستقلة أو المشاركة ضمن قائمة حزبية أو ضمن إئتلاف مشترك يضم أكثر من حزب ، وهذا النص الدستورى انتقالى ولهذه المرة فقط ، ثم يصبح لزاما على البرلمان الجديد أن يضع نظاما انتخابيا جديدا وفقا لما ورد فى المادة رقم ( 224 ) والتى تنص على الآتى :
" تُجرى إنتخابات مجلسى النواب والشورى والمجالس المحلية وفقاً للنظان الفردى أو نظام القوائم أو الجمع بينهما أو بأى نظام انتخابى يحدده القانون "
ربما - لضيق الوقت و للمحددات التى وردت فى الدستور الجديد المرتبطة بالتوقيتات والمدد وهيكل النظام الانتخابى لأول مجلس نواب ينتخب عقب اقرار الدستور - نجد أنفسنا أمام تعديلات ترد على قانون مجلس الشعب السابق ليتفق مع نصوص الدستور الجديد ، على أن تكون الفرصة أكبر لوضع نظام انتخابى عام - يشمل كافة المجالس النيابية من نواب وشورى ومحليات - فى ظل مجلس النواب الجديد ،وتتهئأ لذلك الأجواء والآليات التى تضمن الحوار الأوسع بين مكونات المجتمع المصرى وصولا الى توافق حول النظام الأمثل للإنتخابات فى مصر .


