‏إظهار الرسائل ذات التسميات سهى بطرس قوجا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سهى بطرس قوجا. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 11 مارس 2015

نبض الحياة - سهى بطرس قوجا

 نبض الحياة 

سهى بطرس قوجا
الحياة عندما تسعى فيها فلابدّ من أن يكون سعّيك من أجل كل ما موجود فيها دون استثناء، سعيًا حثيثًا بحيث عندما تجتاز بقدمك سلمها أن تكون واثق من أنك كنت عليها الواحدة تلوّ الأخرى ولم تقفز إحداها مُتجاهلا .

وما لابد من إدراكهُ كذلك هو إن هذه الحياة أقصر بكثير مما تتصور، هي ليست بعدد سنينها وإنما باللحظات التي تقضيها فيها مُرتاحًا نفسيًا وضميريًا وفكريًا وإنسانيًا، وهذه تكون عندما تعيش حياتك بما يرضيها ويرضي كل موجود فيها وبما يستحقهُ ، وأحدى هذه الموجودات هي المرأة، روح هذا الوجود بكل ما فيهِ.

هي هديةٌ هُديت للحياة لتكون بها وتدوم، أنها الكائن الذي يستحق كل ما فيها، لأنها هي الحياة بذاتها وهي شريانها النابض والمُتدفق الباقي مدى بقاءها، هي الكون في المكنون وهي الروح للحياة وهي من تمدّ الحياة بالحياة. هي من تعطي للوجود معناه مُكملة لوحتهِ بألوانها. هي بالوصف التقريبي تلك اللوحة البراقة بألوانها التي تجذب الناظر إليها، ينظر فيها ويتعمق في مكنونها، أنها تلك الزهرة الجميلة في حديقة الحياة: بهية في منظرها، تعطي جمالية لمْا حولها، وتعطر الأجواء بأريجها، أنها تبقى أنفاس الحياة ..

فتحية إكبار وتقدير واحترام لهذا الكيان المضحي في يومها العالمي في الثامن من آذار، هذا الشهر بربيعه ودفئهِ ورونقهِ، شهر الخير والعطاء، وللمرأة العراقية بشكل خاص أسمىّ وأرق التحايا وأعذب آيات المحبة تقديسًا واعترافًا لها بكفاحها وتضحياتها وصمودها وهي تتصدّى بكل فخر لكل التحديات وترسخ كيانها ووجودها بكل ثقة.
فهي تبقى روح وقلب المجتمع النابض، وتبقى اليدّ المُكملة ليد الرجل في مسيرتهِ الدائمة، لأنها كانت وما تزال تثبت حضورها بكل فخر واقتدار، فهي مهما قلنا تبقى أسمىّ من كل بلاغات الأقوال والأمثال كونها نبض الحياة.

أنها تبقى شامخة ورائدة وثقتها بنفسها قوية وستنجح في أن تصبح نجمة في السماء يسطع نورها للبشرية، عندما هذا الرجل وهذا المجتمع وهذه المرأة نفسها (بدون تعميم) يخلقون نوع من الثقافة والوعي والتكافؤ الفكري والتكامل مع هذا المخلوق وحقوقه، ثقافة مُتحضرة ومُساعدة تؤدي دورها وفعاليتها بشكل إيجابي على كافة أصعدة الحياة، وبالتالي تخلق وعي وثقافة يتربى ويتبناها الأجيال المقبلة.

وأقول للمرأة: الحياة لا تدوم بين البشرية بدون محبة، كذلك الحياة لا تدوم ألا بكِ، أنتِ قبل كل شيءٍ أنثى مصدر الحبّ والحنان، وأنتِ بانية الإنسان والأوطان وأنتِ كل ما في الحياة من تفاصيل.
أنتِ حاضنة الإنسانية.
أنتِ تلك النخلة الشامخة التي ترفع رأسها بكبرياء في سماء العراق.
أنتِ عزّ العراق الشامخ وخيرهِ الدائم.
أنتِ ذلك اللحن وتلك المعزوفة الخالدة التي تعزف على أوتار الحياة.

تهنئتي للمرأة بمُختلف مُسمياتها في يوم عيدها الذي تستحقه بفخر، وأقول تعلمي أن تكوني مثل الوردة: ناعمة مثل أوراقها، صلبة مثل جذورها، خشنة كساقها وطيبة مثل عطرها.

الثلاثاء، 2 سبتمبر 2014

أمنيات نازحة - سهى بطرس قوجا

أمنيات نازحة
سهى بطرس قوجا
أمنيات نازحة وأحلام هاربة وقصص تتكدس في بُودَقَة الزمن من صرخات وطنًا يحيا بصعوبة بين أنقاض يخلفها الطغاة الذين يحاولون النيل منه! وطنًا أصبح على مشارف أن يودع كل الأشياء ويستقبل الخوف والغبار الأسود القادم من عتمة الشرير وضياع الضمير! وطنًا أصبح حلمًا بعيدًا لكل الذين يستبعدون ويلوذون بالفرار مرغمين ممن فيه ... إلى أين يأخذنا المطاف، وماذا بعد يوجد لم نبصره؟!

أعطي لمجموعة أطفال نازحين ورقة وقلم وقيل لكل واحد منهم أن يكتب أمنيته عليها.. فكانت الإجابة بالإجماع تكتب بأنامل صغيرة .. " نريد بيتنا"! أمنية كبيرة تستقر في عقول وقلوب صغيرة وبريئة ليس بيدها غير أن تتمنى ما لا تستطيع أن تنقذه ممن يحاولون أن يجعلوه مجرد كومة أنقاضًا. أمنية قد تكون بعيدة بعض الشيء ولكن لن تكون مستحيلة ما زال هنالك من يريد أن يجعلها واقعية بقوة صبره وتحديه وتفكيره الجدي.

الأوطان ما زالت المزايدات عليها، وما زال كل شيءٍ يُبنى بسنين يقابله الهدم في غضون ثواني معدودات ... نعم ، هكذا أصبح حال كل وطن يتلقى الجرعات من القريب قبل الغريب ويبكي مما ينابه! كم من طفولة مشردة وكم من طفل حُرم من مسكنه ومن حضن أهله؟ كم من طفل في العالم اليوم يعاني ويحمل عناء الشقاء والضغوط والإعانة؟ كم من إنسان اليوم يعيش بلا بيت وهو في وطنه؟! كم من إنسان يُعامل مثل باقي المخلوقات وأدنى، أكيد من خلال استدلالانا بما يجري في الواقع؟! كم من إنسان تخلى عن إنسانيته في سبيل أن يبقى ويا ليته بقىّ؟ كم من روح رضت أن تموت من أجل أن يستمر الآخر؟!

خوف ... أختناق ... صراخ ... هروب ... خطر ... وعثرات في الطريق ... هذه إمرأة مُسنة ومقعدة والخوف سوف يخنقها ويقتلها وهي في مكانها لا تستطيع الحراك، لا قدرة لها على الهروب ، فكيف لها النجاة؟! هذا رجل خائف على أهل بيته وبناته ويحاول كل المحاولات في سبيل أن يبتعد بهم أكثر عن النفوس العابثة والخبيثة! تلك طفلة صغيرة تصرخ وتبكي وتُنادي على أمها التي بيعت وهي لا تعلم ... تصرخ وكل ظنها أنها ستسمعها مثل كل مرة وتأتي إليها راكضة لتحضنها وتحملها على كتفها ... ولكن أين هي من صراخها؟! أنهم مجموعة رجال ونساء وبينهم أطفال يركضون إلى المرتفعات ليختبئوا بين الصخور بدون أن يفكروا إن كان هنالك نجاة بمحاولاتهم، ومن أين يأتي التفكير وتحكيم العقل إن كان الضباب يحجب عنهم الرؤية؟!

