الخميس، 28 يونيو 2018

في الطريق إلى الحرب - د. رياض عبدالكريم عواد

في الطريق إلى الحرب
د. رياض عبدالكريم عواد

لقد دأبت، منذ عهد ليس بالبعيد، على الكتابة تحت هذا العنوان، متابعا ما يصرح به مختلف الأطراف الفاعلة في هذا الشأن، خاصة ما تكتبه الصحف العبرية كأخبار او تحليلات لكتابها ومراسليها، بالاضافة الى ما يقوله قادة إسرائيل السياسيين والعسكريين.
لقد أدت هذه المتابعة إلى أن يتهمني احد أصدقاء الفيس بوك "بأنني أكتب ما أتمنى"، بالرغم من أنني مثل أي عاقل لا يمكن أن أكون من الذين يتمنون الحرب، بل انا أكرهها وأخافها، والأهم من ذلك فأنا لا أراها خيارا فاعلا ومفيدا لشعب محتل ضعيف، كالشعب الفلسطيني، يواجه أعتى ألة عسكرية، حديثة ومتقدمة، كما أنني من أنصار المقاومة الشعبية السلمية وضد عسكرة أي نضال شعبي، إضافة، وهذا هو الاهم، أن للحرب والسلام أسباب موضوعية ودوافع ذاتية، بعيدا عن الأمنيات والرغبات.
انني في ذلك أشبه المرحومة عمتي الوحيدة، نبيهه، التي كانت تكره الحرب وشر الناس، رغم انها كانت ترى أن قصف طائرات إسرائيل العسكرية أهون ألف مرة من شر الناس؟!.
وهنا لا بد أن نرجع لسؤالنا الاول، هل نحن في الطريق الى الحرب، وماهي الاسباب/دوافع مختلف الأطراف للقيام بهذه الحرب أو العزوف عن ذلك وتفضيل الخيارات الأخرى على خيار الحرب ؟
لقد دأبت إسرائيل بشن حروب متوالية على قطاع غزة، كل عدد من السنوات، حيث شنت أربعة حروب في الفترة ما بين 2008 إلى 2014. ان هدف إسرائيل من هذه الحروب كان وما يزال، كما يقول وزير الجيش، افيغدور ليبرمان: "أن إسرائيل يجب أن تضرب حماس، مرة كل بضع سنوات، كي لا ترفع رأسها".
لقد كان واحدا من الانجازات العسكرية التي حققها الجيش الإسرائيلي، كما يقول الون بن دافيد في صحيفة معاريف، خلال حملة الجرف الصامد على غزة، صيف العام 2014، أنها جلبت ثلاث سنوات ونصف السنة من الهدوء في غلاف غزة. لقد كانت إسرائيل تقصف وتقتل دون أن يكون هناك رد عسكري من الفصائل العسكرية الفلسطينية.
منذ أسابيع قليلة، غيرت حماس والفصائل الاخرى هذه المعادلة، واتخذت قرارا بالرد، المحسوب والمحدد، مستخدمة قذائف الهاون وبعض الصواريخ محدودة التأثير، على كل هجوم اسرائيلي. ان هذه المعادلة الجديدة، او كما يسمونها قواعد الاشتباك الجديدة، ليس من السهل ضبطها والمحافظة عليها، وقد تكون هي السبب المباشر نحو مواجهة جديدة، أسوة بالحروب الأربعة السابقة.
يرى العديد من المراقبين الاسرائيليين أن "حماس في طريق مسدود" بعد عشرات القتلى وآلاف الجرحى الذين سقطوا في ما يسمى مسيرات العودة على السلك الفاصل، دون ان تستطيع تحقيق أي انجازات سياسية واضحة، أو تقدم إجابات مقنعة لجمهورها، فالمصالحة مع السلطة الفلسطينية قد فشلت، والهدنة مع "إسرائيل" لم تفلح، والدعم القطري ضعيف وقد تخسره، إن حاولت أن تخرج من تحت الوصاية القطرية، والتعاون مع مصر غير واضح ولا مضمون، والحصار مازال جاثما على الصدور.
لقد قررت اسرائيل توسيع استهدافها لحركة حماس ردًا على الأضرار الناجمة عن الطائرات الورقية، التي ترى فيها، كما تصرح وزيرة القضاء أيليت شاكيد: الطائرة الورقية الحارقة تشبه تماما القنبلة أو الصاروخ...... وإذا لم نستجب بالقوة فسوف تتدهور الأمور أكثر. ان هذه القوة، التي تطالب بها الوزيرة، وصلت إلى ان تقصف اسرائيل مركبات النشطاء، وتوجه قذائف تحذيرية لبعضهم. وهنا يتساءل الخبير في الشأن الاسرائيلي، د. صالح النعامي "هل عوائد الطائرات الورقية المشتعلة تسوغ توفير بيئة لاندلاع مواجهة شاملة مع الاحتلال، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل تم إطلاق مسيرات العودة من أجل أن تنتهي بتوفير بيئة تسمح باندلاع مواجهة كبرى، وهل البيئة الداخلية والإقليمية والدولية تحسن مكانة الفلسطينيين في المواجهة؟". وهنا لابد من اعادة السؤال مرة بل مرات: هل سيكون نتيجة ما يسمى بمسيرات العودة وبالوناتها الحارقة الحرب بدلا من العودة وتخفيف الحصار؟ وهل سيكون هذا أحد الإنجازات الحقيقية ام الموهومة لمسيرات السلك؟
ان د. صالح النعامي يرى، رغم أن إسرائيل تدرك أنه لا يوجد لديها أهداف استراتيجية يمكن تحقيقها من المواجهة، الا أن مواجهة واسعة جديدة بين المقاومة في قطاع غزة و"إسرائيل" على الأبواب ما لم تتدخل أطراف إقليمية أو دولية لتطويق التصعيد الحاصل بينهما.
يرى المحلل العسكري الإسرائيلي الشهير رون بن يشاي إن الجيش الاسرائيلي يعتقد بأن المواجهة مع قطاع غزة وصلت إلى مفترق طرق. لذلك يستعد هذا الجيش لسيناريوهات متطرفة قد توصل الأمور إلى "الحسم العسكري وبالتالي البدء بمواجهة عسكرية واسعة النطاق يخطط الجيش خلالها لتوجيه ضربة عسكرية عنيفة لحركتي حماس والجهاد الإسلامي وبأقل مدة ممكنة".
وحول أهداف أي عملية عسكرية مقبلة، قال بن يشاي إن "الأهداف تتمثل في الوصول لحسم كامل للمعركة لصالح الجيش وبالسرعة الممكنة، ما يجبر حماس ومن يدور في فلكها لطلب وقف إطلاق النار.
كما يتمثل الهدف كذلك في توجيه ضربة جوية شاملة في بداية المعركة وبعدها الدخول في مواجهة برية وفصل أجزاء القطاع عن بعضها وسيطرة الجيش على مواقع مفصلية لمنع الإمداد، كما يطمح الجيش إلى منع حماس والفصائل من الحصول على إنجاز معنوي للرأي العام، بالإضافة إلى عدم تعليق "إسرائيل" في حبال وسيط ليس معني في إنهاء الحرب.
ويؤكد الجنرال غادي أيزنكوت أنه مقتنع بأنهم: سيستعيدون الأمن لسكان مستوطنات الجنوب مثل بقية البلاد، وأنهم سيحققون ذلك بحكمة وبتصميم في أقرب وقت ممكن. كما أظهر استطلاع للرأي أن: 87% يؤيدون شن الجيش الإسرائيلي عملية -عسكرية- في قطاع غزة لوقف الإرهاب في الجنوب؟. ويصف ميلادينوف، المبعوث الاممي المنطقة، الحرب المقبلة على غزة أنها ستكون اكثر فتكا وقسوة من حرب 2014.
يدور في المنطقة أحاديث كثيرة عن ما يسمى صفقة القرن التي تواجه برفض فلسطيني حازم وتأييد عربي، حتى اللحظة، لهذا الموقف الفلسطيني، في ظل فشل الزيارة الاخيرة للمبعوث الأمريكي كوشنر إلى المنطقة. السؤال الذي يطرح نفسه، هل تكون الحرب هي إحدى وسائل تنفيذ هذه الصفقة، واجبار الفلسطينيين على القبول بها. رئيس اركان الحرب الاسرائيلي، غادي ايزينكوت، يقول "الوضع مع غزة متفجر للغاية"، والحديث يتزايد عن "جرف صامد 2"، وحرب شاملة، حتما سيعقبها مؤتمر سلام "مدريد 2"، والاعلان عن صفقة القرن.
علي الصعيد الاخر مالذي ستكسبه اسرائيل استراتيجيا من هذه الحرب، هل اسرائيل على استعداد لاعادة احتلال قطاع غزة وتحمل تكلفة ذلك امنيا واقتصاديا؟، هل من السهل على اسرائيل ان تفقد ورقة حماس واستمرار الانقسام الفلسطيني؟، الذي يعتبر اهم خسارة استراتيجية للفلسطينيين، ومربح صافي ومجاني للاسرائيليين، وذريعة لهروبهم من استحقاقات السلام ومواجهة الشرعية الدولية.
يجمع العديد من المحللين السياسيين الاسرائيليين انه "لا يوجد سبب يجعلنا نخاف من غزة وسكانها البائسين، فهم لن يهزمونا، لن يحتلونا، وكل مواجهة ستؤلمهم أيضا. ولكن ما الذي سنكسبه من مثل هذه المواجهة"؟
أليس الافضل لإسرائيل أن تتعاطى مع الأصوات التي تؤيد التعامل الانساني مع قضايا قطاع غزة بعيدا عن المشاكل السياسية والهم الوطني. ان عدد من المحسوبين على حماس لا يخفون هذا التوجه بل ينصحون كما يقول د. صالح النعامي "باعطاء فرصة لاختبار التحركات الدولية بشأن غزة"؟!.
أن كلا الاحتمالين، الحرب والسلام، واردين. ان الطريق السهل والقصير لحماية قطاع غزة من مخططات إسرائيل، ومن تداعيات صفقة القرن، ومن حرب مدمرة جديدة هو في الوحدة الوطنية، والرجوع الفوري لحضن النظام السياسي الفلسطيني، والكف عن الأوهام بإمكانية إيجاد حل مقبول لقطاع غزة ومشاكله المتراكمة بعيدا عن الحل الوطني، أو الوهم بإمكانية قيام دولة غزة الممتدة أو غير الممتدة.
ان مواجهة صفقة القرن فلسطينيا، ومنع قيام حرب جديدة على غزة، هي حاجة وطنية ملحة، تستوجب الوعي بأهمية وضرورة الوحدة، بعيدا عن الفهلوة والمناكفة.

الثلاثاء، 26 يونيو 2018

ملاحظات على مقال غازي حمد "مسيرة العودة جرد حساب في سياق العمل الوطني" د.رياض عبدالكريم عواد

ملاحظات على مقال غازي حمد "مسيرة العودة جرد حساب في سياق العمل الوطني"
د.رياض عبدالكريم عواد
1. سلمية المسيرة
يقول د. غازي حمد "ما دامت المسيرة رفعت شعارها (السلمي) كان لا بد من العمل على تقليص الضحايا إلى الحد الأدنى، خاصة وأن الاحتلال لن يتورع عن قمع التظاهرة بقوة السلاح".
هذا كلام دقيق يبين إلى أي مدى استهترت القوى المسؤولة عن هذه المسيرات بأرواح المشاركين دون أن توفر لهم الأحد الأدنى اللازم لحمايتهم من بطش قوات الذبح الاسرائيلي، بالرغم من ان العديد من الأصوات كانت تطالب بتوفير هذه الشروط وتحذر من خطورة الاقتراب من السلك الفاصل.