النائب السابق /د- أســـامة جــادو
المحامى بالنقض والدستورية العليــــا

الأحد، 17 مارس 2013

مشكلات البحث العلمى فى مصر - أســامـة جـادو

مشكلات البحث العلمى فى مصر ، وأوجاع المخترعين

بقلم أســامـة جـادو
النائب السابق بالبرلمان المصرى
يثور الحديث بين الحين والأخر حول أهمية البحث العلمى وما يشكله من حماية للأمة ومقدراتها ومواردها ، وتقاس الدول بقدر عنايتها بالبحث العلمى وما تخصصه من موازنات للإنفاق عليه ،ولذلك تجد أن الدول الأكثر انفاقاً على البحث العلمى هى الأكثر تقدما وتحضراً، وأن الدول القل إنفاقاً على البحث العلمى هى الأقل تقدماًوتحضراً وأكثر تخلفاً .
ومن واجبات الدولة أن تولى اهتماماً برعاية الموهوبين والباحثين والمخترعين أصحاب القدرات العلمية الفائقة ، وأن تضع الخطط والبرامج التى تكفل تنمية هذه المواهب وتطويرها وان تنشئ المناخ الصحى الذى يضمن ذلك ،وأن تحيطهم بالرعاية والتكريم اللائق بهم واعتبارهم ثروات قومية لا تقل عن لاعبى الكرة ومحترفى الغناء والطرب .
ومن الجدير بالذكر أننا كأمة عربية ننفق كمتوسط 0.5 % من الموازنة العامة على البحث العلمي والمطلوب أن يصبح هذا الرقم 2.5% من الناتج القومي على الأقل وهكذا فعلت كل الدول التي سبقتنا.
أن الأنفاق على التعليم والبحث العلمى والصحة هو أساس التنمية البشرية ،وعنوان الرغبة فى التقدم والرقى ، ولا أبالغ إذا قلت إنها من أولويات الأمن القومى المصرى
وهناك تحديات ومشكلات تحاصر المخترعيىن والمبتكرين والباحثين مما يعوق دورهم ويثبط عزيمتهم وهذا ينعكس بدوره على تقدم بلادنا ، ومن هذه المشكلات والمعوقات :
1- نظام الإدارة ومناخ البيروقراطية العقيم المتخلف الذى يتعامل مع أركان الإبداع والإختراع (الفكرة – المخترع – التطوير – التمويل – التسويق ) على اساس وظيفى و لوائح وإجراءات ورسوم ودمغات ،وهذا ما أشار إليه د.عبدالسلام جمعة (الحاصل على جائزة مبارك 2006): نفتقر للقيادات المميزة في إدارة البحث العلمي، لأن إدارته من أصعب ما يكون ولا يصح أن يكون المنصب بالأقدمية، أيضاً يحتاج الأمر لتمويل كبير ومناخ إيجابي يحتضن الباحثين.
فهل يعقل أن يستغرق الحصول على براءة الإختراع مدة تزيد على 5 سنوات عبر منظومة من الإجراءات الإدارية وما يستتبعه من رسوم و دمغات واستحقاقات مرهقة وفى كثير من الأحوال يعجز المخترع عن الوفاء بها ومن ثمّ يتعطل المشروع ويبطل الأختراع .
2– عدم وجود الدعم المادى الذى يمول عملية تنفيذ مشروع الإختراع
وهذه كارثة تحبط ألاف الشباب الباحثين والمخترعين ، عندهم أفكار وابتكارات جديدة ، وتقدموا بها الىمكتب براءات الاختراع المصري ، ويعجزون عن تنفيذ النموذج الأول للمشروع ، وكثيرون منهم لا يتحصلون على الدعم الكافى نت أكاديمية البحث العلمى ، ويظل الباحث يلهث بحثا عن جهة تمول له المشروع .
3– التمويل والتسويق والاستفادة من الاختراع
وهذا دور رجال الاعمال و اصحاب المصانع ان يتقدموا لتبنى هذه الاختراعات وتمويل تنفيذها والاستفادة منها ، لكن للأسف الشديد يمتنع الكثيرون من رجال الاعمال عن المشاركة القوية فى هذا الجانب المهم ، بل بعضهم يفضل المنتج المستورد ولا يشجع الاختراع الجديد ، مع انه سيضيف الى قوة الى الاقتصاد الوطنى ويعود بالمنفعة المتيقنة على الدخل القومى .
أننى أهيب بالاخوة رجال الاعمال واصحاب الاموال أن يتقدموا ويتبنوا أفكار ومشروعات شبابنا المخترعين والباحثين ، وأن يعتبروا ذلك جزءاً من حق الوطن علينا ، وأمامهم تجربة رائعة لرجال العمال الأتراك حين تفاعلوا مع فكرة الوقف الخيرى والدعم والتبنى لطلاب العلم والنابهين من شباب الباحثين فأسسوا روابط ومؤسسات تتبنى وتنهض بدعم الباحثين ومن ثمَّ كانت ثمرات الرعاية والدعم نهضة حقيقية شملت تركيا وأسهمت فى تقدمها خلال فترة وجيزة .
4 – السرقة والسطو العلمى
وهذا جانب اخر من المعوقات التى يتعرض لها المخترعون ، فهم يتعرضون لحرب شرسة وظغوط شديدة من قِبل الشركات العملاقة عابرة القارات وغيرها التى لها عيون وقرون استشعار فى كل المواقع التى يتواجد فيها الباحثون والمخترعون ، هذه الشركات لديها برامج للسطو والإستحواذ ويقف صاحب فكرة افختراع أو الإبتكار عاجزاً أمامهاولا حيلة له
فمن يحميه من هذه المافيا ؟ ومن يحافظ على حقوقهم ؟ ومن يصون أفكارهم ومخترعاتهم ؟
فى الفترة الأخيرة نشطت بعض مكاتب السمسرة واتجهت الى مجال التسويق لمشروعات الإختراعات والإبتكارات بزعم التسويق والترويج للإختراعات لدى الشركات والمصانع ووسط رجال المال والصناعة فى مقابل نسبة من ثمن بيع الإختراع أو الإبتكار.
وفى بعض الأحوال يتحول الأمر من سمسرة وتسويق إلى سرقة ونصب واحتيال بل إلى تهديد وترويع فيقال للمخترع إن اختراعك لم يلق قبولا من أحد حتى الآن ولم يتقدم أحد لشرائه فى الوقت الذى يكون الإختراع قد أخذ طريقه إلى السوق عبر هذه الشركات العملاقة .