من ينقذ هؤلاء من بطش عدوهم .. وإلى متى يبقى المستقبل يحمل المفاجأت ويسير نحو المجهول؟! أفواج وأفواج من البشر تصرخ إلى السماء وتجر اذيال الخيبة ممن في أوطانهم وممن أعتبروهم المعين والسند لهم، هاربين وتاركين كل شيءٍ خلفهم والصدمة سوف تعدمهم ... إلى أين المسير وإلى أين المستقر؟! إلى متى سيبقى الحال يتنقل بهم مثل بندول الساعة، يضربهم مرة إلى الشمال وأخرى للجنوب ومرات أكثر خارج الحدود بعد أن تخطأ بحركتها وتكسر ما يحيطها؟!

الحديث عن الوطن لا ينتهي والكلام عن تلك النفوس الصغيرة التي تركته مرغمة ومن قلة حيلتها لا يمكن إيجازه! كيف نعيد للوطن عزته وكيف نعيد للأرض طهارتها التي دنست؟! من يقول للجانب الآخر من الإنسان كفاك ظلمًا؟! قد تكون مطالبنا كبيرة وصعبة التحقيق ولكن تبقى تمنيات ورجاء في الغد القادم بأن يكون الأفضل في كل ما يحمله من أنقاض الماضي والحاضر ... تلك الأنقاض إذا كان عمل موحد ومشترك لها من الممكن أن ترمم الكثير مما خدشه الشر وهو مارًا . لا وجود للمستحيلات ما زال هناك الممكن الذي يمكن أن يتحول إلى لون جميل وزاهي يُعطي للأطفال مرة أخرى من أجل إعادة كتابة أمانيهم من جديد، علها بهم تكون حقيقة وتعود للوطن عزته وهيبته التي شتتها اللون القديم.

عراقي يحلم بالمستحيل - سهى بطرس قوجا

عراقي يحلم بالمستحيل 
 سهى بطرس قوجا

أنه يتسأل: كيف سيكون القادم الذي يمطرنا على غير ميعاد؟! طال المغيب وضاعت البشائر، هذا العالم بوسعه ضاق علينا، الهواء خانق واليوم مثل الأمس، نفوس مريضة، قرارات غير مسؤولة، أفكار مترددة وشاردة، لا ثبات ولا رسوخ في الرأي، قتلتنا المبادئ الكاذبة والألسن المزمرة! أفكر بكل هذا وغضب وثورة يطحناني، أريد أن أثور واسمع العالم ضجيجي الذي لا يصمت ... غاضب لأن أصبح اسم العراقي يُخاف منه ... أصبحنا في موضع الشك وفي دائرة الاتهام والفساد! وثورة تجتاحني هي حنينًا وشوقًا وحزنًا على كل ما يسلب منا: الأمان، الكرامة، الوجود، الأرض، الاسم ... كيف لهذه جميعها أن تعود؟!


مسكينًا هو العراقي أنه لا يطلب الكثير أنها مجرد أمنية بسيطة تخطر على بالهِ ولكن مع ذلك هي مستحيلة الحصول في ظل واقعه! سنين وسنين تمضي إلى غير رجعة وهو ما زال يعيش المعاناة باختلافها ... فكم من عراقي ما زال الحلم يورقهُ؟ وكم من عراقي ما زالت الأرض تنبذه؟! أصبح كل شيءٍ لهُ مستحيل بل أصبح يعيش المستحيلات، العالم من حوله في حراك وهو ما زال في سكون وصمت وتراجع دائمي، ما زال في نقطة لا يستطيع تجاوزها، لا يعرف كيف يخطوّ للأمام ولا يعلم كيف يُسمع صوته، كل ما يعرفه أنه لابد وأن يكون راضخ وتابع لكي يتابع ما يجري من أحداث ويواكبها بعيون وعقول غيره!
هناك يدٌّ تلوح بالبقاء وأخرى تُمدّ للأعناق، هناك صراخ من أجل الهروب، عيون دامعة تودع الأحباب ... أبواب تغلق قبل حلول المساء ... أذان مترقبة تنصت يمينًا وشمالاً ... عقول مرهقة وأفواه مُكممة ... هنالك صوت خافت وكأن به رعشة الخوف ينادي من بعيد بالنجاة ... لغة تنشأ من اختلاط الحروف .. هنالك كيان عراقي يُبنى على الأنقاض والمخلفات ... هنالك أرضًا يطالها الجراد ... الأحداث والمناسبات التي فيه وكأنها مآتم مُقامة على الدوام ... المال يُسرق ليوزع للغرباء وأيادي تصافح من تحت الطاولات... مراهنات، مزايدات، منافسات، صراعات، تقسيمات، تزييف للحقائق، تحريف التاريخ، تعصب، تطرف، تحولات خطيرة، العبث بالتسميات وتحويرها، سلب الكرامة .... كل هذا وغيره موجود في المغارة المنسية، التي فقط الغروب عنوانها والضياع مسكنها.

كثر الحديث وقل الفعل! جملة تناقضات، ظهور أنماط متأثرة بالبيئة تجد في التعايش والتفاهم صعوبة بالغة وعدم تكييف، أنماط لا تقبل بغير ما مرسوم في دائرة أفكارها وما مخطط في عقولها وما موجود في واقعها المحصور، أنها لا تستقبل ما يخدم وما يُنمي بل تبث ما يحطم!

ما زالت الدائرة نفسها منذ أعوام كما هي والكل يدور في فلكها، وكأن الحياة محصورة من ضمنها أو ربما من يتخطاها سوف يتوه ولا يعرف العودة إليها، أنها الدائرة ذاتها لا تغيير مسهّا ولو طفيفًا وكأن حدودها صنعت من فولاذ يصعب تجاوزه! ما زالت الأفكار تنسخ وتُعاد والنتيجة غائبة ومجهولة وملغية ... الحماس الأعمى يلهبهم ومع الوقت يخمدون ويعودون إلى الركود! تمضي الحياة بالأشخاص أنفسهم وأفكارهم ذاتها تنتهج نفس القالب والمضمون! وهذه هي المشكلة التي تعاني منها الأكثرية وهي العيش في ظلال أفكارهم وزمانهم وعمرهم، والزمن من حولهم يدور وهم عن الوعي غائبين وفي سبات مستديم، السنين تتقدم بهم وانقسامهم الواحد ضد الآخر يزداد ويكبر وكأنهم يربون وحشًا يلتهّم من يأتي في طريقه بدون رحمة.

الصراعات الدائمة نتيجتها إلغاء وتهميش، أنها السياسة العقيمة المنتهجة من أجل مصالح وغايات. والمجتمع العراقي بحاجة إلى وخزة ضمير من أجل أن يستفيق وينهض للحياة، السبات الذي هو فيه لسنين طويلة نتيجته هو بسبب كونه لا يقبل على التجديد ولا يرضي بغير ما هو موجود في حدود فكر غيره، أنه خائف ومتردد من الإقدام خوفًا من الفشل والمنافسة! تلك الأفكار التي كانت في زمن ما زالت تعيش وتتكاثر نحو الاسوء والسيئ، وهذا واضح مما هي الأمور والأوضاع تؤل إليه في البلد.

كل من أعطى لنفسه المسؤولية لابد وإن يحرك دوامة أفكاره باستمرار من أجل استمرارية دائمة ومواكبة الحدث بنتائج إيجابية، لابد من دراسة الواقع كما هو في لحظته من أجل مستقبل أفضل وأنضج وأوضح ومن أجل النجاة والفرج من المصائب التي البعض بعيدين عنها وآخرين من يقعون في مصيدتها.

أليس من حق العراقي أن يحلم حتى وإن كان مستحيلا، المهم أنه يبادر بالمحاولة من أجل أن يلمس ويعيش لحظات يتمناها في الواقع المرير؟!