2. الأهداف الوهمية والأهداف الحقيقية
يؤكد دكتور غازي حمد على ضرورة التفريق بين الأهداف (الوهمية) المعنوية وبين الأهداف الحقيقية الملموسة حتى لا نقع ضحية الأوهام أو دغدغة العواطف.
ويضيف الدكتور غازي، "نحن أتخمنا من الإنجازات المعنوية، والشعارات الكبيرة، وبالتالي أصبح البعض -الذي يتهرب من إثبات وجود منجزات حقيقية – يلجأ إلى التمويه والاستعراض والاتكاء على منجزات معنوية".
ويضيف، شعبنا لا يحتاج أن نذكره بحق العودة- على أهمية ذلك- لأنه متأصل في جيناته،
ولا أن نقنعه بأننا نجحنا في وضع القضية على جدول المجتمع الدولي، أما أن نفرح ونصفق بأن تصريحا خرج من هنا أو هناك، أو أن مقالا كتب في نيويورك تايمز أو اللوموند، أو (نعوم على شبر) لتصريح مسؤول إسرائيلي، وحينها نظن أن العالم تغير، وأن الموازين انقلبت لصالحنا، فهذا ضرب من الوهم الذي يجب أن نتخلص منه ونطلقه بالثلاثة.
ويستنتج، انه لا يستقيم -بعد كل هذه التضحيات -أن نقنع أنفسنا بهذه الأهداف المعنوية أو أننا قطعنا شوطا كبيرا على طريق الأهداف الكبيرة.
اعتقد انه كان من الواضح ان القائمين على هذه المسيرات استخدموها لالهاء الشعب عن السبب الحقيقي للمشاكل والصعوبات التي يعيشها هذا الشعب وعلى رأس ذلك الانقلاب الذي أنتج هذا الانقسام الطويل والبغيض.
وهنا يؤكد الدكتور غازي حمد على أهمية الوحدة الوطنية كحاضنة لأي نضال فلسطيني فيقول: "بغض النظر عن النظرة السوداوية للمصالحة ومآلاتها، فانه يمكن الجزم بأنه لا يمكن لشيء أن ينجح ما لم يقم على قاعدة الوحدة الوطنية".
من الواضح أن الدكتور غازي نسي شيئا اخرا مهما، أن المروجين لهذه الانتصارات المزعومة والموهومة يفعلون ذلك عن قصد واضح من أجل الهاء الناس من ناحية، واستجابة للممول القطري ومنظريه الذين يعملون على النفخ المتكرر المقصود لبعض الاحداث والشخصيات.
3. الخيارات الاحادية ..قاتلة 
ينتقد الدكتور غازي قفز الفصائل غير المفهوم وغير المبرر في تحديد وسائلها وفي الانتقال من استخدام وسيلة الى اخرى دون مبررات واضحة، فيقول: "إن الانتقال/القفز السريع من خيار الانتفاضة ثم إلى خيار الحرب ثم إلى خيار المقاومة السلمية، وكل خيار منفصل عن الآخر لا يحقق حالة من الانسجام والتكامل بين مختلف الخيارات".
وهنا يدعو دكتور غازي إلى استخدام وسائل متعددة تسند بعضها البعض.
ان هذا الطرح الذي يدعو له دكتور غازي حمد والمتمثل بإسناد النضال الشعبي بأعمال عسكرية، كما يفهم من من استخدام وسائل متعددة، يمثل خطرا كبيرا على المشاركين في هذا النضال السلمي، ويعرضهم إلى مزيد من القتل والبطش، كما أن ذلك يبين اننا مازلنا بعيدين عن مفاهيم النضال السلمي، واننا لم نؤمن بعد بهذا الطريق وهذه الوسيلة ايمانا كاملا.
نعم ان النضال السلمي من اجل عودة اللاجئين يجب ان يتوسع في مساحاته الجغرافية ليشمل كل أماكن تواجد اللاجئين الفلسطينيين، كذلك يجب أن يكون إحدى اهم استراتيجيات الكل الوطني، يحظى باجماع مختلف مكونات الشعب الفلسطيني، لكن يجب أن يكون واضحا أن الدعوة إلى تزاوج النضال السلمي مع العمل العسكري هي دعوة خطيرة وضارة ومرفوضة.
ويختم الدكتور غازي، لقد ادت افعال القوى المسيطرة على هذه المسيرة الى ان يتعاطى المجتمع الدولي معها كجانب إنساني محض وتناسى أن الأزمة في غزة سياسية وليست إنسانية فقط.
4. الأهداف تأتي بعد العمل!!
لقد أصبح واضحا للجميع أن الهدف الحقيقي لهذه المسيرات لم يكن العودة، وأن الهدف قد تدحرج من المطالبة بكسر الحصار إلى تخفيف الحصار ومن ثم تقلص إلى مجرد المطالبة بفتح المعبر ولو شكليا، رغم أن المسافرين مازلوا يحتاجون إلى تنسيق مسبق والى دفع آلاف الدولارات إلى جهات غير واضحة المعالم.
ان الهدف الحقيقي لما يسمى مسيرات العودة وفك الحصار كما تؤكد عليه حماس في بيان لها، حيث تصف قرار الحركة والفصائل بالقرار الصائب "صوابية قرار الحركة والفصائل في تنظيم مسيرات العودة وكسر الحصار وتوجيه حالة الغضب الداخلي والاحتقان والضغط في وجه العدو الذي يحاصر شعبنا ويقتل أطفالنا."
إذن الهدف هو تفريغ الكبت الداخلي في وجه العدو !، بدون أي اعتبار لحجم الدم والألم والضحايا ؟
لقد كان هذا واضحا لنا وضوح الشمس، وقد حذرنا منه الفصائل المشاركة قبل وقوعه، فهل يتعلم الجميع الدرس؟
هذه ليس طريقا للعودة ،هذه طريق لحرف أنظار الشعب عن قضاياه ومشاكله الحقيقية.
 "مسيرة العودة جردة حساب في سياق العمل الوطني"  صحيفة دنيا الوطن في 2018-06-19

الأربعاء، 20 يونيو 2018

كيف وصلنا الى اقامة السلطة الفلسطينية (اتفاق اسلو)؟ - غسان فوزي

كيف وصلنا الى اقامة السلطة الفلسطينية (اتفاق اسلو)؟  
وكيف يمكننا تحقيق اهدافنا الوطنية؟ 
غسان فوزي
الحلقة الاولى:
*حقق الرئيس ياسر عرفات نبوءته بالعودة الى فلسطين، تلك التي اطلقها بعد احتلال اسرائيل بيروت وتدمير بنية منظمة التحرير العسكرية والمدنية. تم تحقيق العودة للقيادة والقوات والمؤسسات الفلسطينية الى فلسطين مترافقا مع انسحابات اسرائيلية عسكرية جزئية من غزة والضفة الغربية. ثم تواصلت الانسحابات الاسرئيلية وتواصل تثبيت مؤسسات سلطة فلسطينية تهدف الى تحقيق دولة مستقلة في المناطق الفلسطينية المحتلة في حزيران 1967.


تحقيق العودة والانسحاب تم انجازه وكان ممكنا، فقط وفقط على أساس رصيد 27 عاما من النضال الفلسطيني الحديث امتد من فجر اول يوم في سنة 1965 الى يوم توقيع اتفاق اوسلو في اخر سنة 1993. فلم تكن اسرائيل وامريكا لتعترف باي حق سياسي للشعب الفلسطيني بدون النضال العسكري والسياسي والثقافي والاعلامي والدبلوماسي الفلسطيني الذي اطلقه توافق الثورة المسلحة مع مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية التي تم انشائها بفضل بيئة عربية مساندة.

لكن انجازات العودة وما رافقها من انسحابات عسكرية ومدنية اسرائيلية، قد تم في ظروف تراجع البيئة السياسية الحاضنة للثورة الفلسطينية. كانت مصر تحت نظام السادات قد عقدت اتفاقيات السلام مع اسرائيل، وكان النظام السوري يرواح في المكان مستلهمات سياسة كسر التوازن الاستراتيجي مع اسرائيل. ولكن هذا التوازن اصبح شبه مستحيل مع تفكك الاتحاد السوفياتي والكتلة الاشتراكية الشرقية، وتراجع دور كتلة دول عدم الانحياز.

قد فتح السلام المصري الاسرائيلي امام اسرائيل امكانية احتلال لبنان وتدمير المنظمة سنة 1982، وكانت حرب العراق - ايران المدعومة مصريا وخليجيا تلقي باثارها المدمرة على المنطقة وتستنزف طاقات العراق وايران معا. وتلا تلك الحرب احتلال العراق تحت حكم الرئيس صدام حسين للكويت، وما تلاه من حروب ومن طرد مئات الالاف الفلسطينيين من الكويت ودول الخليج، مما كان يعني تدمير عمق آخر من أعماق الدعم للثورة الفلسطينية. وكانت التراجعات في جنوب اليمن وليبيا والصومال واثيوبيا تزيد الوضع سوءا وتزيد من تشتت الائتلاف العربي والاقليمي المؤيد للاستراتيجية الفلسطينية باقامة الدولة المستقلة على اي جزي يتم تحريره او تنسحب منه اسرائيل.

*لقد تمت العودة والانسحابات اذا في ظل ظروف التراجع الكبير للحاضنة العربية والاقليمية والعالمية وفي ظل تدمير كامل للبنية العسكرية والتنظيمية والثقافية لمنظمة التحرير وفصائلها في لبنان. وتلك مفارقة عظيمة ما زالت تلقي بظلالها السلبية على امكانيات التحرر الفلسطيني وما زالت تعيق تحقيق التقدم في اقامة السيادة الفلسطينية وتحقيق الانسحاب الاسرائيلي الكامل.

نقطة الضوء والقوة الوحيدة التي انطلقت في ظروف التراجع كانت الانتفاضة الوطنية الفلسطينية الشاملة 1987، والتي نمت وتغذت على تاريخ طويل من المقاومة الفلسطينية في المناطق المحتلة 1967، كانت فصائل منظمة التحرير ومؤسساتها شريكة دائمة في تصاعد ذلك النضال وصناعة ذلك التاريخ وفي انتصاره على البدائل السياسية الاسرائيلية التي هدفت شطب منظمة التحرير الفلسطينية وشطب استراتيجيتها في اقامة دولة مستقلة.

في ظل هذه الظروف مجتمعة قامت امريكا بفرض رؤيتها السياسية على المنطقة والعالم وتم عقد مؤتمر مدريد لمفاوضات السلام، الذي شاركت فيه سوريا ايضا، ولم تتمكن سوريا من فرض رؤيتها بجعل المفاوضات عربية موحدة مقابل اسرائيل. هكذا تم تكريس ميزان القوى العالمي الجديد وصارت منظمة التحرير الفلسطينية في مواجهة سياسية مباشرة مع اسرائيل، اسرائيل المستفيدة من الوضع العالمي الجديد وتفرد الادارة الامريكية على الساحة الدولية.

*هذه هي شروط وظروف العودة والانسحابات الاسرائيلية، وشروط وظروف الاعتراف المتبادل بين اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. وقد عرفنا هذه التطورات باسم (اتفاق اوسلو). كان اتفاق اوسلو نتيجة حتمية للتدمير الذي لحق بالقوة الفلسطينية الثورية، ونتيجة للتراجعات في صمود الحاضنات العرببية والاقليمية والدولية للثورة الفلسطينية. لم يكن (اتفاق اوسلو) اذا خيارا مزاجيا على قائمة مطعم مدريدي فاخر يمكن استبداله بوجبة اخرى اكثر دسما واكثر فائدة لصحة الشعب الفلسطيني.