و يتجدد الأمل فى نهضة مصرالثورة

إذا كنا ننشد خيراً لتقدم بلادنا ورقى شعبنا فلا بد من انطلاقة جسورة فى ميادين البحث العلمى من خلال :
توفير المناخ العام الذى ينمى القدرات ويحفز أصحاب المواهب والقدرات العلمية
توفير الدعم المادى والموازنات المالية التى تلبى متطلبات البحث العلمى
توفير الإدارة الواعية القادرة على النهوض بالبحث العلمى وادارته على الوجه الأمثل
تكريم ورعاية أصحاب المواهب والقدرات واعتبارهم ثروات قومية ينبغى الحفاظ عليها
تطوير المراكز العلمية وأندية العلوم ومراكز البحث العلمى وحسن اختيار القائمين عليها

الثلاثاء، 12 مارس 2013

صفحات مضيئة من جهاد الإمام حسن البنا - أســــــامـة جـــادو

صفحات مضيئة من جهاد الإمام حسن البنا شهيد فلسطين 
المستشار د . أســــــامـة جـــادو

بدأ اتصال الإمام الشهيد حسن البنـــــا - رحمة الله عليه -  بقضية فلسطين مبكراً ،فمنذ أ تفجرت ثورة الشعب المسلم في فلسطين في وجه المغتصب الإنجليز و من ورائه عصابات اليهود ، كان للإخوان مواقف إيجابية على النحو الذي نعرض له موجزاً .
1- في عام 1936 ثار الشعب الفلسطيني الباسل على التصرفات البريطانية الغاشمة التي تمالئ اليهود فى كل شيء ، وتحرم العرب من كل شيء، وكانت الهيئات السياسية و الأحزاب في مصر منصرفة كل الانصراف عن مناصرة فلسطين مناصرة جدية .
 و لم يكن المتحرك لفلسطين إلا الهيئات الإسلامية .... ومن هنا تقدم الإخوان المسلمون إلى مناصرة فلسطين الثائرة المجاهدة بكل ما فيهم من قوة ، و وقفوا على ذلك جهودهم مادياً و أدبياً من حيث الدعاية و الخطابة و النشر و جمع المال .... الخ.
2 - و في يوم السبت الخامس و العشرين من صفر 1355 ه الموافق مايو 1937 م وجه الإمام الشهيد حسن البنا  دعوة إلى جميع الإخوان بالقاهرة للاجتماع مساء ذلك اليوم ولبى دعوته عدد كبير من الإخوان و خطب فيهم الإمام و شرح للإخوان ما حل بأهل فلسطين من كوارث و مصائب ، ثم بين واجب الإخوان نحو نجدة إخوانهم المسلمين أهل فلسطين .
و بعد ذلك تبادل الإخوان الرأي حول وسائل نجدة فلسطين و انتهى الأمر إلى  تكوين لجنة من الإخوان  تكون مهامها :
                        1  -  نشر مشروع تكوين هذه اللجنة في الصحف .             
                        2- نشر نداء من اللجنة إلى الأمة المصرية و المسلمين عامة .
                        3- إرسال برقيات الاحتجاج إلى المندوبين الساميين في مصر و                         فلسطين و نشر صورتها في الصحف و إرسال برقية أخرى إلى فضيلة المفتي بصفته رئيساً للجنة العربية العليا .                         
                       4- إذاعة بيان من اللجنة إلى عموم الإخوان و الشعب.
و اصطلح على تسمية هذه اللجنة "اللجنة المركزية لمساندة فلسطين التابعة لجمعية الإخوان المسلمين"
و قامت اللجنة المذكورة بمخاطبة الأمراء و الأنبا يؤنس بطريرك الأقباط الأرثوذكس ، وتم إرسال برقية تأييد و مساندة إلى سماحة المفتي الأكبر السيد أمين الحسيني مفتي فلسطين (رحمه الله تعالى )
كما دعا مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين إلى القنوت في الصلوات  من أجل فلسطين و أن يكون القنوت في كل صلاة ، يدعون فيه بنصرة أهل فلسطين و خذلان أعدائهم و مناوئيهم ، و لتكن صيغة هذا القنوت على هذا النحو

 "اللهم غيّاثَ  المستغيثين و ظهيرَ اللاجئين و نصيرَ المستضعفين انصر إخواننا أهل فلسطين ، اللهم فرج كربتهم و أيد قضيتهم و أخذل أعداءهم و أشدد الوطأة على من ناوأهم وأجعلها عليهم سنين كسني يوسف و ارفع مقتك و غضبك عنا يا رب العالمين . 
 وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله و صحبه و سلم "المذكرات ص 216"