الجمعة، 10 يناير 2014

وهمسّ لها همسةٍ صغيرة في قلبهِ - سهى بطرس قوجا

وهمسّ لها همسةٍ صغيرة في قلبهِ


سهى بطرس قوجا
الهمسات وما أجملها حينما تكون رقيقة وتهمس في أذان أرقّ، يبتسم لها القلب والعين قبل الشفتين ويطرب لها قلب هامسها.
نزلت دمعتهِ حينما رحلّ للذكريات وتخطىّ برجلهِ عتبتها، ليقع بصرهِ على جنتهِ التي كانت لهُ في زمانًا ما! دخل ورآها وهي ما زالت طفلة بريئة مثلما عهدها، فرح وتملكتهُ سعادة كادت أن تفجر كيانهِ، شاعرًا برغبة حين يصل إليها أن يطير بها للأعالي كعصفوران في ربيع زاهيّ.

تقدم خطوة تلوّ الأخرى إلى حيث كانا يجلسان معًا على نفس المقعد الخشبي بالحديقة ليجلس بقربها ويتنفس عطرها الممزوج بأنفاسها، وما أن لامس يدها حتى فاقّ على واقع أنهُ يلامسّ ربيع ذكراها الذي ما يزال يحيا في أعماقهِ! 

جلس وتأمل في أغصان الأشجار المُلامسة لفضاء الحياة وهي حاملةٍ أوراقها بكل ثقلها غير مُبالية بتقلبات الطقس، ثم نظر لنفسهِ وهو جالس تحت ظلها على مقعدهِ يستمتع باللحن الفريد الذي تعزفهُ وهي تتطاير في الهواء واحدة تلامس الأخرى وتتمايل. ترأى لهُ هذا وذكرهُ بمحبوبتهِ عندما كان يلمحها وهي آتية نحوهُ بكامل أناقتها وجاذبيتها ومشيتها، تتمايل بخصرها النحيل وفي عينيها تخبئ أجمل الكلام لهُ والفرحة تملئ قلبها في لقائهِ.
وهنا بدأ همسهُ لها في قلبهِ، تلك المعزوفة الصادرة من أوراق الشجر مُجتمعةٍ جعلت روحهُ تُحلق لأبعدّ من الغيم المتواجد في السماء، وجعلتهُ يكتب لها على الأوراق المُتناثرة أجمل الكلام وأعذبهُ، ومن ثم يبعثها مع نسيمات الهواء الهابة لتسافر إليها وتلبي نداءهُ بالحضور إليهِ بين أحضانهِ، قائلا فيها:
إلى طفلة عابثة ما تزال تحنُّ إلى دميتها وألوانها وكراريسها، ماذا أقول فيك، فالكلام لن ينتهي لأنني أنا لم أنتهي من الحياة بعد؟! هل أقول أنهُ جنون أم عين لا تبصرّ في الكون سواكِ؟! كيف بسمائي وأنا لا أبصرك تحتها، وكيف بقيثارتي وهي خرساء من دون أناملك، كيف بالليل وهو شديد السواد، وكيف بزهرتي وقد جفّ عطرها بعدم رؤيتك، وكيف بهذهِ الروح من دونك في هذه الحياة؟! عيني تبحث عنك هنا وهناك وتسأل أين جنتي؟!
ماذا أقول لك وكيف أبدأ حديثي عنكِ وكيف أصفكِ وأصف ما اعتراني؟! عندما لمحتك للوهلة الأولى وأنتي قادمة نحوي، شعور غريب تملكني وأخترق ثنايا روحي، جعل نبضي يضطرب ودقات قلبي تتراقص وتثور كما تتراقص قطرات المطر على الأرض ثائرة، وكما تتصادم الغيوم في السماء وتصدر صاعقتها. عزفتي على أوتار قلبي بخفة خطواتك أجمل نغمات الحبّ، وجعلتي جبروتي يهتز ويضعف أمام من هي أرقّ من النسمة، كم تمنيتك في لياليَّ نجمة مضيئة وفي دروبي رفيقة وفي عروقي دفؤك يسريّ!
أحببتُ الجلوس في حضرتك، أمشي خطواتي حيث مشت خطواتك في الشارع الذي طالما شهد أجمل اللحظات التي لا يمكن أن تتكرر بتصوري! أنظر للمصباح المضاء فيهِ علني أجدّ ملامح وجهك في نورهِ، أبحث عن عنوانك في الأزقة علني ألمحَّ حرف اسمك مكتوب حيث نقشتهُ. قلبي في دوامة وقلق وخائف يبحث عنكِ في برد الليالي، لا أعرف كيف أصف هذا الشعور الذي أنا خلف قضبانهِ حائر! أريدكُ في سنيني ولكن لا أجد أراضيكِ حتى أصل إليها واستوطنها وأكون بكِ ومعكِ وبقربكِ اليوم وغدٍ وكل يوم. أنهض في صباحي باكرًا ربما أجدُّ في شروق الشمس وجودكِ، وفي دفئها حضنكِ، ولكن الانتظار يُحيلني للغروب حتى أبعث مع خيوطها التي تجمعها بعد ساعات طوال من الضياء المُشرق مكتوبي ربما يصلك وتردين عليه بجواب يُهدأ هذا النبض.
حائرٌ أنا ماذا أقول بعد! كتبت على الأوراق المُبعثرة هنا وهناك الكثير من الكلام المستعجل الذي يغمرني بالحنين، وهذه آخر ما سأبوح به ولكن على جذع الشجر لكي يبقى حتى متى جئت تزورين المكان تقرأين ما كتبهُ قلب متيم بروح لن تتكرر ولن يكون لها مثيل في الكون أجمعهُ:" أتذكر كيف كانت الشمس تشرق على خصلات شعرك لتزيدهُ ألقًا على ألق، فيؤلمني مرور الوقت دون وجودكِ، أسمع صوت خافت ينادي باسمك، فأدرك أنهُ صوت اشتياقي لكِ، أنا هنا في جنتنا انتظرتك كثيرًا لكي تتهلهل روحي بكِ ولكن طال الانتظار، وهذا الكون بكل ما فيهِ هو أنتِ فقط، أنتِ وحدها من تغلغلت إلى أعماق أعماقي، أنتِ وحدك تبقين أغلىّ من الروح لذاتي".
الحبّ لا يحتاج فقط إلى كيانين ليمثلاه بلْ إلى روحين تتحدان لتنطق بأسمىّ معانيهِ! وضباب الحياة القادم من الإنسان نفسهُ يجعل الكثير من الأشياء الجميلة في الحياة تكون مُستترة وفي مهب الريح، كالمحبة والاشتياق اللذان لا تعرف عمقها ألا ساعة الفراق والفراغ الحاصل بعدها. لكن تبقى الحياة سامية وراقية بالمحبة التي هي أساس كل شيءٍ جميل في الحياة.
__._,_.