*كنت من بين منتقدي (اتفاق اوسلو) وبنوده وطريقة توقيعه، وكنت مع فئات واسعة تظاهرت ضد الاتفاق في فلسطين والخارج. لكن الاحداث على الارض كانت مستمرة ولم يعد من العقلانية في شيء التوقف عند بنود الاتفاق والاستمرار في تكريس القوى للحديث عنها واصدار المزيد من البيانات في ادانتها وادانة الاتفاق. لم يكن عقلانيا ولا مجديا الاستمرار في سياسة معارضة شبيهة بتلك السياسة المستمرة في معارضة قرارات كثيرة واتفاقيات كثيرة تمت بشأن القضية الفلسطينية ومن اشهرها قرار الوحدة/التقسيم الذي اعتمدته الامم المتحدة سنة 1947.

لم يكن (اتفاق اوسلو) بدون ايجابيات هامة، وقد ذكرت منها العودة والاعتراف الاسرائيلي والانسحابات الاسرائيلية، وانفراج الوضع الدولي الاوروبي خصوصا حول منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت مدرجة في قائمة منظمات الارهاب، مما يعني عدم الاعتراف بشرعيتها وبكونها ممثل لطموح شعب في الاستقلال.

واضيف على ايجابيات (اتفاق اوسلو) انه حقق للفلسطينيين تحت المواطنة الاسرائيلية مكسبا تاريخيا مزدوجا. يتمثل الاول في تحقيق شرعية الانتماء الفلسطيني علنا بما في ذلك رفع العلم الفلسطيني في اطار حدود دولة اسرائيل. ويتمثل المكسب الثاني بتحقيق الثبات في الوطن للفلسطينيين تحت المواطنة الاسرائيلية وحرية تواصلهم مع مشروع الدولة الفلسطينية. وقد راينا اثر تلك الماكسب في سياسة الحكومات الاسرائيلية الجديدة تجاه حقوق الفلسطينين في اسرائيل وتجاه تطوير بلداتهم ودورهم في النظام الاسرائيلي.

بناء على المكسب الاول فقد عدت مع رفيقي ابو سلامة رافعين العلم الفلسطيني على سيارته على طول الطريق من مسرح الحكواتي في القدس حيث كانت الاحتفالات باطلاق سراح الالاف السجناء عشية التوقيع على (اتفاق اوسلو) الى مدينة ام الفحم. كان العلم الفلسطيني يرفرف وتصادفنا قوات الجيش الاسرائيلي والشرطة الاسرائيلية وكانها مصابة بالذهول ازاء هذه المبادرة الابداعية المستفيدة من اجواء (اتفاق اوسلو).

*لم يكن (اتفاق اوسلو) مجرد خطأ او سلبيات في بنود اتفاقية يمكن تعديلها، وانما واقع تراجع عسكري وسياسي ودبلوماسي محيط بالوضع الفلسطيني كله. ولهذا السبب فقد اصبح عبثيا ادارة السياسية الوطنية المعارضة تحت شعار اسقاط (اتفاق اوسلو). لقد اصبحت المهمة المباشرة امام كل وطني فلسيطين هي مهمة العمل من اجل تثبيت كل الايجابيات التي شملها (اتفاق اوسلو) وتقليص كل السلبيات التي شملها الاتفاق.

ولقد كان الرئيس عرفات والموقعون على اتفاق اوسلو اول العاملين على تجاوز شروط (اتفاق اوسلو). فقد خلقت عود القيادة وبعض القوات الفلسطينية المترافقة مع انسحابات اسرائيلية، اجواء جديدة من التماسك الفلسطيني، ومن اللقاء المباشر بين كل تنظيمات العمل الفلسطيني على مستوى القيادات العليا. هذه الحيوية الفلسطينية الجديدة تسميها اسرائيل "خرق اتفاق اوسلو" وما زالت حكومة نتانياهو تحارب منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية والحكومة والدولة الفلسطينية وكل المؤسسات الفلسطينية السيادية، تحت شعار انها تقوم بالاخلال باتفاق اوسلو وكل اجواء التصالح والسلام.

*لقد تواصلت عملية البناء الفلسطيني في ارض الوطن رغم كل العدوانيات الاسرائيلية ووصلت الى مرحلة انتخاب مجلس تشريعي موسع، والى اجراء انتخابات دمقراطية نزيهة والى تحقيق عملية سياسية فريدة هي تطور البنية المؤسساستية التي تمت بناء على (تفاق اوسلو) الى درجة استقبال ومشاركة معارضي الاتفاق، بل والى مشاركتهم وفوزهم في الانتخابات وتسلم اسماعيل هنية ممثل حركة حماس رئاسة الحكومة الفلسطينية. اتوقف هنا وساكمل استعراض التطورات عموما وفي الداخل الفلسطيني تحت المواطنة الاسرئيلية .