و لم يكتف الإمام بذلك بل فاضت مجلات و دوريات و نشرات الجماعة و رسائلهم و خطبهم بالحديث عن فلسطين و نكبة أهلها و بيان واجب الأمة نحوهم .
و وجد مفتي فلسطين الأكبر في ساحات الإخوان و صدر الإمام البنا متسعاً و رحابة للنزول لديهم و عرض قضية فلسطين وشرح مؤامرات الإنجليز التي تلجئ الرجل المسلم الساذج إلى بيع أرضه لليهودي تمهيداً منهم لتمكين اليهود و استيلائهم على مقاليد الأمور بفلسطين بحكم ملكيتهم لأرضها .

و يروي الأستاذ المجاهد الكبير محمود عبد الحليم (رحمة الله عليه ) أن الإمام البنا كان يجمع الإخوان و يوزعهم على مساجد القاهرة يوم الجمعة فيرسل إلى كل مسجد اثنين على الأقل ، أحدهما يخطب بعد الصلاة و يشرح للناس ما يقترفه الإنجليز من مظالم في فلسطين ، و يوضح للناس أن  فلسطين هي البلد الذي به بيت المقدس ثالث الحرمين الشريفين و أولى القبلتين ، و أن الإنجليز يريدون أن يسلموا هذا الحرم المقدس إلى اليهود ، و يقوم الأخ الآخر بتلقي التبرعات في صندوق معه .

  و ترتب  على ذلك إحاطة الناس علماً بأن هناك بلداً مسلماً بجوارنا أسمه فلسطين يراد بيعه لليهود ، كذالك إيقاظ الروح الإسلامية الكامنة في الشعب المصري و إشعارهم بعداوة الإنجليز للإسلام .
و ترتب على حركة الإخوان لنصرة فلسطين أن أحدثوا رد فعل قوي نحو القضية و غيرها من القضايا الأخرى لاسيما قضية فهم الفكرة الإسلامية فهماً صحيحا و أن المسلمين أمة واحدة .


و ظل الإخوان على عهدهم نحو فلسطين و أهلها ، و استمر نظام الخطابة في المساجد و جمع التبرعات ، كذلك انطلقت مجلة النذيرالإخوانية بمقالات نارية أدت في كثير من الأحيان إلى مصادرة المجلة ، و كان الإنجليز هدف المجلة و الإخوان مما أوجد لها قبولاً لدى الشباب و انتشرت المجلة انتشاراً واسعاً و كثرت المنشورات و الدعوة إلى مقاطعة المحلات اليهودية في القاهرة رداً على ما يجري في فلسطين و رفع الإخوان شعار " إن القرش الذي تدفعه لمحل من هذه المحلات إنما تضعه في جيب يهود فلسطين ليشتروا به سلاحاً يقتلون به إخوانك المسلمين في فلسطين " و كانت هذه الخطوة مدوية لأنها مست العصب الحساس لليهود .

 3- كتاب النار والدمار في فلسطين :
استطاعت اللجنة العربية العليا لفلسطين أن تطبع كتاباً سمته " النار والدمار في فلسطين " و أمدت الإخوان بعشرات الألوف منه و يقع الكتاب في نحو ثمانين صفحة تشرح ألوان الفظائع و التعذيب التي ارتكبها الإنجليز ضد مجاهدي فلسطين ، و كل نوع من هذه الفظائع معزز بصورة فوتوغرافية و بأسماء المجاهدين الذين ارتكبت معهم هذا التعذيب .........."
و قد قام الإخوان بتوزيع الآلاف من هذا الكتاب في أسرع  وقت فلم تمض ثلاثة أيام حتى عمّّ الكتاب القاهرة و أنحاء الأقاليم ، و قامت قيامة الصحف البريطانية والبرلمان البريطاني لمواجهة هذه الكارثة المدمرة و ترتب على ذلك أن قام البوليس بمداهمة المركز العام و إلقاء القبض على فضيلة الإمام الشهيد حسن البنا ( رضى الله عنه )    و كان ذلك عام 1938م
ومن ذلك التاريخ بدأ الإنجليز يهتمون بالإمام و أعدوا له دوسيهاً جمعوا فيه تاريخ حياته و أخذوا يعدون العدة للقضاء عليه و على دعوته.(تفصيل ذلك فى كتاب أحداث صنعت التاريخ ج1 ص176 )