الثلاثاء، 10 سبتمبر 2013

الشتائم حيلة المُفلس - سهى بطرس قوجا

الشتائم حيلة المُفلس

سهى بطرس قوجا
معظم الأمور في الحياة لا تسير دومًا على وتيرة واحدة، لابد لها من الخروج عن مسارها الذي قد يكون غير ملائم للملائم لها وبالعكس.
الاختلاف: وهل من الممكن أن تكون الحياة مستمرة بطبيعتها بدونهِ؟! بالتأكيد لاء، لأن لولا هذا الاختلاف على أرض الواقع لمْا كنت أنا وأنت وهو وهي كلٌ على موضعهِ اليوم، بغض النظر عن مستواه وعن الظروف التي قد تتداخل وتتشابك لتكون في الواقع وتأتي بنتائج عكسية ليس كما يُراد لها ... أليس كذلك؟! فالاختلاف مثلما هو حالة سلبية وعقيمة في كثير من الأحيان ولكن بالنظر لجانبهِ الآخر فأنهُ يحمل الكثير من الايجابيات والحلول التي من الممكن أن تعطي الحافز للوصول إلى الأفضل والأمثل في حالة ما إذا فهم على هذا الأساس وليس غيرهُ ..... كيف؟

طبعًا تركيبة كل إنسان تختلف عن الآخر وبالتالي فأن الأفكار لا يمكن أن تتلاقىّ بنسبة كاملة بدون تبادل وجهات النظر وتقبل الآراء مهما كان تباين اختلافها ومناقشتها على أسس سليمة وبناءة وواعية. فبين رأيٌ ورأيًا آخر هنالك نقطة اختلاف فيها تقارب وتباعد في ملعبها، وبين أن تكون مُعارض وموافق هنالك مبدأ وقضية للتداول والنقاش فيها على أسس ثقافية سليمة وموضوعية بحتة بعيدة عن الشخصنة والاتهامات والاهانات والتراشق بالكلمات باختلاف مُسمياتها، وتحجيم لكل ما هو ماثل.
ولكن نشهد ونلاحظ ونسمع بمُجرد ما يثير موضوع معين يخص قضية ما في مجتمع أو بلد ما، أن تلك النقاشات المُتداولة فيهِ قد ذهبت لأبعدّ من حدودها القريبة وخلفت الكثير من الرواسب والانطباعات السلبية مع الكثير من التوتر والحدية والتفرقة والتخاصم وتغيير معالم اللغة والشخصية والسلوك، مع إعطاء الكلمات حروفًا غير حروفها المعهودة وألوان غير ما هو ظاهر ومعلوم لها في واقعها! حوارات ومناقشات يلبسها الكثير من العنف الفكري المتوتر المتولد في ذات الشخص نفسهُ، ومُتخذة شكلاً ومنحىّ آخر بعيد تمامًا عن مضمونها الأصلي ومعناه وفي مُحاولةٍ لإقصاء الآخر واعتبار كل واحدٍ أن رأيهِ هو الصائب والأمثل! هنالك تعصب وتعنّد وتزمت في الرأي والفكرة ومحاصرتها ضمن حدود يتمنىّ لها أن تكون فقط، مع العلم طبعًا أن هكذا فكر مُحاور هو مُدرك تماما لحجم ومردود كلامهِ في واقعهِ، ولكن يضع نفسهُ في خانةٍ هو من يريد لهّا أن تكون من أجل أن تخدم ما يرغب به هو وغيرهُ وما الحاصل منها لاحقًا!
والمُتتبع لكل ما يجري على الساحة اليوم، يلاحظ هنالك انحياز وتأييد وتعصب أعمىّ إلى جهة دون أخرى! هنا لا نشخص أحدًا بذاتهِ ولكن كحالة عامة أصبحت ماثلة في الواقع وتخلف الكثير من السلبيات من اهانة وتجريح بالكلام وانفعال وشتائم وإطلاق كلمات نابذة وتصغير الآخر، مُفتقرين بهذا إلى أقل أساليب التواصل وهم من ينشدونهُ! هذا الأسلوب المشين من البعض هو ما جعلني استغرب منهُ وأتسأل: كيف أن أصحاب قضية يؤمنون بحقيقتها ووجودها ويدافعون عنها، ينجرفون لينزلقوا إلى القاع الذي هم يحاولون الفرار منهُ!
في أي نقاش مُتداول يخص قضية ما، نلاحظ خروج الموضوع عن مضمونهِ ومستواه وفكرتهِ ليصل إلى شخص كاتبهِ حتى بدون أن يكون هنالك استيعاب كامل بمحتواه، بسبب كون أفكارهم وآرائهم حبيسة تعصبهم الأعمىّ! يحولون ساحة الحوار إلى مسرح ذات عرض صاخب يشمل ممثلين حقيقيين وآخرين زائفين وبنصوص يتيمة! في محاولة لإظهار الضغائن الشخصية واستفزازات ومُشاجرات ومشادات كلامية عنيفة وفقيرة، وبيان أي واحد هو الأسرع في جرّ الحبل إلى مرماه! ولكن الاستغراب أكثر يكون حينما تجدهم في موضع ثاني يرددون العبارة الشهيرة لــ غاندي:" الاختلاف في الرأي لا يفسدّ للودّ قضية" وهم للفساد زارعين وللحقد والتفرقة حاصدين! لا نعلم لمن يكتبوها ولما يرددوها ولما يلبسون القناع إذا كان ودّهم قائم!
اختلف في الرأي وأبديّ رأيك وفكرتك ولكن لا تحاصر الفكرة ضمن حدود فكرك أنتَ فقط، بل دعها تنطلق وتأخذ موقعها من الأفكار الأخرى لتتقابل ولتعرف وتتعرف على مكمنْ الخلل أين، هذا إن كان يوجد هنالك اقتناع أصلا وإيمان بما أنت تسعى إليهِ!
نحن بحاجة إلى تعلم ثقافة الحوار الراقي، ثقافة تكون مولودة الفكر النيرّ بدون انحياز وبدون فرض شيءٍ على شيءٍ آخر، وبدون أن الغي وجود الآخر من أجل أن أثبت وجودي الذي لا يكون من دون هذا الآخر الذي تحاول إقصاءه بشتى الأساليب وشراء الذمم مقابل حفنة من المال التي حينما تحصل عليها تستصغر نفسك بها وتجعلها مُهانة وأنت لا تعلم يا عالم، جعلت نفسك مملوكة وخادمة للمال!
سهلا هو جدًا أن تقلل من شأن الآخر.
سهلاً هو أن تتهم الآخر وترشقهُ بمختلف كلمات الإتهام.
سهلاً هو أن تحجم الآخر حسب نظرتك الضيقة.
وسهلاً هو أن تشتم الآخر بكلمات تدل على تركيبة شخصيتك وكيانك وبيئتك أولاً.
ولكن كنْ على يقين تام أنك في حالة إفلاس دائم وفقر ذاتي، تعيش في فراغ فكري لا أساس ولا مبدأ لهُ ولا قضية للتداول والبحث فيها! تعلم ثقافة الحوار لكي تصل إلى مصافيّ الرقيّ، وأعلم أن الاختلاف واردّ ولكن ليكن بمحبة.