Ghassan Fawzi
غسان فوزي، مناضل فلسطيني من أم الفحم

السبت، 16 يونيو 2018

السلطة الراتب وثوار دوار المنارة، كلمة حق - د. رياض عبدالكريم عواد

 السلطة الراتب وثوار دوار المنارة، كلمة حق
د. رياض عبدالكريم عواد
تأخرت عن كتابة هذا المقال بسب انشغال الناس بالتهنئة بعيد الفطر، الذي نرجو أن يكون سعيدا على شعبنا الصابر المناضل وسلطتنا الوطنية، خيمتنا الأخيرة، التي تتعرض لحملة ضغوط واسعة، وتحملت ما لطاقة دول عربية أن تتحمله، كما يقول حسن البطل، ومن أطراف قد تبدو متناقضة، كما نرجو ان يكون سعيدا على رئيسنا محمود عباس ابو مازن، الصابر والقابض على الجمر في زمن العهر والكذب.
لقد أخطأت السلطة الوطنية واخطأ من أعطى الأوامر لقوى الأمن الفلسطينية للتصدي لمظاهرة دوار المنارة. كان يجب أن تنظر السلطة لهذه المظاهرة على انها شكل من أشكال التعبير عن وحدة الشعب الفلسطيني، بغض النظر عن الانقسام الجغرافي الذي يعيق هذه الوحدة والأهداف الحقيقية للقائمين على هذه التظاهرات.
لا زلت أشعر بالفخر لانني شاركت، وانا طفل صغير في الثانية عشرة من عمري، في مظاهرة تأييدا لأهلنا في الضفة على أثر العدوان الإسرائيلي على قرية السموع في مدينة الخليل بتاريخ 13 نوفمبر 1966 والتي سقط فيها 3 شهداء وحوالي مائة جريح. لقد وصلت مسيرتنا إلي مقر الحاكم المصري لمدينة خانيونس الذي ألقى كلمة نارية بهذه المناسبة.
كان على السلطة الوطنية أن تنظر بهذه الطريقة للمشاركين من الشباب في هذه المسيرة، بغض النظر عن أهداف بعض المنظمين، التي قد تكون بعيدة عن هم الموظفين وهم غزة وأهلها.
ان طريقة تصدي أجهزة الأمن الفلسطينية لهذه المظاهرة الصغيرة، أضعفت السلطة ومناصريها، وحشرتهم في زاوية ضيقة، لا يعرفون ماذا يقولون، وأعطت مناهضي السلطة وأعدائها ورقة للمتاجرة بها واستخدامها في ترويج اهدافهم الحقيقية. يجب على السلطة وأجهزتها أن تتعلم هذا الدرس الهام.
من حق أبناء غزة، موظفي السلطة الوطنية، أن يصرخوا من الالم والقهر الذي يتعرضون له بسب اقتطاع نسبة كبيرة من مرتباتهم وتأخر هذه المرتبات، وهضم كثيرا من حقوقهم الوظيفية. لا يستطيع أحد، مهما كان مخلصا ومتفهما للسلطة وقرارتها، أن يطالب هؤلاء الموظفين بمزيد من الصبر أو محاولة تفهم أهداف ودوافع السلطة من هذه الإجراءات، التي هي بالتأكيد ليس المقصود بها لا موظفي غزة ولا اهلها. لا يستطيع الموظف أن يتفهم ذلك وهو ينظر لطفله تسيل ريالته على حبة أسكمو ثلج، صفراء او حمراء اللون، بنصف شيكل ينظر لها هذا الطفل بعين الحسرة، بينما اباه غير قادر أن يحقق له هذه الأمنية الصغيرة! اتركوا موظفي غزة في حالهم، لا تطالبوهم لا بالصبر ولا بالتفهم، ولا تطالبوهم أن يتعلموا من موظفي حكومة غزة الصبر والتحمل وطرق انصياع بعضهم للبيعة وجلهم للاوامر والتعليمات والدفاع عن الشرعية والمكتسبات كما يفهموها.
اتركوهم يصرخون وينتقدون ويطالبون بحقوقهم، لكن تمنوا عليهم امرين:
الأول، أن يثقوا بسلطتهم ويتأكدوا أن هذه الإجراءات ليست موجهة ضدهم، وأنها مؤقتة وأن حقوقهم لن تضيع وهي في ايدي امينة، ولهم في ذلك تجربة مع هذه السلطة في 2005 و 2006.
الثاني، الا يسمحوا لأي دجال ولكل حاو ومغتصب باستخدام الامهم وجوع أطفالهم لأهدافه الخبيثة، ليس من أجل أضعاف السلطة وتشويهها، بل من أجل ضربها والقضاء عليها.
من واجب ثوار دوار المنارة ومنظمي هذه المسيرات المتضامنة مع اهل غزة أن يعرفوا ويعلموا علم اليقين أن مشاكل ومصائب والبلاء الذي حط على غزة لم يكن جديدا ولا يمكن أن يؤرخ له فقط منذ تاريخ تأخير وتخفيض الرواتب. ان مأسي غزة بدأت من اللحظة الأولى للانقلاب، هذا هو يوم النكبة الفلسطينية الثالثة، هذا هو السبب الحقيقي لكل مأسي، ليس غزة وأهلها بل فلسطين وشعبها. هذا التاريخ والحدث الاسود هو الذي يجب أن تتوجه ضده المسيرات والأحزاب من أجل وقف كل حالة الانحدار الفلسطيني الذي سببها وما زال يسببها هذا الانقلاب الاسود.
على ثوار دوار المنارة أن يعلموا أن غزة تعاني من عدد هائل من المشاكل ليس أولها الفقر والبطالة وتلوث الماء والهواء، لقد ماتت غزة بفعل هذا الانقلاب، وتحولت إلى منطقة لا تصلح للحياة، ليس في عام 2020 كما تؤكد تقارير الأمم المتحدة، بل منذ اليوم بل منذ الامس.
سنُذكر ثوار دوار المنارة فقط بثلاثة من مشاكل غزة التي يجب أن يعلموها ويتضامنوا مع المتضررين من أصحابها.
موظفي سلطة غزة
يا سادة هناك 80 الف موظف تابعي لهذه السلطة يتقاضى اغلبهم ولمدة أكثر من عشر سنوات متواصلة ما بين 1000 إلى 1500 شيكل كل أكثر من 50 يوما.
هؤلاء أبناء الشعب الفلسطيني يعانون من الفقر والجوع والذل وينتظرون، في انصاف الليالي، بعض الكابونات التي "تزرق" خفية على بعضهم كإحدى عطايا الأمير ومكافأة لهم على صبرهم وإغلاق أفواههم، بل والإشادة بصمود ومقدرة حكومتهم على تدبيرها لهذه المرتبات المتواضعة، وتحميل مسؤولية قهرهم وفقرهم ليس لحكومتهم الرشيدة بل إلى عباس وحكومته العميلة.
الا يستحق هؤلاء الفلسطينيون من ثوار دوار المنارة وأحزاب اليسار الجديد المتحالف مع أحزاب الدين الجديد قليلا من التضامن وشيئا من المسيرات والييانات، لماذا صمتم كل هذه السنوات ولم تتضامنوا مع أهلكم وشعبكم. لماذا لم تصرخوا وانتم تشاهدون مقايضة الحكومة الرشيدة ارض الشعب بمدخرات الموظفين؟!
عمال غزة
هؤلاء الفقراء المظلومين المنسيين، تامر عليهم الجميع وتركهم الجميع يلوكون فقرهم وقلة حيلتهم وعدم مقدرتهم على التعبير أو الصراخ من أجل حقوقهم، فهم ضعفاء في استخدام وسائل السوشيال ميديا، لا يجيدون تصفيف الكلام كالموظفين مثلا، ولم يجدوا مثقفين أمينين وثوار وأحزاب يتبنون قضاياهم ويدافعون عن حقوقهم.
على ثوار دوار المنارة أن يعلموا جيدا أن احزابهم التي حرضتهم على التظاهر "تضامنا" مع موظفي السلطة الوطنية في غزة هي سبب نكبة عمال غزة. لقد خططت احزابكم ونفذت بدقة متناهية خطتها من اجل جر إسرائيل لإغلاق العمل داخلها في وجه عمال غزة. لقد كانت احزابكم لا يحلوا لها قصف معبر ايرز بقذائف الهاون السخيفة الا في يوم أن يفتح هذا المعبر في وجه العمال، بعد ايام من إغلاقه بسبب قذائف احزابكم الثورية. لقد نجحت هذه القصائل في جر إسرائيل لإغلاق العمل في وجه عمال غزة الذين تحولوا هم وأبنائهم إلى فقراء ينتظرون الكابونة البيضاء أو الصفراء، حسب عدد أفراد الأسرة، من الأونروا وال سي اتش اف، إحدى وكالات ال يو اس ايد الامريكية.
لقد أصبح هؤلاء العمال الفقراء، الذين يعدون بمئات الالاف، وأبنائهم هم المعين الذي لا ينضب للموت باسم الوطن والشهادة، يوجهونهم حيثما شاؤوا أو شاء الممول. سؤال لثوار الدوار، الا يستحق هؤلاء الفقراء المنكوبين باحزابكم شيئا من التضامن؟!
خريجي غزة
طبعا تعلمون أو لا تعلمون، رغم أن عددا كبيرا من ثوار دوار المنارة هم من الطلاب والشباب، أن هناك أكثر من مئتي الف خريج جامعة يلوكون فقرهم ويقضون نهارهم في النوم ويستيقضون في الليل، حتى لا يروا دموع آبائهم وأمهاتهم تتساقط حسرات عليهم، ويبحثون في طرف المخيم عن حائط مائل لكي يسندونه بظهورهم المحنية رغم فتوتهم وصغر اعمارهم.
أن للشباب في غزة ثلاث امنيات يتمنى كل واحد منهم أن يحقق إحداها.
الاولى أن يمن الله عليه بتقرير طبي حتى يستطيع أن يذهب إلى الضفة ليستقر ويعمل هناك. هل تصدقون أن هذه واحدة من أهم أمنيات شباب غزة أن يهاجروا إلى أراضي سلطة رام الله/دايتون كما تسموها، بودي أن أسأل هل من بينكم من يتمنى أن يهاجر ليعمل ويستقر في ارض غزة العزة ليعيش في كنف الحكومة الربانية بين الثوار الجدد والقدامى.
بودي أن أخبركم أن بعض شباب غزة يتعرض للموت يوميا من أجل أن يهرب من خلال السلك على الحدود مع إسرائيل لكي، اما أن ينفذ بجلده ويصل إلى الأرض الموعودة ويعمل متخفيا لشهور طويلة، أو حتى يعتقل من قبل الجيش الاسرائيلي ليصبح أسيرا محررا، بعد كم سنة، تصرف له سلطة رام الله العميلة مرتب اسير محرر.
بودي أن تعلموا أن بعض شباب غزة قد ابتلع ادوية ودخل العناية المركزة من أجل أن يتحول للعلاج في الضفة ليبقى هناك يعيش ويعمل. وهنا لا بد من تكرار السؤال، الا يستحق هؤلاء الشباب زملائكم أن تتضامنوا معهم، لماذا لم تلفت لهم احزابكم طيلة هذه السنوات الطويلة.
اما أمنية شباب غزة الثانية، وهذه الأمنية يشترط في من يتمناها أن يكون لولي أمره المقدرة على الدفع بالدولار الأخضر. فلكي تستطيع أن تسافر إلى تركيا كمدخل لركوب البحر والهجرة إلى بلاد الله الواسعة، انت بحاجة ان تعبر من معبر رفح الذي لا يسمح بالعبور الا لمن يدفع، للهو الخفي، ما بين 3 إلى 5 آلاف دولارا ينطح دولار. وقد تكون نهاية أمنيتك اما الموت غرقا أو العودة إلى غزة لتموت قهرا.
اما أغرب اماني بعض شباب غزة، وانا اسف لانني قد أطلت عليكم، كما أنني اعرف أن بعضا أو كثيرا منكم سيتهمني على الاقل بالمبالغة والتسحيج لسلطة رام الله، ان لم يتهمني بالردة والتخاذل والكفر. اتعرفون ما هذه الأمنية الغريبة. ان يمن الله عليه برصاصة تصيبه فتحوله إلى معاق فيحصل على مرتب جريح، وأيضا من سلطة رام الله. ارجو الا يصيبكم الإحباط ان علمتم أن هدف البعض من الاستشهاد أن تعيش عائلته في وضع افضل بعد موته من وضعهم ومعيشتهم في حياته، من لا يصدق فليسأل عن الشهيد بياع البرد الذي استشهد في مسيرات السلك برصاص جيش الذبح الاسرائيلي.
هذه بعض أمنيات شباب غزة، ما رأيكم، تيجو عندنا، في عندنا بحر ملوث بالخراء وكذب بواح وموت مجاني.
نحن لا نشك في طهارة ونوايا شباب دوار المنارة، لكننا نثق أن محركيهم لم تكن غزة ولا اهلها هي هدفهم بل السلطة ورئيسها. راجعوا الشعارات التي اطلقتموها. ما دخل مرتبات موظفي غزة "بارحل يا عباس". الذي يريد رحيل عباس هو ترامب ونتنياهو وليبرمان، هل هذا سر، انهم يقولون ذلك في العلن ويعملون من أجله على المكشوف.
أود أن أخبر ثوار دوار المنارة آخر خبر. اتعرفون أن بعض ابائكم عندما كانوا يريدون أن يصرحوا عن جنسيتهم الفلسطينية، كانوا يفعلون ذلك وشوشة خوفا ورعبا؟! شيئا اخر يجب أن تعرفوه، أنه لو قدر لهذه السلطة، اللي مش عجباكم أن تنهار، ستسلق ضهوركم كرابيج العرب كما سلقت وادمت ظهور اباءكم. من الواضح اننا مازلنا غير مؤهلين او جديرين بسلطة مستقلة او قد لا نستحق سلطة في الأصل.
لا يمكن أن نختم هذه المقالة دون أن نشير إلى أبناء السلطة، بصفة عامة وكوادرها واعلامييها بصفة خاصة، ونتساءل: لماذا لا تدافعون عن سلطتكم، لماذا لا تدافعون عنها بحرارة، لماذا تنافقون الاخرين حتى في دفاعكم، تحاولون أن تمسكوا العصا من النص، هذه سلطتكم، لحم كتافكم من خيرها، لا مستقبل لكم دونها، انهضوا....ارفعوا رؤوسكم...افتخروا بسلتطكم....افتخروا وانتم تدافعون عنها.
شكرا، ارجو ان تكون كلماتي للحق اقرب؟!

الأحد، 3 يونيو 2018

السلطة الوطنية بين الشيطنة والولولة والتشكيك - د. رياض عبدالكريم عواد


السلطة الوطنية بين الشيطنة والولولة والتشكيك 
د. رياض عبدالكريم عواد
يتجلى موقف العديد من الاطراف الفلسطينية المتناقضة خلال أي حراك نضالي او سياسي فلسطيني باحدى هاتين الطريقتين:
اولا، الولولة والتشكيك والتبشير بالهزيمة القادمة، التي ستقع لا محالة، ليس بسبب صعوبة الاوضاع وقوة المشروع الصهيوني وحجم التأييد الدولي من حوله، بل بسبب تآمر السلطة الوطنية على هذا النضال والعمل على افشاله ومنع اي تضامن شعبي معه!!!
ثانيا، التبشير بالتنازلات المجانية التي ستقدمها السلطة للطرف الاسرائيلي او الامريكي، هذه التنازلات، التي يحذرنا العديد منها منذ عشرات السنين، لو جمعناها لن نجد ارضا ولا شعبا ولا قضية نناضل من اجلها. طبعا لا ينفكون من تذكيرنا ان هدف هذه التنازلات هو استمرار بقاء السلطة الفلسطينية، التي لا لزوم اصلا لها ومن اجل استمرار ابو مازن متشبثا بكرسي الرئاسة؟!

تجلى هذان الموقفان بصورة واضحة خلال اضراب اسرى الكرامة وزيارة ترامب للمنطقة. حيث لم ينفك هؤلاء لحظة واحدة عن توقع الهزيمة لهذا الاضراب ، طبعا ليس بسب اجراءات العدو، ولكن بسبب مواقف السلطة المتخاذلة؟! كما انهم لم ينسوا ان يعيدوا على مسامعنا قائمة التنازلات التي سيقدمها الرئيس ابو مازن لترامب من اجل ان يقابله فقط!!. لكن عندما انتصر الاسرى بأمعائهم الخاوية وهزم الكف المخرز، احتفلوا بالنصر ونسوا ما كانوا يبشرون به من هزيمة حتمية لهذا النضال. وعندما انتهى لقاء الرئيس مع ترامب، لم نعد نسمع عن هذه التنازلات التي قدمها الرئيس.

هذه الولولة والتشكيك والشيطنة قد تكون مفهومة عندما تمارسها تنظيمات الاسلام السياسي لانها لا تخفي تناقضها مع كل المشروع الوطني، وتطرح نفسها بديلا جاهزا لهذا المشروع، كما انها على استعداد لاستخدام كل الوسائل، المشروعة وغير المشروعة، لتحقيق هدفها، دون اي مراعاة لمصالح الناس او رغباتهم.

يقوم بهذا الدور بعض الافراد والقوى السياسية والمراكز البحثية التي من المفترض فيها ان تكون امينة مع متطلبات البحث العلمي الذي يتطلب الموضوعية والعلمية والواقعية، ولكن للاسف نجد بعضهم يحيدون عن هذه الشروط، ويفضلون مصالحهم، التي قد تتطابق من قريب او بعيد مع مصالح الممولين، التي في كثير منها تتناقض مع مصالح شعبنا الوطنية.