 4- المظاهرات الغاضبة تعم مصر كلها :
بعد مضي ثلاث سنوات تقريباً من تحرك الإخوان و تبنيهم لقضية فلسطين ، أثمر التحرك الإخواني إلى إيقاظ الشعب المصري .
وضع الإخوان خطة بحيث يقوم الإخوان ( في جميع شُعب القطر كله يوم ذكرى وعد بلفور المشئوم 2نوفمبر) بمظاهرات صاخبة يهتفون  بهتافات محددة .
وقد نجحت الفكرة وقامت المظاهرات دليلاً على قوة الدعوة ، وهزاً لمكانة الحكومة  التى تجاهلت ما يحدث فى فلسطين،ومن ثمَّ أمرت بإلقاء القبض على مدبري هذه المظاهرات .
و للمرة الثانية يشعر الإنجليز بالذعر ، فالمارد المحبوس يوشك أن يكسر القيد و ينطلق يثأر لنفسه و لوطنه .
 5- عقد مؤتمر عربي من أجل فلسطين :
لم تعد فلسطين مجهولة و لم تعد قضيتها بلا مدافع ، فلقد خطى الإخوان خطوة أكبر و أشد .
فقد وجه الإمام الشهيد حسن البنا الدعوة لرجالات البلاد العربية وعلمائها ومفكريها لعقد مؤتمر لدراسة قضية فلسطين في مصر ، و استجاب الكثير منهم و انعقد المؤتمر في دار المركز العام بالعتبة و خطب فيه الزعماء العرب ثم تكلم الإمام البنا فألهب حماس الحاضرين و شرح ما يحاك بفلسطين من مؤامرات و بيَّن ما ينبغي القيام به لنجدة أهلها .
و كان نتاج ذلك أن توافد بعد المؤتمر على المركز العام للإخوان أمراء الدول العربية وساستها وعلماؤها للتشاور مع الحكومة المصرية و الإخوان حول ما يجب عمله لإنقاذ فلسطين و تمخضت هذه اللقاءات بين الزعماء العرب و الإخوان عن وسيلة هامة تحقق بعض الأهداف و لا تتصادم مع الحكومات المكبلة وكان ذلك بأن توجه الدعوة إلى جميع برلمانات العالم لعقد مؤتمر في القاهرة لمعالجة قضية فلسطين ،

   6- عقد المؤتمر البرلمانى العالمى بالقاهرة من أجل فلسطين
نعم تحقق للإخوان ما أرادوا وانعقد المؤتمر البرلماني العالمي بسراي آل لطف بالقاهرة ( مفر المركز العام لجماعة الإخوان المسلمين )  و كان هذا أول مؤتمر عالمي من أجل فلسطين ـ وتحدث  الكثيرون من زعماء العالم و شرحت القضية من جميع جوانبها و انتهى المؤتمر بقرارات موجهة إلى جميع دول العالم و إلى حكومة إنجلترا خاصة بوجوب تسوية هذه القضية بما يحفظ حقوق أهل فلسطين .
ماذا جنت القضية الفلسطينية من هذه التحركات الإخوانية ؟ 
أثمرت هذه التحركات المتلاحقة و المتصاعدة من قبل الإخوان أن إنجلترا بدأت تشعر بالذعر و الهلع ، فسياستها في فلسطين أصبحت مهددة ، و من ثم أوقفت حملات القتل و السجن و التعذيب و التنكيل ، كما أبدت استعدادها للتفاهم ، و طلبت عقد مؤتمر من أجل فلسطين في لندن يضم العرب و اليهود و ممثلي الحكومة البريطانية ، و سمى هذا المؤتمر بمؤتمر المائدة المستديرة و شارك في هذا المؤتمر الأميران فيصل بن عبد العزيز و أحمد بن يحيى و شارك الإخوان المسلمون في هذا المؤتمر باعتبارهم سكرتيرين للأميرين و مترجمين لهما ومن الإخوان الذين شاركوا في المؤتمر الأستاذ الدكتور محمود أبو السعود و كان وقتها طالباً بكلية التجارة و يجيد اللغة الإنجليزية كتابة و تحدثاً .