الأحد، 18 أغسطس 2013

حياة التحدي والخطوة الأسبق - سهى بطرس قوجا سهى بطرس قوجا

حياة التحدي والخطوة الأسبق
سهى بطرس قوجا

هل يستحق كل ما في الحياة من أشياء فانية كل هذا العناء والعبور الغير مُجدي وسحق الآخرين؟! هل تستحق الإخفاقات التي تعترضك أن تنحني من أجل أمور أخرى؟! هل تستحق روحك وجسدك أن تهلكها من أجل الكثير مما أنتَ تلهث خلفهُ؟! ألا تعلم أن ذاتك وتفكيرك وعقلك والآخر لهم نصيب في كأسك، النصف بالنصف؟! كم مرة عشت الإحباط وكم من مرة عشت الكبرياء والعناد والتعود؟! كم من مرة نظرت لنصف كأسك الفارغ ولم تكلف بصرك مُجرد النظر للنصف المليء؟! لأنك تريد وتريد بدون كفاية واكتفاء بالشيءٍ، تتصارع وتتنافس مع زمانك ويومك وحياتك ومع الإنسان مثالك بدون أن تعرف أن الحياة غالبًا ما تلوح بالوداع فجأة على غير ميعاد!
بالتأكيد تُدرك أن الحياة تحمل الوجهين مثلما كل شيء موجود فيها هو أثنين، لكنها تبقى الحياة والإنسان فيها قد يكون مُخير أو مُسير لعيش وجوهها .... كيف؟!
ضغوط الحياة والإنسان نفسهُ توصل مثيلهُ إلى حدٍ لا يستطيع تخطيه مثلما وصل إليه عندما كان في حالة يأس أو ضياع! (مُخير) عندما يكون بكامل إرادتهِ واقف على أرضهِ بكل ثقة وثبات ويعرف كيف يمشي خطواتهِ واحدةٍ تلوّ الأخرى ويستطيع أن يعطي لكل شيءٍ حقهُ وبالتأكيد نفسهُ أولاً، بمعنى يكون مُتوازن في قراراته وعملهِ وعطاءه وبذلهِ وسعيهِ، وهذا اعتقد هو صعب إن لم نقل نادر، لأن الورد غالبًا ما تخدشهُ الأشواك. و ( مُسير) عندما يسمح للآخر أن يُمليّ عليه ما يريدهُ هو (مسلوب الإرادة)، يعيش عدم المبالاة وعدم الاكتراث وينظر للأمور بسطحية غير معهودة، أنهُ يهمل ذاتهُ ويجد خطواتهِ قد ساقتهُ إلى مُفترق طرق لا يعرف أيهما يسلك، أنهُ يجدّ نفسهُ أسفل الجبل ولا يعرف هل يتسلقهُ أم يبقى حيث هو؟!
إنسان اليوم في ظل ما يصادفهُ من: فقدان العزيمة وتجرع كأس الفشل وفقدان ذخيرة الغد والعيش في وهمّ مُستديم والانغلاق على الذات والاستسلام والوقوع في فخاخ الهزيمة والنظر في اتجاه واحدٍ، جعلت حياتهُ تصبح باهتة يعتريها الكثير من الضباب! حياتهِ أصبحت حياة مادية، حياة المصالح، حياة الفردية، حياة البرمجة، حياة الأنانية والاستحواذ، حياة المنافسة والصراع، حياة أن أكون أنا بدون الآخر، حياة التراجع للوراء خطوات بدون تكلفة عناء المحاولة، حياة أن أدوس على الآخر واعبرهُ بكل ما أوتيّ من قوة غير مُكترث بالنتائج. أنها حياة جعلت معظم البشر تضيع مع التحدي والتسابق إضافة إلى التغيير المُستمر الذي لبسّ إنسان اليوم سواء كان بإدراك أو بدونهِ! بمعنى أقرب جعلت العقول والقلوب في حالة برمجة دائمة تلغيّ كل ما هو مخزون على السريع لتُقبل على الجديد الوقتي.
الحياة في امتداد والتفكير فيها مُتواصل، كل واحدٍ منا تشدهُ مشاغلهُ ومشاكلهِ اليومية من العمل وضيق المعيشة وسرعة عجلة الحياة ومُتطلباتها الأسرع وصعوباتها التي لا تعرف حدٍ، مما جعلت إنسان اليوم في حيرة وتحدي مع نفسهِ ومن ثم مع الآخرين. وأعلم أن الحياة عثرات وتعثرات ولكن بالمقابل لديك قدمين وعقل تستطيع من خلالهما أن تنهض وتواصل وتصل إلى ما تريد، لا نقل بنسبة 100% ولكن المحاولة تمنحك الفرصة لتكمل كأسك بكاملهِ وتستطيب بما يحتويه، فالقمر لا ينير بدون الشمس، والشجر لا يزهر بدون المطر، والسعادة لن تشعر بها بدون الحزن، والدموع لن تعرف مذاقها ما لم تذقّ الألم والفرح في ذات الوقت.
كل شيءٍ في الحياة، الإنسان من يكون صانعهُ بنسبةٍ. ولو أخذنا كيسًا بغض النظر عن حجمهِ وحاولنا تعبئتهِ بأي حاجة، من المؤكد سوف لن يتحمل ويتشقق في أحد جوانبهِ، تمامًا كالبالون الذي تحاول جاهدًا النفخ فيه ليصل إلى أكبر حجم ممكن! هكذا الإنسان كذلك كلما كان الضغط عليه في تزايد سوف لن يتحمل وينفجر ويصل لحالة صعبٌ فيها أن يعود كما كان! فدعّ الكأس وتنعم بالحياة قليلاً، ودعّ أعباء الحياة ومشاكلها لبعض الوقت ولا تتصارع وتتحدى لتصل إلى وقت لا ينفع فيه التحدي والمواصلة مع نفسك.
عش الحياة بثقلها نعم ولكن لا تزيدها ثقل على ثقل، وأعط لنفسك الحق في أن تنعم ببعض الوقت في هدوء وراحة، فالأعباء والمشاكل مستمرة ولكن إياك أن تتسابق معها وتفكر في تحديها، كون ليس كل شيءٍ ينفع معهُ التحديّ، الاعتدال مطلوب وكذلك الاتزان والتنظيم والتحكم في حياتك ووقتك مطلوبان، ولكل شيءٍ مقدارهُ ولكل حادثًا حديث فلا تزيد أو تنقص من مقدارهما لكي لا تذوق الصدمة والاختلاف بعد ذلك.

الاثنين، 1 يوليو 2013

الرضوخ بين الممكن والمستحيل - سهى بطرس قوجا

الرضوخ بين الممكن والمستحيل
سهى بطرس قوجا 

ما بين الممكن والمستحيل يكون هنالك واقف بينهما على أرض تدور به، في ذهول ودهشة لا يعرف هل يترك الممكن ويقبل على المستحيل ويسكنهُ والذي ربما قد يتعارض معهُ لاحقا، أم يبقى في الممكن الذي ربما بتصوره سيضيعهُ في واقع لا يحبذهُ، مُرغمًا؟! في الحالتين أنها حيرة بالنسبة لهُ وقرار صعب الاتخاذ في الاقتراب والتأمل والمثول أمام ما يريد، أنهُ كمثل بندول الساعة في ذهاب وإياب في نفس النقطة مُتمركز، لكن الدقائق والساعات تمضي به في الأيام وفي طرقات السنين لتأخذ من القادم وتضيف على ما هو ماضي!

والحياة مُستمرة تأتي بجديدها وتأخذ القديم وهو في القديم ساكن، فيا ترى هل لذلك القديم من ولادة؟! هل لهُ حياة سوف تتجدد مع كل برعم زهرة تتفتح في ربيع سنة جديدة؟! يتأمل فيما يسكن مُخيلتهِ كثيرًا ويتمناه أن يكون في واقعهِ واقع، ولكن أين لذلك الواقع من مثول؟! يقول بينهُ وبين نفسهِ: كم أنا بحاجة إلى فنجان قهوة ليفيقني من الدوامة التي أدور في رحاها، أنها ترفعني من أرضي وتهزّ تماسكي لتأخذني في طريقها حيث هي مسافرة؟!