كما قد يمارس بعض الغاضبين في الاطار الوطني هذه الولولة والتشكيك في حال المس ببعض مكتسباتهم التنظيمية او المالية؟! دون ان يعيروا ادنى اهمية للحظة السياسية، ويفرقوا بين المناكفات التنظيمية المزمنة وبين ضرورة انحيازهم السياسي لسلطتهم، التي حققوا من ورائها الكثير من المكاسب الوطنية والشخصية. إن بعض هؤلاء هم من اليائسين والمذعورين قلقا على مصالحهم الأنانية الضيقة وأوهامهم حول دورهم ومواقعهم القيادية.

ان من أخطر ما يرتكبه المولولون والمبشرون باليأس والهزيمة المحتومة هو إعفاء الأعداء التاريخيين للشعب الفلسطيني من جرائمهم وممارساتهم وضغوطهم ومؤامراتهم وحصارهم لسلطتنا الوطنية وأبناء شعبنا الصامد..وتركيز النيران كلها على م ت ف والسلطة وقيادتها ومطالبتها بتحقيق المعجزات أو الإستسلام وإخلاء الطريق لخطهم الإنهزامي المشؤوم.

ان التشكيك والولولة المتواصلة تهدف، بوعي او بدون وعي، الى الرفض والتشكيك بمنظمة التحرير الفلسطينية وقواها وفصائلها وبرنامج الاجماع الوطني الفلسطيني..برنامج الحرية والاستقلال...وهذا أيضا يعادل التشكيك في إرادة وتصميم وتضحيات أبناء شعبنا في الداخل والخارج. وصولا الى تعرية النضال الفلسطيني من حاضنته الوطنية، حتى يسهل الاستفراد بكل حلقة من حلقات هذا النضال وايقاع الهزيمة بها.

ان هذه الطريقة من النقد ومن التعامل مع الوضع الفلسطيني لن يكون ذو فائدة الا في تعميق الاحباط الذي اصاب شريحة واسعة من ابناء المجتمع، وتكثير جبهة المولولين والمشككين، الذين يبحثون عن استيراد قيادة جديدة لشعب اخر غير موجود في الواقع.

كما سيؤدي هذا النهج من الانتقاد الخاطئ الى تزييف وعي الاجيال الجديدة، ويدفعها للبحث عن التطرف، الذي ستجده بالتأكيد عند اصحاب الشعارات الكبيرة.

ان استمرار الولولة والتشكيك والتبشير بالهزائم، ليس هو الطريقة الصحيحة دائما لتقييم الوضع الفلسطيني وما يعتريه من صعوبات ومعضلات. لا شك اننا نعيش في ظرف صعب، اولا نتيجة قوة العدو وتحالفاته، هذا العدو المدعوم عالميا، والذي نفخر كشعب، اننا نواجهه وهو في أوج انتصاره كما قال الحكيم يوما. ان انهيار الوضع الدولي وفقدان الحليف الاشتراكي، بالاضافة الى تدمير الدول العربية الاساسية، والتهاء ما تبقى منها في مشاكلها المعقدة، كل هذا ادى الى ضعف الوضع الفلسطيني وأفقده كثيرا من مقومات قوته، ثانيا. هذا بالاضافة الى انعكاس ما قامت به حماس في ٢٠٠٧ واستيلائها على السلطة في غزة، وما ترتب عن ذلك من اضعاف للسلطة الوطنية، مما زاد الطين بلة كما يقولون، ثالثا.

ان كل هذا لا يعني، ولو للحظة، ان يتوقف المثقفون والسياسيون والتنظيمات ومراكز البحث عن تأدية دورهم الهام في النقد البناء للسلطة ومؤسساتها المنطلق من الحرص على مكتسبات الشعب الفلسطيني التي حققها عبر عقود من الكفاح ودفع ثمنها من أرواح ودماء أبنائه..وبين تحويل النقد الى معول هدم للتشكيك في قدرة الشعب الفلسطيني وفصائله المناضلة وسلطته الوطنية على الصمود والثبات وتحقيق المنجزات ومراكمة المكتسبات النضالية والمضي قدما لتحقيق هدف شعبنا المقدس في الحرية والاستقلال. ان من حق وواجب الكل الوطني مراقبة السلطة، ونقد مواقفها ومحاولة تصويبها وتطويرها، لكن طبعا دون شيطنتها وهزيمتها، وصولا الى تعرية الشعب الفلسطيني من حاضنته السياسية والاجتماعية، وتدمير اهم انجاز فلسطيني، وكأن هناك ثأر قديم بين هؤلاء السياسيين وهذه السلطة!!!

كما يجب ان تعمل السلطة الفلسطينية على تحسين ادائها، واختيار الشباب والمناضلين لتبوأ المناصب القيادية، واتباع سياسة اعلامية يقوم عليها كفاءات، تستطيع من خلالها تعبئة الشارع حول مشروعها الوطني. من الواضح انه رغم اتساع القاعدة الشعبية المستفيدة من السلطة والتي تتطابق مصالحها معها، الا ان عدد المدافعين عن هذه السلطة لا يتناسب مع حجم هذه المصالح وهذه الفائدة؟!.

اننا كشعب فلسطيني مستمرون في نضالنا الشعبي ومقاومتنا السلمية ضد الاحتلال الاسرائيلي، وما ينتج عنه من استيطان واسرى وتهويد للقدس وتدنيس للاقصى وجدار وحصار ومصادرة للاراضي والمياه والهواء ومن بناء للجدار وانشاء للطرق الالتفافية التي تخنق مدننا وقرانا.

ان استمرار السلطة الوطنية في ترسيخ وتعميق وقوة تواجدها على الارض، من خلال بناء المزيد من المؤسسات الوطنية، ودعم وجود وصمود الشعب على ارضه، يعتبر حاجة ضرورية موضوعية لاستمرار هذا النضال بمختلف اشكاله، وصولا لتحقيق اهدافنا في دحر الاحتلال البغيض واقامة الدولة المستقلة.

قراءة في مقال : "مفارقات مذهلة بين حدثين يفصل بينهما أسبوعان فقط" - د. رياض عبدالكريم عواد

قراءة في مقال :

"مفارقات مذهلة بين حدثين يفصل بينهما أسبوعان فقط"