و كان مجرد عقد المؤتمر خطوة جديدة على طريق إسماع العالم مظالم أهل فلسطين التي طالما حاول الإنجليز – ومن ورائهم يهود العالم – أن يلقوا عليها ستاراً كثيفاُ يحجبها عن العالم .
وقد أصدرت الحكومة البريطانية في أعقاب هذا المؤتمر ما يسمى الكتاب الأبيض و أهم ما في هذا الكتاب أنه وضع حداً لهجرة اليهود إلى فلسطين و كان ذلك في عام 1939 م.
إلى أنه في آخر إبريل 1946 م أصدرت لجنة التحقيق البريطانية الأمريكية تقريراً ينسف هذا الكتاب و سمحت لمائة ألف مهاجر يهودي بالهجرة إلى فلسطين و استمرار الإنتداب البريطاني و تعديل قانون بيع الأراضي و إشراف الحكومة البريطانية على الأماكن المقدسة .و جدير بالذكر أن لجنة التحقيق هذه طافت البلاد العربية متظاهرة أنها تبحث عن العدالة و قد حضرت إلى القاهرة في مارس 1946م و استمعت لجمع من الزعماء المصريين و من بينهم فضيلة الإمام البنا تقول جريدة المصري :
" و قد تكلم الجميع في حماس مخل ثم ساد الجلسة السكون عندما جاء دور الشيخ حسن البنا و قد ارتجل كلمة هادئة رزينة باللغة العربية جمعت بين قوة الحجة و سرعة البديهة و حضور النكتة ".

  7- هيئة الأمم المتحدة :-
وصلت قضية فلسطين إلى قاعات الأمم المتحدة ، و لم تكن الهيئة أرحم من غيرها بفلسطين و أهلها .
إذ فوجئ العالم العربي و الإسلامي بصدور قرار التقسيم في 29/11/1947 ويقضي القرار بتقسيم فلسطين إلى دولتين إحداهما عربية و الأخرى يهودية .
و قبل هذا التاريخ لم يكن لليهود وجود قانوني أو سلطوي بفلسطين و كان قرار التقسيم بمثابة زلزال هز كيان الأمة العربية التي سارعت و أعلنت رفضها التام لقرار التقسيم و كان للإخوان رد فعل عبروا فيه عن ضمير الأمة العربية و نبض الجماهير العربية و الإسلامية .
      و في الخامس عشر من ديسمبر 1947 أعد الإخوان مظاهرة – حق أن يطلق عليها مظاهرة مصر الكبرى _ اهتزت لها جنبات القاهرة ، و اشترك فيها الأزهر و الجامعة و تجمعت في ميدان الأوبرا حيث خطب في الجموع المحتشدة زعماء العرب و هم :
السيد / رياض الصلح (لبنان) ، الأمير فيصل بن عبد العزيز (السعودية)و الشيخ أبو العيون و صالح حرب باشا و القمص متياس الأنطوني و السيد إسماعيل الأزهري (سوداني) و الأستاذ المرشد العام الإمام حسن البنا و قال الإمام البنا:





"لبيك فلسطين .... دماؤنا فداء فلسطين و أرواحنا للعروبة ... يا زعماء العرب .. يا قادة الأمة العربية ...إنني أنادي الأمم المجاهدة الحجاز وسوريا و العراق و شرق الأردن و لبنان و أبناء وادي النيل و كل عربي يجري في عروقه دم العروبة الحر .
    أيها الزعماء .... أنتم القادة و هؤلاء الجنود ... قد وقفوا دماءهم لدفاعكم المقدس .... إن هذا الشباب ليس هازلاً و لكنهم جادون ... عاهدوا الله و عاهدوا الوطن على أن يموتوا من أجله .إنه و إن كان ينقصنا اليوم السلاح فسنستخلصه من أعدائنا و نقذف بهم في عرض البحر ... لقد تألبت الدنيا تريد أن تسلبنا حقنا ، و قد عاهدنا الله أن نموت كراماً أو نعيش كراماً ....
      إنني أعلن من فوق هذا المنبر أن الإخوان المسلمين قد تبرعوا بدماء عشرة آلاف متطوع للاستشهاد في سبيل فلسطين و هم على استعداد لتلبية ندائكم."
  وما إن سمع الإخوان بذلك حتى سارعوا من أنحاء البلاد إلى التطوع من أول يوم فتح الإمام البنا فيه باب التطوع.
و استعد الإخوان و انخرطوا في معسكرات في التدريب و هم يرتلون آيات الجهاد و يتمنون الاستشهاد على رُبى الأقصى المبارك .
   8- و مضت الأيام سريعة حتى جاء موعد انتهاء الانتداب البريطاني على أرض فلسطين و مع نهاية يوم 14 مايو 1948 م انتهى الانتداب و في الخيوط  الأولى ليوم 15 مايو 1948 م أعلن اليهود عن قيام دولة إسرائيل و اعترفت بها الولايات المتحدة الأمريكية و يعدها بخمس دقائق اعترفت بها دولة الإتحاد السوفيتي و توالى اعتراف الدول الغربية المستعمرة بالدولة اللقيطة المزعومة .
      و دخلت الجيوش العربية من شرق و غرب و جنوب فلسطين لتعيد الأمر إلى نصابه وقبلها كان الإخوان المسلمون  قد دخلوا فلسطين من شمالها و جنوبها دخلت كتائب الإخوان المصرية و بعدها كتائب الإخوان السورية .
  - وجدير بالذكر أن الإمام الشهيد توجه إلى فلسطين في شهر مارس 1948 م  قبل نشوب الحرب بشهرين تقريباً ، حيث وصل فضيلته  إلى العريش و كان في استقباله أعيان العريش ، و منها توجه إلى فلسطين و قد وصل إلى رفح و منها إلى خان يونس و استقبل استقبالاً حاراً ، و أبى أهلها إلا أن يؤدي صلاة الجمعة في مسجدها ، ثم توجه إلى مدينة غزة حيث تقابل مع قائد المنطقة ثم عاد إلى العريش .تفصيل ذلك أورده السيد الحاج عباس السيسى رحمة الله عليه فى كتابه فى قافلة الإخوان ج1 ص197
ومن الملاحظ أن الجيوش العربية دخلت فلسطين في منتصف مايو 1948  لم تكن مستعدة للحرب استعداداُ يكفل لها أداء مهمتها على الوجه المرجو

   9- وحدثت الاشتباكات و كان لكتائب الإخوان المسلمين بلاء عظيم شهد به الجميع.
و لم يسجل هذا التاريخ إلا رجل واحد عاصر الحرب من أول يوم حتى نهايتها و هو الأستاذ الجليل كامل الشريف (رحمه الله ) حيث سجل بطولات الإخوان و سير المعارك و الأحداث في كتابه الشهير " الإخوان المسلمون في حرب فلسطين "
 و خاض الإخوان ضد اليهود معارك عديدة حققوا فيها النصر بفضل الله تعالى و كانت أول المعارك " كفار ديروم" في 14 إبريل 1948 م و هي إحدى المستعمرات اليهودية المحصنة . و معارك كثيرة و بطولات خارقة و شهادات صادقة كلها تؤكد أن الشعار الذي رفعه الإمام البنا " الجهاد سبيلنا و الموت في سبيل الله أسمى أمانينا " وهتف به في الأخوان لم يكن مجرد كلمات بل كان روحاً سرت في عروق و أوصال الإخوان فعاهدوا الله على الجهاد و تمنوا الشهادة في سبيله بصدق ، فصدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا.
و أعلنت الهدنة الأولي و الثانية و في كل مرة يضرب اليهود بالهدنة عرض الحائط حين يتمكنوا من إدخال أسلحة جديدة .
و كان للإخوان موقف مشرف في استرداد العسلوج و انتزاعها من أنياب اليهود بعد أن استغاثت القيادة العامة للجيش المصري بقيادة كتائب الإخوان فتقدموا و حرروا العسلوج.
و تكرر الوضع في" تبة اليمن" ثم في موقع آخر جنوب دير البلح يعرف باسم " التبة 86" و التي سميت بعد ذلك بعد تحريرها على أيدي كتائب الإخوان باسم
 " تبة الإخوان المسلمين "
     و يذكر أن الإمام حسن البنا ألقى كلمة في الإذاعة المصرية مساء يوم الخميس 11/6/1948م نيابة عن هيئة وادي النيل لإنقاذ فلسطين جاء في أخرها :
" يا أيها المستمعون الكرام .......
  القصة لم تنته بعد ، و الرواية لم تتم فصولها ، ولا ندري ما يأتي بعد غد ، فيا أيها الشعوب العربية : لا تدعي اليقظة .... و يا أيتها الحكومات كوني على حذر
 " فلا تهنوا و تدعوا إلى السلم و أنتم الأعلون و الله معكم و لن يتركم أعمالكم "  .