ثم يردف ويكمل حديثهُ قائلا: أنا بتصوري أجدهُ مُمكنًا ولكن مستحيل أن يكون! كيف ليَّ أن أرضخ لمستحيل أنا من صنعتهُ ودعيتهُ للحضور في عمري؟! كيف ليّ أن أزيح تراكمات ترسبتْ في سنين حسبت من عمري ولكن لم أحس بها؟! كيف ليَّ أن أودعّ حياة عشتها بقليل من الإرغام وعدم الاختيار ولكن فيها من لا يستحق الترك وأصبح جزء من جسدي؟! كيف أعيش سعادة أتذوقها لأول مرة وأحس بطعمها وأعلم أنها في حياتي صعب أن تتكرر ومستحيل أن تكون؟! كيف لملفات طواها الزمان أن تُفتح ويقرأ ما فيها وتصحح ربما؟! كيف بحياة طالما رغبت أن تكون من نصيب إنسان حيّ؟! كيف برحيق زهرة لازم الأنفاس وأحيياها في فترة كان الجسد ينحني من أجلها؟! كيف بأوراق الشجر التي كنت أجلس تحت ظلها وهي تعزف سمفونية موسيقية من مداعبة نسمات الهواء لها؟! كيف بزخات المطر التي كانت تتساقط على الوجه وتغسلهُ لتفيقهُ من أحلام صبيانية جميلة؟! كيف بتلك المشية الطاووسية بكامل أناقتها، قوية يصعب كسرها وبنظرات ساحرة توحيّ بالجاذبية؟! كيف بزقزقة العصافير وهي تبشر بقدومها؟! (كيف) كلمة لن تنتهي من بداية كل التساؤلات التي تدور في المخيلة!

غالبًا ما تأتي الأشياء الجميلة على غير ميعاد، وبين أشخاص لا موعد يجمعهما، وفي زمن مُحدد ليس لها، وعمر معين صعب فيها أن تتحقق أو تتكرر. أنها حيرة حينما يُكبل التفكير الإنسان ويمنعهُ أن يواصل المسير بخطىّ ثابتة نحو ما ينشدهُ وما يتمناه، يريد ويرغب ولكن حين يتأمل ويفكر في حياتهِ وفي الحياة بمجملها ومن يشاركهُ فيها يجدهُ مستحيل المنّال! فلا يستطيع التراجع عنهُ أو المثول لهُ، هنالك ما هو مستحيل يحيل بينهما يمنعهما من التواصل أو العبور للممكن مما يجعلهُ في حالة ما يسعى للرضوخ لأحدهما! والرضوخ حينما يفرض نفسهُ أو ربما تستدعيه الحاجة للحضور لا حدود تحدهُ، كون الظروف، الأشخاص، الأحداث، الوقائع، الزمن، جميعها لا تسمح بغير هذا، الرضوخ والقبول بالأمر الواقع وعيشهِ ربما مُتواصلاً.

هناك الواقع الذي لا يمكن تغييرهُ، واقع مهما حاولت فيهِ فإنهُ يبقى في النهاية واجب الاستسلام إليهِ ومعايشتهِ، ليس عجزًا أو خضوع ولكنهُ الرضوخ لأمر من المستحيل أن يكون ممكنًا، بحيث يجعلك تشعر عندما تكون ماثل أمامهُ أنك تستصغر نفسك وتهينها ولكن الحقيقة غير ذلك، أنهُ أمر لابدّ منهُ ولا حل يكون وقتها غير الرضاء به وتصحيح النظرة إليهِ لكي تراهُ من زاوية أخرى تتأقلم عليها وتحبذها. وأعلم بأنها مشكلة حينما تصبح حائر بين حلم لا يكتمل وواقع لا يحتمل ولا يتحقق، ولكنها تبقى الحياة وهي تعزف سيمفونيتها في حضور ساكنيها.

الاثنين، 10 يونيو 2013

طعمّ كلماتك بالسُكر - سهى بطرس قوجا

طعمّ كلماتك بالسُكر - سهى بطرس قوجا
سهى بطرس قوجا

كانت مُتزمتة في رأيها بعض الشيء وحادة وقاسية في كلامها مع طلابها، وتعاملهم بخشونة غير معهودة، وكلما كانت تدخل للصف لتُعطي الحصة الدراسية لطلابها، ينزعجون ولا يبالون ولا يعطون لشرحها أهمية! فما كان منها ألا مُعاقبتهم وشكوتهم إلى المدير! هكذا كان أسلوب المعلمة مع طلابها، وهذا كان سبب انزعاجهم منها وعدم محبتهم لمادتها.

وهذه حالة أخر: نشب جدال عقيم بين زوج وزوجتهِ لدرجة أن كادّ يصل الحال بهم إلى الطلاق والانفصال! الزوج مُصمم على رأيهِ ولا يتنازل، والزوجة تؤكد رأيها الأخرى ولا تقبل بغيرهِ؟! ترى ما الحل وكيف السبيل للتوافق بين رأيهما وإفهامهما بضرورة النظر في الموضوع من جوانب أخرى؟! في هذه الأثناء وصلت أم الزوج في زيارة لهما، وعلمت بالمشكلة والجدال القائم بينهما، فما كان من الأم ألا التحدث إلى كليهما في المشكلة، كلُ واحدٍ على إنفراد لتهدئتهم، ومن ثم تجمعهم، وبالفعل هذا ما فعلتهُ!

تحدثت مع الاثنين وعرفت أين مكمنْ المُشكلة واستطاعت برزانتها إخماد نيران ثورتهما، وأكدت للأثنين أن وجهة نظرهما صحيحة ولكنهما لا يُعطيان مجال وفرصة لبعضيهما للتفاهم ولألتقاء الأفكار والاتفاق على حل! تحدثتْ معهما بأسلوب لطيف وكلمات جميلة تدخل القلب وتُهدئ النفوس! فأصلحت بين الزوجين الثائرين، وجعلتهما بكلماتها الهادئة والرقيقة، أن يعرفا أن يكمنْ الخلل في مشكلتهما؟!

هكذا هو وقعّ الكلمة الطيبة، هي كالبذرة الجيدة والصالحة أينما تقع تُثمر! والحياة هي الحياة مليئة بالهموم والمشاكل، وهي واقع يعيشهُ الإنسان ومن الطبيعي أن يصطدم بها في دروبها بالكثير، هو زمن نعيشهُ يكثر فيهِ الضجيج الصاخب والمتاعب، وبين هذا الجو المشحون بالتوتر والضغوطات، تحل الكلمة الطيبة في النفس لتطربها وتزيل عنها غبار الزمن المُثقل بما يحملهُ من هموم، لا ننسىّ أيضًا الابتسامة التي تُضفي روحية على الروح وتنعشها وتنُقيها.

والحياة والإنسان لا يستحق من غيره من الإنسان الكثير من الحوارات والتداخلات الغير المُجدية واليتيمة والقاسية والمُتشنجة، الحياة أبسّط من ذلك بكثير إذا عرف الإنسان بحق كيف يجعلها بسيطة وجميلة مثلما هي! لكن لو ألقينا نظرة حولنْا في كل ما يجري، نجدّ في أغلب تعاملات البشر أن الكلمة الطيبة تكون غائبة أو شبه غائبة، كون في أغلب كلام البعض نجّد كلماتهم تكون شاحبة، بلا طعم ولا رائحة، وقعها على النفس مُرّ، تُؤلم، تُصدم، ذابلة بلا حياة، رغم نطقها ألا أنها تبدو خرساء! لا نعرف هل الحياة بتقلباتها هي من تفرض هذا، أم الواقع هو من يُجبر الفرد على ذلك، أم إن الإنسان باتْ غريبٌ بعض الشيء في تواصلهِ الإنساني مع نفسهِ ومع الآخرين؟! أصبح لا يكترث لأي شيءٍ في الحياة ولا يُعطيها قيمتها وجوهرها المفروض الواجب أعطائها لها، لكي يكون فيها وتُعطيه بالمثل.

هنالك كم هائل من الأشياء الجميلة بداخلك أنتَ، والكلمة الطيبة أحداها، وهي كلمة تخرج من الداخل، من الأعماق، هي مولودة الفكر، مليئة بالحب والتسامح والاحترام والتواصل والنوايا الحسنة، النابعّ من ذات الإنسان لنفسهِ ويعكسهُ على الآخرين.