د. رياض عبدالكريم عواد
لاحظ الكاتب الفلسطيني، ابن حيفا والمستشار السابق للرئيس ياسر عرفات والكاتب السياسي السابق في مجلة شؤون فلسطينية، مجلة مركز الأبحاث ل م ت ف،   الأستاذ عماد شقور لاحظ بدقة في مقال له في مجلة القدس العربي الصادرة في لندن بتاريخ 1 يونيو 2018، مفارقات مذهلة بين حدثين يفصل بينهما أسبوعان فقط.
حيث سقط في الحدث الاول في اليوم الرابع عشر من الشهر الماضي، (عشية ذكرى النكبة الفلسطينية سنة 1948)، في مظاهرة فلسطينية، سلمية، شارك فيها عشرات الآلاف من أهل قطاع غزة أكثر من 62 شهيدا، بينهم أطفال كثيرون، وأكثر من 2000 جريح ومصاب، بينهم بالتأكيد أكثر من 200 مصاب، سيظلون معاقين، وعائلات تحطمت حياتها، ومجتمع يدفع الثمن على مدى عشرات السنين (هذا العدد الكبير من الشهداء والجرحى والمعاقين الذين سقطوا في يوم واحد وفي مظاهرة سلمية يفوق بكثير ما سقط في أي يوم من الأيام ال 51 لحرب 2014 على غزة). في حين كانت خسائر الإسرائيليين الحقيقية الملموسة: صفر في الأرواح، صفر في الاصابات، بعض المزروعات.في حين ان في الحدث الثاني في التاسع والعشرين من الشهر ذاته، في فارق زمني قصير للغاية، مدته خمسة عشر يوما فقط من الحدث الأول، وفي مواجهات عسكرية فلسطينية إسرائيلية لبضع ساعات، استخدمت فيها من كلا طرفي الصراع، «صواريخ فلسطينية» (!!) وقذائف مدفعية ودبابات وطائرات حقيقية. كانت خسائر الفلسطينيين الحقيقية الملموسة في هذا الحدث: صفر في الأرواح. إصابات وبعض تدمير في عدد من المنشآت والمواقع. واحد من الانفاق في منطقة رفح، يصل الى مناطق الاحتلال 1948، بعد مروره في عمق أراضي سيناء المصرية.
بينما كانت خسائر اسرائيل الحقيقية الملموسة في الحدث الثاني ايضا: صفر في الأرواح، صفر في الإصابات. كسور في ثلاث درجات من درج بيت في إحدى المستوطنات على حدود قطاع غزة. حفرة في ساحة حديقة للأطفال.
لا مجال ولا مكان للمقارنة. ولكن…
نصل هنا، كما يقول الكاتب، إلى الفحوى وإلى الدرس الذي تسعى إسرائيل لتلقينه لحماس: استمروا في تمسككم بسياستكم السابقة، قبل تحولكم المرفوض باتجاه اعتماد سياسة تبني النضال الفلسطيني الجماهيري السلمي، الذي يفضح اسرائيل في العالم، ويؤلب الرأي العام العالمي ضدها وضد احتلالها واستعمارها ومجمل سياساتها العنصرية الفاشية. فذلك ما لا تستطيع اسرائيل القبول به والسكوت عنه. وهي لذلك ستضربكم بقوة، وتكبدكم خسائر بالارواح تُعدّ بالعشرات، وخسائر في الاصابات تُعدّ بالآلاف، وخسائر بالإعاقات تُعّد بالمئات، وتلحق كل ذلك بما هو أخطر عليكم: تهديدكم كقيادات لحركة حماس بالتصفية الجسدية، ونقل هذا التهديد، تأكيدا لجديّته، ليس فقط بتصريحات علنية لمسؤولين ووزراء وجنرالات في الجيش والأجهزة الأمنية فقط، بل عبر وسطاء عرب ايضا.
يواصل الكاتب الفلسطيني، مقابل هذه الرسالة الاسرائيلية البالغة الدموية، عبر فوهات بنادق جنود في جيشها، قنّاصة/ صيّادي بشر مدنيين فلسطينيين، ردا على تحرك ونشاطات فلسطينية سلمية، وتعزيز تلك الرسالة بتهديد صريح بضرب رؤوس قادة حماس، فإنها ترسل رسالة سلامة وأمان «مشفّرة»، عبر تغطيتها بقصف طائرات وبقذائف دبابات ومدفعية وقطع بحرية، ولا تقتل احدا بالمطلق. إنها رسالة تعني بوضوح، أن استمروا في نهجكم المعروف، الذي يوفر لكم عباءة وجلبابا مقاوما، ويوفر لاسرائيل، في الوقت ذاته، ساترا لعوَراتها الاحتلالية والاستعمارية والعنصرية، ومبررا لاستمرارها في عدوانها وطغيانها، ولاحتفاظها أيضا بصورة الضحية، في مواجهة فلسطينيين وعرب ومسلمين غلاظ القلوب، يرفعون رايات محو اسرائيل والاسرائيليين من الوجود.
آن للفلسطينيين ان يستوعبوا الدرس، كما يشير الأستاذ عماد شقور في مقالته الهامة  :  لا تستطيع إسرائيل العنصرية، دولة الاحتلال والاستعمار والأبرتهايد، تحمل أي نضال فلسطيني سلمي يعرّي سياساتها ويفضحها. وهي ترتكب في مواجهة هذا النضال الفلسطيني المشروع كل الحماقات والموبقات التي ترغمها على التخلي عن سياساتها هذه، وهو نضال مؤهل وكفيل بتقريب نهايتها، كدولة، اذا استمرت في اعتماد هذه السياسات. على أن إسرائيل لم تكن واثقة تماما من وصول رسالتيها: الرسالة الواضحة الصريحة، والرسالة المُشَفّرة، إلى قادة حماس، فألحقتها برسالة أكثر وضوحا وأكثر صراحة، عبر مقال للصحافي الإسرائيلي يوآف ليمور، وفي جريدة «يسرائيل هَيوم»، البوق الرسمي لحكومة نتنياهو المغرقة في العنصرية، تحت عنوان: «على حماس أن تقرر، هدنة أم حربا»، وهو المقال الذي انتهى بالقول: «على حماس أن تختار وتسلك واحدا من طريقين: الهدنة أو الحرب»، وكأنه يقول لقادة حماس أنه لا خيار ثالث أمامكم، فاختيار طريق نضال فلسطيني جماهيري سلمي، هو في نظر اسرائيل طريق حرب. ولم يقتصر هذا الموقف الإسرائيلي على التهديد لحماس، وقياداتها على وجه الخصوص، فقط، بل تم تدعيمه بالإغراءات. وتمثل ذلك بإرسال وعود تضمنتها مقالات عديدة في الصحافة الإسرائيلية، لعل أوضحها ما قاله المحلل العسكري في جريدة «هآرتس» الاسرائيلية، أمس الأول، حول ان اسرائيل «مستعدة للتساهل حول طلبها نزع سلاح حماس في قطاع غزة، مقابل استعداد حماس لاعتماد سياسة اعادة إعمار غزة» وهو البرنامج الذي يتضمن إنشاء ما يمكن اعتباره مناطق صناعية على ارض سيناء المصرية، ملاصقا لحدود غزة، لتكون مواقع لاستيعاب اليد العاملة في قطاع غزة الذي يعاني من مستويات مرعبة من البطالة.
هذه المفارقات تشكّل رسالة للفلسطينيين جميعهم، فردا فردا، ولأبناء قطاع غزة تحديدا، أكثر من غيرهم من الفلسطينيين، وهي موجهة بشكل أخَصّ، الى قادة حركة المقاومة الاسلامية (حماس). لسببين: أولهما أن حركة حماس هي القوة التي تسيطر، عمليا، على قطاع غزة، منذ انقلابها الدموي في مثل هذا الشهر سنة 2007؛ وثانيهما أن مدى استيعابها للدرس البالغ الوضوح، بين مفارقات الحدثين المعنيَّين، يكشف مدى التزامها بالمصلحة الوطنية الفلسطينية من عدمه.
من حق حماس ان تنزعج وأن تستنكر استدعاءها الى قاعة الامتحان، ومطالبتها بالاجابة على السؤال. لكن حق الجماهير الفلسطينية عموما، وفي قطاع غزة تحديدا، في الحصول على جواب للسؤال، يتقدم على حق حماس ويفوقه اهمية. فهذه الجماهير هي التي تقدم التضحيات من ارواح ابنائها وتتكبد آلام وعذابات وجراح وإعاقات ابنائها وعائلاتهم.
نقول كل هذا ونحن على بعد اربعة ايام فقط، من الذكرى الحادية والخمسين لكارثة حرب حزيران المشينة. على مدى هذه العقود الخمسة لم تستطع إسرائيل المستعمِرة ان تبتلع ما استعمرته من ارض دولة فلسطين. ونقوله بعد اسبوعين من الذكرى السبعين للنكبة الفلسطينية، التي لم تستطع اسرائيل المحتلة هضم الفلسطينيين فيها وسلخهم عن شعبهم الفلسطيني العربي. نقول هذا ونحن نشهد اطفال وشباب فلسطين في قطاع غزة يعيدون الاعتبار والاحترام للورق: تمكن شعب الصين بملياره ونصف المليار من البشر، بقيادة زعيمه الاسطوري ماو تسي تونغ، ان يُعمِّم تعبير «الاستعمار نمر من ورق»، تحقيرا للاستعمار وقوته. وها نحن نشهد تحويل أطفال وشباب فلسطين في قطاع غزة لـ"طائرات من ورق" أدوات قتالية، وسلاحا، يزعج ويؤلم من يمتلكون طائرات الإف 35 القتالية الأمريكية الصنع، التي ترى ولا تُرى.
يبقى السؤال الأخير.
إلى أين تتجه غزة؟ وبأي اتجاه تهُبّ رياح «غزة الغزيّين»؟.
ثم، بأي اتجاه تَهُبّ رياح «غزة حماس»؟. 
لا ارى مبرراً لليأس. هكذا ينهي الكاتب مقاله بترسيخ الأمل والثقة بالمستقبل.
أن ما لاحظه الكاتب الفلسطيني بجدارة ودقة من مفارقات مذهلة بعد حدثين متناقضين يؤكد ما كنا قد حذرنا منه في الحراك الشعبي لعودة اللاجئين الفلسطينيين وفي ال 27 من شهر مارس اذار من هذا العام، قبل حلول ذكرى يوم الأرض واندلاع المسيرات الفلسطينية، بان قوات الذبح الاسرائيلي ستوجه بنادقها ليس إلى رأس وأقدام الفلسطينيين بل إلى عقولهم وذاكرتهم من أجل كي الوعي الفلسطيني وتوجيه ضربة قاصمة لفكرتي العودة والنضال الشعبي السلمي.
أن رؤيتنا هذه، والتي تتوافق تماما مع استنتاجات الكاتب الخبير في الشؤون الإسرائيلية، تؤكد أن إسرائيل ترتعب من فكرة النضال السلمي، كما ترتعب اكثر من فكرة عودة اللاجئين الفلسطينيين سلميا الى ديارهم، كما عبر عن ذلك أكثر من مسؤول، سياسي وامني اسرائيلي، بالاضافة الى ما يحذر منه العديد من الكاتب والصحفيين الاسرائيليين مرارا من تخوفهم أن يحاول 50 الف طفل فلسطيني أو امرأة فلسطينية من اجتياز خط الهدنة بأيديهم الفارغة.
أن هذا يؤكد بما لا يدعو إلى أي شك أن إسرائيل تحاول أن تبقينا، وتجرنا إن أبعدنا، إلى مربع العنف والحرب الذي تفضله، والذي يتلائم تماما مع مصلحتها ودعايتها السياسية، وفي نفس الوقت تعمل على ابعادنا عن ساحة النضال السلمي الذي يجردها من أسلحتها الأساسية، ويعريها اخلاقيا أمام العالم، ويظهر زيف رسالتها بأنها دولة معتدى عليها من جيرانها العرب والمسلمين، وأن جيشها القاتل هو للدفاع عن واحة الديمقراطية في ساحة الشرق البائس.
لذلك فإننا قد حذرنا من خطورة إعطاء مبررات لجيش الذبح الاسرائيلي، الذي لا يحتاج إلى مزيد من المبررات، ليواصل قتله وولوغه في الدم الفلسطيني. اننا دعونا الفصائل الفلسطينية المسلحة وما زلنا ندعوها إلى الابتعاد عن تبني وقيادة الحراك الشعبي من أجل عودة اللاجئين إلى ديارهم سلميا، وأن تترك قيادة هذا النضال للشعب ومؤسساته المدنية، ليجعل من النضال السلمي ثقافة مجتمعية، وليقنع الناس بامكامية وموضوعية وواقعية العودة من خلال هذا النضال.
ان الفصائل الفلسطينية تستطيع ان تشارك في هذا النضال من خلال قواعدها، وكذلك من خلال تشكيلها للحاضنة الوطنية لهذا النضال الاستراتيجي، مع باقي مكونات الطيف الفلسطيني.
وبالمناسبة فإننا نعيد ونؤكد على أهمية هذه الاستنتاجات بالإضافة إلى الاستنتاج الرئيس والذي يمنع بالمطلق استخدام حق العودة من أجل أهداف اخرى بعيدة عن العودة.