    10- و بينما كتائب الإخوان تؤدي دورها الجهادي البطولي في فلسطين و تلقن عصابات اليهود دروساً في البطولة و الفداء و إذ بقوى البغي و التآمر تتحالف مع بعضها و تبرم أمراً بل مؤامرة للتخلص من هذا الكابوس المزعج " الإخوان المسلمون" فيجتمع ممثلو دول بريطانيا العظمى و فرنسا و الولايات المتحدة في منطقة فايد على البحيرات المرة بالإسماعيلية و ذلك في 10/11/1948م و يتفقوا على حل جماعة " الإخوان المسلمون "

 و في يوم 20/11/1948م اجتمع سفراء الدول الثلاث و أرسلوا مذكرة إلى النقراشي باشا رئيس الحكومة المصرية يطلبون منه ضرورة حل  الإخوان المسلمون بحجة خطرها على أرواح الأجانب و إلا احتلوا القاهرة
وفي يوم 8/12/1948م صدر قرار حل الجماعة و تم القبض على الآلاف من الإخوان و اعتقلوا في معتقل الطور في الصحراء الشرقية ، ومعتقل الهايكستب في ألماظة و معتقل العامرية بالإسكندرية و معتقل أبو قير بالإسكندرية .
  وتم القبض على المجاهدين في فلسطين و قيدوا الأغلال و سيقوا إلى المعتقلات و كان باستطاعة المجاهدين الإخوان أن يجعلوها حرباً أهلية حيث السلاح في أيديهم لكنهم التزموا بالخلق الإسلامي الأصيل الذي تربوا عليه في مدرسة الإخوان و كانت هذه صفحة طوت الحديث حول فلسطين بصورة مؤقتة .
نعود فنقول أن الإمام الشهيد حسن البنا عليه الرحمة والرضوان دفع ثمن الدفاع عن فلسطين من حريته و حرية الآلاف من الإخوان ، دفع ثمن ذلك دمه ودماء شهداء الإخوان.
كما أن فلسطين أظهرت قوة الإخوان للعالم ألا أنها جرت على الإخوان كثيراً من المحن ومن ثم انطلقت أجهزة الإعلام اليهودية الغربية تستدعي الغرب كله على الإخوان وشخص الإمام البنا بصفة خاصة ، حتى وصل الأمر إلى الحل ثم الشهادة .  

   وفى مثل هذا اليوم 12/فبراير/1949م انطلقت ست رصاصات لتستقر فى جسد الإمام البنا ليشهد العالم نتيجة التحالف الدنس بين الدول الغربية (امريكا – بريطانيا – فرنسا ) وحكومة الملك فاروق التى اغتالت الإمام البنا غدراً من أجل التخلص منه ومن دعوته وأنصاره ارضاءاً للغرب وتمكينا لبنى صهيون حتى تعيش دولتهم المغروسة فى قلب العالم العربى والإسلامى .
  فى مثل هذا اليوم صعدت روح إمامنا الشهيد لبارئها وارتقت إلى الفردوس الأعلى لتزف الى الحور العين
  (من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً ) صدق الله العظيم
  تأتى ذكرى استشهاد الإمام البنا هذا العام والأمة الإسلامية تعيش أيام نصر وعزة ,
وقد مكن الله تعالى رجال المقاومة الإسلامية من دحر العدوان الصهيونى على غزة الصامدة وتأكد للجميع أن المقاومة هى الحل وأن طريق التحرير الكامل لكل فلسطين يتم عبر التضحيات تحت لواءالحق .