طعمّ إذن كلماتك الخارجة من فوكَ بالسُكرِ ودعّ الآخرين يرتشفها ويستمتع بعذوبة طعمها يسريّ في الداخل ويستأنس ويُطربّ لها. ولا يوجد أجمل من الكلمة الصادقة المُتسللة بكل شفافية معانيها إلى أغوار النفس لتستقر فيها وتُرقيها، وهي لا تكلف شيئًا لكن ثمارها أعمّ وأكبر، مما تكون أنتَ نفسكَ سببًا في التقدم والرقيَّ والسموّ بالذات الإنسانية ومن ثم الإبداع والتواصل مع الآخرين. وتبقى الكلمة الطيبة هي كالبلسّم الموضوع على الجرح، تُطيبهُ وتُشفيه، وتبقى على طول الدهرّ مُتاحة وتأثيرها فعال.

الثلاثاء، 28 مايو 2013

العمل القومي الصائب هو الأساس لخطوات مستقبلية ناجحة -سهى بطرس قوجا

العمل القومي الصائب هو الأساس لخطوات مستقبلية ناجحة 
- المؤتمر القومي الكلداني العام نموذجًا 

سهى بطرس قوجا 

المؤتمر القومي الكلداني العام الذي أقيم في ولاية مشيغان من قبل الأخوة في المنبر الديمقراطي الكلداني الموحد رأيناهُ فعلاً عرسًا مُهيبًا بكل المقاييس وبكل ما كان يحملهُ من وقار وعمل جماعي مُثمر وساعيّ نحو كل ما هو بانيّ، من يوم ما ابتدأ في 15 أيار ولغاية اليوم الأخير منهُ في 19 - 2013. حضور مشرف ومشاركات فعالة وحية تخللت أيام المؤتمر رفعت اسم الكلدان للأعالي كما هو دائمًا، أجواء كانت مُفعمة بالفرحة والإخوة وبالابتسامات التي كانت تُقابل الآخر مهما كان.
كان الهدف الأول للمؤتمر والمؤتمرين هو الوحدة كما جاء في الشعار الذي من أجله انعقد المؤتمر ( وحدتنا ضمان لنيل حقوقنا القومية والوطنية)، وحدة الفكر، وحدة الرأي، وحدة الكلمة، وحدة العمل والجهد، وحدة الصف، وحدة الخطاب، هكذا يكون العمل والغاية التي من أجلها يسعى لها والهدف في الطريق الصائب وبخطى ثابتة وبنيان شامخ يحمل في أعلاه راية الحق والحقوق بالرغم من اختلاف التواجد، وأقصد ىها الأرض التي يُقام عليها العمل والتي أعتقد أنها لا تُقدم أو تُؤخر في بزوغ فجر يوم جديد يحمل كل ما من شأنهِ أن يُعطي للعمل أو الجهد المبذول الواعز والدافع لكي يستمر ويأتي بثمار تبهج القلوب قبل الجيوب، وهذا ما يرمي إليهِ كل من يعطي لأرثهِ بتنوعهِ المقام الأول. 
خلال تواجدنا في المؤتمر القومي الكلداني الموحد ومن ضمن هيئة قيادة المؤتمر، بالتأكيد كان أول حضور ليّ لمؤتمر، التمست من عمل الإخوة فيهِ كيف أنهم جميعا يدٍ واحدة وفكر واحدٍ متقد وعين وقلب واحد، واحدًا يتسابق مع الثاني من أجل أداء الخدمة المناطة به على أسس ديمقراطية مُستوحاة من عملهم الأخوي والجماعي المبني على أسس آتية من أرثهم الثقافي والحضاري ككلدان حقيقيين مُحافظين على قوميتهم ولغتهم واسمهم ورسالتهم وتجددهم وأصالتهم التي هي باقية وستستمر مدىّ الدهور. عمل ليس محصورًا فقط من أجلهم بل من أجل الآخر على أساس منهجي بعيد عن الانتقاد والتجاذب والتطرف والتعصب، عمل مبني على الاحترام والثقة بتحقيق الشيءٍ وفعلا كان كذلك جنوا ثمار شهور من التعب والتحضيرات خلال شهور خلتْ بما أنجزوا بانفتاحهم واتفاقهم على تشكيل وانبثاق ( ميثاق شرف اتحاد القوى السياسية الكلدانية). 

جلسات المؤتمر التي تلت الافتتاحية كانت روحيتها ديمقراطية، تخللت تقديم البحوث التي قدمت من قبل أصحاب الفكر للمناقشة فيها، من وجهات نظر وتوصيات ومقترحات سواء إن كانت تحمل السلبية أو الايجابية والانتقاد، لكنها كانت مصدر ثراء أغنت أفكار الحضور من أجل الوصول إلى عمل وجهد يكون خطوة ايجابية باتجاه مسار العمل القومي الصائب.
نعم، العمل القومي الصحيح والمشترك هو الأساس لنا نحن حاملين الرسالة إلى غدٍ ثاني، غدٍ يجعل شمس الكلدان تشرق على أرث ما زال ينبض في أرض أنبتت كل كلداني ينادي بحقهِ ويحافظ على الواقع المُتجدد، هكذا هو أبن كل كلدان العراق يحمل الأصالة والتجدد في داخلهِ، ليس فقط في العمل بلْ في الروح التي تنبض في داخلهِ وتُحييهِ، كلداني يحمل رايتهِ في يده ويرفعها للسماء مرفرفة، مُنادية بالسلام والنقاء كالأبيض الذي يتضمنها.

نحن الكلدان مدعوون اليوم أن نكون صرحًا قويًا أمام كل من يفكر أن يوجه نظره نحو عزة وبقاء ما زالت أرض الرافدين تحيا بهما. وفي خضم كل ما هو واقع على الساحة أن نحافظ على التجدد بجانب الوحدة، نتجدد لتبقى وتكون الأصالة عنواننا كما كان الحضور في المؤتمر أصيل وشامخ بشموخ أبناء الرافدين الذين رفعوا اسم الكلدان بين أمم العالم وصدعوا به في الأذان ليسمع من هو قريب ومن هو بعيد أن هذين الوالدين الكلدانيين علموا أولادهم البذل والعطاء والمحبة والحق من أجل الآخرين قبل أنفسهم بدون حقد وضغينة وكره كأبناء موحدين كتبوا اسمهم في سفر التاريخ بمجدٍ. ويا حبذا لو تتكرر مثل هكذا مؤتمرات من أجل التجمع الواحد ومواكبة المسيرة وتصحيح مسيرها وتنمية الوعي القومي وجعلهِ في يقظة دائمًا.

وفي ختام حديثي لا يسعني ألا أن أعبرّ عن جزيل الشكر والامتنان للأخوة الأعزاء في المنبر الديمقراطي الكلداني الموحد على الجهود المبذولة النشطة والحيوية والهادفة في سبيل رسم معالم مؤتمر بالصورة المشرفة التي برزّ فيها.

الأربعاء، 22 مايو 2013

نسيم الأماكن - سهى بطرس قوجا

نسيم الأماكن - سهى بطرس قوجا
سهى بطرس قوجا
ويبقى السؤال يراودني ويتقاذف إلى مُخيلتي:" لماذا هذا الرحيل المفاجئ؟!" فلا أجد الإجابة عليه، وكل ما أفعلهُ هو الاكتفاء بالصمت وسط الألم الصارخ!". مُتألم يكلم نفسهُ ببضع كلمات حديث كان، لا يسعهُ المكان اليوم رغم وسعهِ، أنهُ ألم يهتف بما يوخزهُ ما بين الحين والآخر؟! 
شعرَ بشوق وحنين يجتاح دواخلهُ، أشعرهُ بضيق في صدرهِ وحزن وتنهدّ، لملمّ بعضهِ الذي يشتاق لبعضهِ، وبعضهُ الذي يشتاق لها، والبعض الآخر المُتبقي الذي يسكنهُ، ذاهبًا بهما للمكان الذي يحنّ لهُ دومًا ويرتاح فيهِ، أنهُ أفيونهُ الذي يغيبهُ عن حالتهِ لبعض الوقت ليعيش زمانًا كان ما يزال فيهِ يعيش حيًا!