الأحد، 27 مايو 2018

حق العودة: الرؤية، الرسالة، المبررات والاهداف - د.رياض عبد الكريم عواد

حق العودة : الرؤية ، الرسالة ، المبررات والاهداف 
د.رياض عبد الكريم عواد
رجاء من جميع الوطنين التدقيق في هذا البيان الذي تم قراءة محتواه في جمعية الهلال الأحمر في قطاع غزة. قاعدة الشهيد الدكتور حيدر عبدالشافي في 27/03/2018
ان الهدف من اعادة نشر هذا البيان/الوثيقة للتأكيد على رؤيتنا بأن العودة حق ممكن وموضوعي وواقعي.
كما أنه من الهام إزالة حالة التشويه واللبس التي لحقت بمفهومي العودة والنضال السلمي بسبب البطش المفرط من قوات الذبح الاسرائيلي والاستخدام السياسي من أطراف فلسطينية.
اننا نقدم هذا البيان الشامل ليمثل خارطة طريق لحراك العودة وبيانها التأسيسي.
نرى من المفيد تعميم هذا البيان للتفاعل مع مختلف مكونات المجتمع، من مثقفين ونشطاء المجتمع ومؤسسات المجتمع المدنى إضافة إلى م ت ف والسلطة الوطنية وفصائل العمل الوطني، ليشكل هذا البيان اساسا لكل حراك مستقبلي من أجل عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم.
على هذه الأرض سيدةُ الأرض،
أم البدايات أم النهايات.
كانت تسمى فلسطين.
صارتْ تسمى فلسطين.
نشأ الشعب الفلسطيني في أرض فلسطين وعاش آلاف السنين على أرض الرسالات والأنبياء، وعلى هذه الارض تمت صياغة شخصيته الوطنية والانسانية والروحية، وعاش حياة مستقلة وأنتج ثرواته الثقافية، الوطنية والإنسانية.
وعندما هُجر الشعب الفلسطيني عن بلاده بقوة الاحتلال الاسرائيلي في عام النكبة 1948، حافظ هذا الشعب على عهده لبلاده، فهو إما صامد فوق ارضه او يحن اليها في بلدان الشتات.
لم ينقطع الشعب الفلسطيني طيلة سنوات الهجرة الطويلة عن العمل والانتاج والابداع وأثرى حياة البلدان التي عاش فيها. كما أنه لم ينس أرضه وحقه المقدس، وتعلق بأمل العودة إلى بلاده واستخدم مختلف اشكال المقاومة من أجل الوصول الى حقوقه السياسية وحريته وكرامته الانسانية.
وبدافع هذه الصلة التاريخية العميقة نزع الفلسطينيون دوما للعودة إلى وطنهم للعيش فيه وفقا لحقهم التاريخي والانساني والقانوني الذي اقرته الامم المتحدة في قرارها رقم 194 الصادر في الحادي عشر من كانون الأول ديسمبر من العام 1948، والذي جاء في الفقرة 11 منه، بأن الجمعية العامة "تقرر وجوب السماح بالعودة، في أقرب وقت ممكن، للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم، وكذلك عن كل فقدان أو خسارة أو ضرر للممتلكات بحيث يعود الشيء إلى أصله وفقاً لمبادئ القانون الدولي والعدالة.......".
إن قرار الأمم المتحدة حول عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم ووطنهم غير قابل للإلغاء او التنازل أو التصرف. إن من حق الشعب الفلسطيني، الطبيعي والتاريخي، أن يعيش بحرية وكرامة ومساواة مع مختلف القوميات التي تعيش فوق هذه الارض المقدسة.
في هذه المرحلة التاريخية من حياة الشعب الفلسطيني، تتعاظم الهجمة الاستعمارية، السياسية والاقتصادية والنفسية، في ظل ظروف تتميز بانسداد الافق السياسي، وانهيار الخيار العسكري، وانعكاس نتائجه السلبية على مجمل الوضع السياسي والحياتي للشعب الفلسطيني.
في ظل كل هذه الظروف، يعتقد الاعداء وكثير من "الاصدقاء" أن الفلسطيني قد مات، او على الاقل، أن ساعة موته قد اقتربت، وأن شمسه قد أفلت أو شارفت على الغروب.
لكن هذا الفلسطيني "العنيد ذي السبعة أرواح "، ما يلبث ان يتململ من تحت أنقاض بيوت المخيمات المهدمة في حروب اسرائيل المتوالية والمتكررة على الشعب الاعزل، لينهض من جديد ، كعادته السرمدية، ويواصل مسيرته في طريق الجلجلة، نحو الشمس. إنه لا يفاجئهم فقط بمقدرته على التجدد والحياة، ولكنه أيضا يفاجئ نفسه!
لم ينقطع الفلسطينيون عن المحاولة والنضال من اجل حق العودة، واستخدموا في سبيل ذلك مختلف اشكال النضال، وكان هذا الحق بندا دائما من بنود البرامج السياسية ل م ت ف والفصائل الفلسطينية، وكذلك لم تتنازل عنه السلطة الوطنية، رغم تأجيله الى مراحل الحل النهائي، رغم الضغوطات الهائلة التي مورست عليها.
اننا نعتقد، وفي ضوء الواقع السياسي وتعاظم الضغوطات على الكل الفلسطيني، ووصول معظم البرامج السياسية والعسكرية الى طريق مسدود، ان من الأهمية ان يركز الفلسطينيون نضالهم على حق العودة، ليكون هذا الحق اضافة الى مقاومة الاستيطان وحماية حقوقنا في القدس، جوهر المقاومة الشعبية السلمية التي يخوضها الشعب الفلسطيني.
لكل الاسباب التاريخية والقانونية والسياسية، إضافة للواقع الانساني والحياتي للاجئين الفلسطينيين، يتمسك الكل الفلسطيني بحق العودة، ونؤكد أننا لن نتنازل عن هذا الحق الطبيعي والتاريخي الذي أقرته الامم المتحدة.
اصدر الحراك الشعبي السلمي لعودة اللاجئين الفلسطينيين "وثيقة العودة" في 25 فبراير شباط 2018 في قاعة الشهيد الدكتور حيدر عبدالشافي، جمعية الهلال الأحمر لقطاع غزة. عرف حراك العودة، من خلال هذه الوثيقة، نفسه واستراتيجيته النضالية واهدافه ومبررات انطلاقته وآليات نشاطه وعمله. لقد نصت الوثيقة على أن هذا الحراك هو "حراك شعبي سلمي نابع من حاجة الشعب وتفكيره ومسيرته النضالية الطويلة". وهو برنامج نضالي مستمر يهدف الى النضال الشعبي السلمي من أجل رجوع/عودة اللاجئين الفلسلطينيين الى بيوتهم وديارهم، التي هُجروا منها في العام 1948 بسبب الاحتلال الاسرائيلي، وفقا لقرار الامم المتحدة رقم `194، والعيش هناك بأمان وسلام ومساواة مع باقي القوميات والاثنيات.
إن حراك العودة هو نضال شعبي مستقل، ليس له ارتباطات داخلية أو خارجية او فصائلية، و يقوم هذا الحراك على الأسس والمرتكزات الجوهرية التي تتمثل بالشعبية والسلمية والاستمرارية، والبعد عن الفصائلية والاهداف والمناكفات الداخلية.
إن كل النشاطات التي يمارسها هذا الحراك ستكون شعبية وسلمية، دون الاشتباك او ممارسة اي عنف تجاه او مع قوات الاحتلال الاسرائيلي، وستكون شعاراتنا انسانية تؤكد على حق شعبنا في الحياة.....بدنا نعيش بسلام ومساواة على ارضنا وفي ديارنا التي هجرنا منها بقوة الاحتلال. كما سترفع في هذه النشاطات الاعلام الدولية فقط، مثل علم الاونروا.
ان حراك العودة سيعمل من أجل مواصلة الحفاظ على قضية اللاجئين الفلسطينيين حية في اذهان الشعب الفلسطيني والعالم، خاصة في ظل ما تتعرض له هذه القضية من مؤامرات ومشاريع سياسية تهدف الى القفز على قضية اللاجئين او ترحيلهم أو توطينهم بعيدا عن اراضيهم. إن الشعب الفلسطيني الذي أفشل مؤامرة التوطين والوطن البديل في خمسينيات القرن العشرين سيفشل كل مشاريع الوطن البديل والتهجير والقفز عن حقوقنا الوطنية، خاصة حقنا في العودة.
كما أن حراك العودة سيناضل من أجل الحفاظ على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الانروا وتعزيز خدماتها، والوقوف في وجه محاولات انهائها، كراعي انساني وشاهد تاريخي على قضية اللاجئين الفلسطينيين إلى أن يعودوا إلى وطنهم وديارهم .
إن الهيئة التنسيقية المؤسسة لهذا الحراك تعي جيدا أن النضال من اجل تحقيق عودة اللاجئين هو عمل متواصل ومستمر لا تتحقق نشاطاته من قبل فئة دون الأخرى، ولا بعمل كبير لمرة واحدة. لذلك فإن الوحدة والتشبيك بين مختلف الأطراف، وطول النفس والصبر على تحقيق الأهداف وقطف الثمار، هو أول ما يجب التأكيد عليه.
إن حق العودة هو هدف استراتيجي بحاجة إلى زخم شعبي كبير ومتواصل، بعيدا عن برامج الاحزاب وشعاراتها وراياتها. إن تبني وقيادة الاحزاب لهذا الحراك الشعبي يفقده مدنيته وسلميته ويعرض الجماهير المشاركة فيه إلى العنف الإسرائيلي.
إن الحفاظ على حياة الناس من هذا العنف الاسرائيلي هي أولوية دائمة حتى نحافظ على زخم واستمرارية هذا الحراك وصولا إلى تحقيق هدفنا في العودة.
ان تبني وقيادة الفصائل الفلسطينية لمسيرة العودة، يفقد هذه المسيرة مدنيتها ويعرض المشاركين فيها الى مزيد من عنف وبطش قوات الاحتلال الاسرائيلي، خاصة في ظل تصريحات بعض القادة الفلسطينيين الذين يطالبون بمواكبة العمل المسلح لنضال الجماهير السلمي، وكذلك في ظل ما تدعيه اسرائيل من تفجيرات، تحدث على السلك الفاصل لخط الهدنة، مما يوحي بأن قوات الاحتلال الاسرائيلي قد تستغل هذه التصريحات والتفجيرات لتوجيه ضربة قاسية ليس فقط للجماهير الشعبية المشاركة او ايقاع مذابح بينها، بل توجيه ضربة قاصمة لفكرة النضال الشعبي السلمي من اجل عودة اللاجئين. لذلك نطالب هذه الفصائل عدم اعطاء مزيدا من المبررات لقوات الاحتلال الاسرائيلي لتنفيذ اهدافها ومخططاتها المسبقة، وعدم الوصول بالجماهير الى مناطق خط الهدنة حتى لا تعرضها لبطش قوات الاحتلال الاسرائيلي التي تحاول ان تجرنا دائما الى مربع العنف الذي تفضله.
ان المحافظة على ارواح المشاركين من بطش قوات الاحتلال الاسرائيلي هو الهاجس الذي يؤرق الجميع، لذلك على الجميع ان يعي انه من الخطورة ان تتوجه الجماهير الشعبية نحو الحدود، الا بعد ضمان حياة هذه الجماهير بالحد الاقصى، وتوفير الشروط التي تساعد علي حماية الجماهير، ومن هذه الشروط:
  • أولا، اقناع الجماهير بجدوى وأهمية النضال الشعبي السلمي، وان العودة من خلال هذا النضال ممكنة وواقعية وموضوعية. 
  • ثانيا، تدريب هذه الجماهير التي تربت طويلا على حب وتقديس البندقية والعمل المسلح، على اسس ووسائل النضال الشعبي واهمية النظام والالتزام .
  • ثالثا، توفير فرق للنظام تعمل على منع اي خروج للمشاركين عن اهداف الحراك الشعبي، ومنع أي محاولة، مقصودة أو غير مقصودة، من البعض استخدام أي أشكال ووسائل عنفيه تجاه قوات الاحتلال الاسرائيلي .
  • رابعا، مشاركة عدد كبير من المتضامنين الدوليين والاسرائيلينن، مناصري السلام وحقوق الانسان .
  • خامسا، رفع رايات الامم المتحدة في هذه النشاطات.
  • سادسا، عدم مشاركة قيادة الاحزاب ورموزها وشعاراتها وراياتها في هذا الحراك. ان دور الاحزاب يجب ان يكون من خلال دعم هذا الحراك من الخلف، والمشاركة فيه من خلال قواعدهم الشعبية.
  • سابعا، التأكد من تدفق ومشاركة مئات آلاف العائلات والافراد في هذا النضال،
لذلك نرى انه في هذه المرحلة من الخطورة وصول الجماهير الشعبية الى مناطق الحدود او التخييم بالقرب منها، لعدم توفر كل شروط حماية الجماهير المشاركة. اننا نعتقد ان هذه المرحلة من النضال الشعبي يجب ان تركز على التعبئة الشعبية، وتدريب الناس وتعليمها اسس النضال الشعبي السلمي، وتوفير كل مستلزمات وشروط حماية هذا النضال الشعبي وتحويل النضال السلمي من أجل حق العودة إلى ثقافة مجتمعية راسخة.
إن لمن الخطورة المجازفة بأرواح الشعب او استخدام هذا الشعب من أجل اهداف خاصة، كما من الخطورة ايضا، استغلال شروط الناس الحياتية السيئة في قطاع غزة او اي مناطق اخرى يقيم فيها اللاجئين الفلسطينيين من أجل تحقيق أهداف ضيقة أو مكاسب ومساعدات من هنا أو هناك.
ان هذا الحراك الشعبي السلمي لا يستهدف التلويح بحق العودة للضغط على إسرائيل من أجل مكاسب سياسية او إنسانية.
إن نجاح هذا الحراك الشعبي السلمي يتطلب ان يسبق هذه النشاطات ويرافقها تعبئة اعلامية واسعة ومنظمة، على الصعيد المحلي والدولي وداخل اسرائيل. كما سيتم استنفار مختلف وسائل الاعلام ونشطاء حقوق الانسان واصدقاء الشعب الفلسطيني من مؤسسات وافراد للتغطية والمشاركة وليلعبوا دورا حاسما في دعم هذا النشاط الشعبي الاستراتيجي.
أن لحظة بدء هذا الحراك على الأرض يتطلب ايجاد وحدة وطنية بين مختلف المكونات السياسية للمجتمع لتشكل حاضنة وطنية تدعم هذا الحراك الشعبي السلمي، وتمنع استغلاله من أي أطراف محلية لاهدافها الخاصة أو أطراف إقليمية في صراعها على أرضنا وبعيدا عن مصالحنا.
سيعمل الشعب الفلسطيني العائد الى ارضه ودياره سويا مع كل القوميات والاثنيات سكان البلاد، مستندا الى مبادئ الحرية والعدل والسلام وحقوق الانسان، مستهديا بالرسل والانبياء الذي اجتمعوا فوق هذه الارض، من اجل المحافظة على المساواة التامة في الحقوق، اجتماعيا وسياسيا، بين جميع المواطنين دون التمييز من ناحية الدين والعرق والجنس. كما وسيكون حارسا للمقدسات ، يؤمن بحرية العبادة والضمير واللغة والتربية والتعليم والثقافة للجميع، وسيكون مخلصا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة والمبادئ العالمية السامية لحقوق الإنسان.
إننا ندعو أبناء الديانة اليهودية النظر ايجابيا لعودة ابناء الشعب الفلسطيني سلميا الى ديارهم وارضهم من اجل العيش المشترك والحفاظ على ارواح البشر من الموت المجاني في الحروب العبثية، وصولا الى العيش معا وسويا بأمن وسلام ومساواة تامة، في المواطنة والحقوق دون ادني تمييز لاي سبب كان. إن تحقيق حق العود لن يكون في صالح اللاجئين الفلسطينيين فقط بل في صالح كل سكان البلاد من أجل تخليص المجتمع من التطرف والعنصرية التي طغت وعليه ومن أجل النضال سويا ضد نظام الابارتهايد الذي يترسخ بسرعة كبيرة داخل المجتمع وحتى نستطيع إقامة كيان سياسي عصري يساهم في التقدم وفي تعزيز قيم الحرية والمساواة والسلام العالمي.
إننا نناشد الأمم المتحدة وكل المؤسسات الدولية وبرلمانات وحكومات العالم ومحبي ومناصري السلام أن يمدوا يد المساعدة للشعب الفلسطيني ويساعدوه من اجل ان يعود بسلام الى دياره ووطنه.
لنتحد من حول الحراك الشعبي لعودة اللاجئين الفلسطينيين.
27/03/2018
فلسطين. غزة. جمعية الهلال الأحمر في قطاع غزة. قاعدة الشهيد الدكتور حيدر عبدالشافي .

الجمعة، 18 مايو 2018

حراك العودة: المحددات والمعيقات د. رياض عبدالكريم عواد

حراك العودة : المحددات و المعيقات
د. رياض عبدالكريم عواد
اليوم 2018/05/18، سأل البروفيسور يورام يوفال، في يديعوت احرنوت، كل سكان اسرائيل، بعد أن أكد لهم أن: "هؤلاء الفلسطينيين هم الورثة القانونيين لمن عاش في اسرائيل قبل سبعون سنة"، يسألهم: "ماذا لو اقتربت خمسين ألف امرأة مع أطفالهن من سياجنا ، دون رجل واحد ، دون حجر واحد وبدون بندقية ، و سرن على اقدامهن بهدوء ، وقلن إنهن سيعدن إلى المنزل ، ماذا سنفعل بعد ذلك؟ والأهم ، ماذا سنقول لهم؟ ولأنفسنا"؟
وفي الثمانينيات من القرن العشرين ظهر رسم كاريكتير في إحدى الصحف الإسرائيلية وكان عبارة عن مجموعة من الذئاب الجوعى تحاول أن تقفز من على السور الفاصل بين غزة و إسرائيل .. وكان التعليق والسؤال الأكثر سخونة والذي شغل بال الاسرائليين هو .. كيف ستتصرف إسرائيل والجيش الإسرائيلي في مثل هذا الموقف ....
ان هذه الاراء وغيرها تلقي الضوء على هواجس الإسرائيلين الحقيقية و ليس الدعائية وخوفها من تبني الفلسطينيين لهذا الطريق النضالي وهذا الحراك الشعبي السلمي....
إن فكرة الحراك الشعبي السلمي من اجل عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم وإقترابهم من الخط الفاصل يثير ليس قلق الإسرائيليين بل يثير الهلع في نفوسهم ..و هذا يعني بأنهم لن يستقبلوا العائدين بالريحان ..لذلك من واجبنا توفير كل شروط الحماية للمشاركين في الحراك لان دم الشعب غالي ولا يمكن التفريط به أو استخدامه لأهداف ذاتية....
ان قوات الذبح الاسرائيلي عندما تطلق الرصاص الحي بكثافة على رؤوس واقدام المشاركين في حراك العودة انما تطلق النار على الفكرة لتقتلها في مهدها وتمنع تطورها وسيرها قدما إلى الامام وتحقيق اهدافها على الأرض.
اننا يجب أن لا نمل من التكرار أن العودة ممكنة وواقعية، واننا لا نحلم أو نعيش في الخيال، ولكي تتحول هذه العودة الى حقيقة علينا أن نتعرف على اهم المحددات الواجب توفيرها وأهم المعيقات التي تواجهها.
اولا: التطرف الايدلوجي والعنصرية
لا يخفى على أحد تعمق التطرف والعنصرية داخل المجتمع الاسرائيلي وسيطرة المستوطنين واليمين اليهودي على الحكم وتغلغلهم إلى قيادة الجيش، هذا اليمين الذي يؤمن أن هذا الدولة هي وعد من الله للشعب اليهودي، بل وصل فيهم التطرف إلى سن قانون القومية اليهودية، ومطالبة دول العالم الاعتراف أن هذه دولة يهودية، ولليهود فقط وليس لكل سكانها.
كما أننا يجب ان نعترف ان في الوسط العربي والفلسطيني من يؤمن بنظرية ليس ببعيدة عن تلك الرؤيا، وأن المسلمين سيرجعون إلى فلسطين، كما وعدهم الله بذلك، ويسقطون آيات القرآن على هذه المفاهيم، ومن أجل ذلك شكلوا هيئات، مثل هيئة وعد الاخرة.
أن هذه الأطراف المتناقضة ستكون من اهم الأطراف التي ستعيق النضال السلمي من أجل العودة، وستستخدم هذه الاطراف مختلف الوسائل لإفشال هذا الحراك، ووصم الداعين له باقدح واصعب الاوصاف والتحالف مع كل الأطراف التي تعادي النضال السلمي حتى تفشل هذا الحراك.
ان حراك العودة يعمل بوضوح من اجل عودة اللاجئين الفلسطينيين الى اراضيهم وديارهم سلميا، ووفقا للقانون الدولي وقرار الامم المتحدة رقم 194. انها عودة وفقا للقانون وبالنضال السلمي، اننا لسنا فاتحين ولا محررين، اننا نعود لنعيش في إسرائيل في مساواة مع كل سكانها بعيدا عن أي تفرقة دينية أو قومية أو اثنية.
ثانيا: المصداقية/الاستخدام
ان اهداف هذا الحراك واساليب تحقيقها يجب ان تكون واضحة ومحددة بعيدا عن المراوغة والاستخدام.
أن حراك العودة لا يمكن ان يُستخدم من اجل اهداف اخرى بعيدا عن هدف العودة، كما انه ليس من المفيد استخدامه من اجل اهداف حزبية او حتى سياسية بعيدا عن حق العودة، ومن غير الممكن استخدام هذا الحق كاداة للصراع الداخلي بين مختلف الاطراف المحلية، او السماح واعطاء الفرصة لدول الاقليم في استخدامه في الصراع من أجل مصالحها وحصتها وأهدافها في المنطقة، كما لا يستخدم هذا الحق للتلويح به في وجه اسرائيل، لتحسين شروطنا التفاوضية أو لحل أزماتنا الاقتصادية.
ان النضال السلمي هو الأسلوب الوحيد الذي سيستخدم لتحقيق هذا الهدف. ان هذا الأسلوب النضالي سيواجه مقاومة شديدة ورفض من الشعب الذي تربى على المقاومة وتقديس الكفاح المسلح، كما سيواجه مقاومة أشد من فصائل المقاومة التي ستدافع عن فكرها ووجودها ومصالحها، لأن بعضها سيرى في النضال السلمي تهديدا لوجودها ومناقضا لفكرها.
ان هذا يتطلب طول النفس وخلق ثقافة مجتمعية تؤمن بالمقاومة السلمية، وتدريب الشعب عليها وعلى النظام والالتزام. ان التسرع والزج بهذه الجماهير، دون اقناعها وتدريبها، سيؤدي إلى عدم السيطرة عليها وعلى أفعالها التي ستناقض، بوعي او بدون وعي، مع السلمية مما يعرض هذه الحشود الشعبية إلى القتل والنزف والبتر من الرصاص الحي لقوات الذبح الاسرائيلي.
ان رفع شعار السلمية يجب أن يترافق مع منع قيام أي عمل مسلح، ورفض فكرة أن النضال السلمي هو أسلوب من أساليب النضال إلى جانب الأسلوب الاساسي وهو الكفاح المسلح.
انه من الخطورة رفع شعارات السلمية في حين يسمح للمشاركين او ندفعهم، لممارسة أساليب القذف بالحجارة وحرق المزروعات وحرق الكاوشوك والقذف بالمنجانيق وتشكيل فرق من الشباب الثائر للقيام بهذه الأعمال. ان هذه الممارسات ستفقد حراك العودة مصداقيته أمام العالم، وتقدم الذرائع لجيش الذبح الاسرائيلي ليولغ في دم المشاركين.
ثالثا: الفصائلية/الحاضنة الوطنية
هذا حراك شعبي يقوده الشعب من خلال مؤسساته المدنية والأفراد الناشطين والمتطوعين. ان شعبية حراك العودة هي اهم محدد يضمن المشاركة الواسعة لمختلف قطاعات المجتمع، كما يحافظ على استمرارية هذا الحراك.
ان تصدر الفصائل لقيادة هذا الحراك يعرض هذا الحراك إلى خطر تشويه أهداف هذا الحراك في الإعلام العالمي، وصبغ الحراك بصبغة غير سلمية وغير شعبية. كما أن تصدر الفصائل لقيادة هذا الحراك تسهل من إمكانية ومقدرة الأطراف الخارجية للضغط على هذه الفصائل لوقف هذا الحراك. ان هذا الدرس، كان من اهم دروس ثورة 1936 والانتفاضة الفلسطينية الأولي، حيث استجابت قيادة الثورة لضغط الملوك والرؤساء العرب.
أن رفض تصدر الفصائل لقيادة هذا الحراك لا يعني عدم الاعتراف بدورها في المشاركة، كعناصر وكوادر، بالإضافة إلى مشاركتها في تشكيل الحاضنة الوطنية لهذا الحراك، الذي يجب ان يشارك فيه الكل الفلسطيني، من م ت ف وسلطة وطنية وفضائل ومؤسسات مجتمع مدني وأفراد اعتبارين، تهدف هذه الحاضنة إلى دعم وتوجيه هذا الحراك، لكن بعيدا عن القيادة والاستخدام.
رابعا: الأولوية واللحظة السياسية الراهنة
يعاني الوضع السياسي الفلسطيني في اللحظة السياسية الراهنة من انقسام وتشتت البرامج بل تناقضها، وعدم الاتفاق على الأولويات، هذا بالإضافة إلى ابتعاد غزة عن النظام السياسي الفلسطيني، وتعقيد الظروف الاجتماعية والاقتصادية والحياتية التي يعاني منها اهل غزة، وصولا إلى خطر فصل غزة عن امتدادها الوطني. ان هذه الأخطار الداخلية، بالإضافة إلي الخارجية، تحتم إعطاء أولوية قصوى لإعادة الوحدة للنظام السياسي الفلسطيني وعودة غزة تحت هذا النظام، وعلاج الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لاهل غزة.
اننا لا يمكن أن نبدأ ممارسة تطبيق برنامج حراك العودة على الأرض في ظل هذا التشتت والفرقة الفلسطينية. ان هذا التسرع في التطبيق سيعرض هذا الحراك للفشل والاستخدام الفصائلي ولضغط دول الاقليم، التي تتحكم بمعظم مفاصل الحياة في غزة.
أن إعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني، وتشكيل حاضنة وطنية لحراك العودة، من الكل الفلسطيني، هو البداية الصحيحة لتنفيذ هذا المشروع الوطني الملح، الواقعي والطموح. نعم أن هذا اليوم قريب!!!