وما بين سماء شبه رمادية وبحر رمادي مُتقاذف الأمواج، يكون هو بينهما ساكن، جالس على الصخرة التي طالما كانت زمان بالنسبة لهما الجنة التي يتقابلون بها، كانت مسكنهما المعهود. جلس ومدَّ عينيهِ للبعيد البعيد للأفق المائل إلى السواد، علْ بعض البوح يخفف مما يجتاحهُ ويزورهُ بدون استئذان! ناظرًا للموج المُتلاطم والمُتهافت على رمال الشاطئ بعينًا سارحةٍ! ترى إلى ماذا ينظر، وما الذي ينتظرهُ من هناك؟! أيأمل في عودة من غابَ بدون ميعاد؟! أيعقل أن يكون الأمل المنشود في داخلهِ؟! أم هي الحيرة في داخلهِ هي من تقودهُ؟!

أخذهُ التفكير وبعدها مدّ جسدهُ على الصخر وبسط يديهِ حدّ حدودها، مُسدلاً قدميهِ للموج، مُستسلمًا أمام البحر ليأخذه مع أصوات موجهِ إلى من يفكر بها ويقلقهُ رحيلها فجأة! ناظرًا للغيم الرمادي الراحل رويدا رويدًا مع الريح المسافر في الفضاء. نظر إليه وتمنى أن يكتب عليها شوقهُ وشجنهُ وقبلاتهِ وعناقهِ لتصلها إلى حيث هي! وأخيرًا وسط هذه الأجواء ووسط ما عزفتهُ في داخلهِ، جعلتهُ يستسلم ويسدل عينيهِ عن عالمهِ ليرحل إلى عالمها الذي يعج بداخلهِ بكل ذكرياتها، مُعانقًا عطرها، كلماتها، همساتها، لمساتها، نبرات صوتها، عتابها، جنون حبها، يتذكرها وتحل هي بأعماقهِ بكل ما يحملهُ حلولها.

ولكن بينهُ وبين نفسهِ يقول: أحلامي ضرب جنون، وجنوني لا أمل لهُ! وبينما هو يكلم نفسهِ بكلمات، حلم بسفينة عائدة بعد غياب تحمل على متنها من هم إلى الروح أقرب، رستْ على الشاطئ وهي الأخرى رستْ عند عتبة قلبهِ! فلمحها بعينيه وهي تنزل منها بخفة خطواتها وتركض إليهِ بلهفة وصوت الخلخال يرنُّ في رجلها، واصلةٍ إليهِ وماسكة يديهِ وهامسة في إذنهِ بحرارة دفء صوتها:" اشتقت لك، وعيني لم تنمُّ قريرة منذ أن فارقتك، اشتقت لكَ وقلبي لم تنتظم دقاتهِ منذ أن غادرتكَ، حياتي سادّ فيها الصخب منذ أن فارقتك عيني، اشتاق بعضي الباقي لبعضي الآخر الذي يسكنك، أنا بدونك لا أكون، ببساطة أنا أنتَ". 


صوتها الحنون بمُجردّ دخولهِ مسامعهِ لامسّ وجدانهِ وداعب روحهُ وجعل دقات قلبهِ تتضارب من تهافت نغمات صوتها عليها وشعر برغبةٍ بأن يطير بها، وشعر بالحياة تدبّ فيهِ من جديد، وشعر أن المكان لا يسعّ حجم سعادتهِ .... شعور لا ينتهي! نظر إليها نظرة عاشق ولهان وقال لها:" أنا وأنتِ لنْا ذكرى لن ننساها ما حيينا، وحتى المكان وذلك المقعد شاهد والشمس حاضرة رغم غيابها اليوم". داعبتْ الابتسامة شفتيها ولامست شغاف قلبهِ برسمتها وأراد أن يأخذها بالأحضان، ولكن ما إن حاول ذلك حتى فاق وعرف أنهُ كان على أرض الأحلام يجول ويبحث فيها عما لا يجدهُ في واقعهِ! حلم وتمنىّ ولكن أمواج البحر حققت فقط رغبتهِ على شواطئ الأحلام وتركتهُ يعيش لحظات هي كانت لهُ حياتهِ وعمرهِ الذي يتمناه!

مع الأسف كان حلم جميل زارهُ في لحظة جوع الروح! كل بقعة من تلك الأماكن التي تحمل رائحة الماضي العطرة، تحمل ذكريات موثقة سواء كان بين ثناياها وفضاءها أو في الذاكرة، كلما رحل إليها من لهُ مكان فيها أضاءت جنبات النفس واستعرضت أمامهُ ما هو مخزونًا في الذاكرة ومنقوشًا في القلب.
وتبقى بعض الأماكن نسيمها عنبر وبيلسان، لكن الانتظار فيها يُدمي! هي ذكرى، انتظار، وحدة، تفكير، همسة، عتاب، هلوسة، جنون .... الخ، هي مشاعر صادقة ووفية لأبعد حدّ مُرتبطة بالمكان الذي فيهِ شهد أجمل اللحظات وأجمل عمر وأجمل صمت وأجمل أنفاس وأجمل صوت وأجمل صدق مشاعر. ذلك المكان الذي تربىّ بين أحضان اثنين يبقى عنوان لهما يعودان إليهِ كلما هبّ الحنين وأراد أن ينتعش في داخلهما. أماكن تدقّ القلوب لتعيش فيها وتعطرها بعبق رحيقها، فللأماكن أرواح كروح من زارها ونقش فيها مكانهُ وأسكن حبهُ، وكلما حنّ واشتاق رحل إليها وجلس بين ما تحملهُ ليعيش ويعيد الأنفاس إلى النفس لتحيا. 



سهى بطرس قوجا

الأحد، 12 مايو 2013

الاسترقاق أو العبودية المعاصرة - سهى بطرس قوجا

الاسترقاق أو العبودية المعاصرة
 سهى بطرس قوجا

سؤال أساسي لم يزل بحاجة إلى الإجابة عليهِ وهو: ما مدّى مشكلة الاتجار بالبشر في العالم بالضبط؟ وما هي مدّى خطورتها مقارنة بالأخطار المحلية أو عبر الوطنية الأخرى؟
بروتوكول الأمم المتحدة الخاص بمنع وقمع ومعاقبة الأشخاص الذين يتاجرون بالبشر، وبخاصة النساء والأطفال، والمكمل لاتفاقية الجريمة المنظمة عبر الوطنية. عُرف جريمة الاتجار بالبشر بأنها: تجنيد أشخاص أو نقلهم أو تنقيلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة الاستضعاف، أو إعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر لغرض الاستغلال. ويشمل الاستغلال كحد أدنى، استغلال دعارة الغير أو سائر أشكال الاستغلال الجنسي أو السخرة أو الخدمة قسرا، أو الاسترقاق والمُمارسات الشبيهة بالرق، أو الاستعباد أو نزع الأعضاء.
تجارة الاتجار بالبشر حسب الإحصائيات الدولية تشير إلى إن أكثر الفئات استغلالا هم النساء والأطفال، بسبب غياب المسؤولية وقلة الوعي، ولأسباب قد تكون اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية، وخاصة من ظروف يعيشها هؤلاء الأشخاص كالفقر والعنف الأسري والوضع الاجتماعي والاقتصادي المتردي، والطموح عند البعض لتحقيق الغنى وتحسين الوضع الاقتصادي، وازدياد الطلب على العمالة الرخيصة في بعض البلدان، إضافة إلى الأزمات الاقتصادية التي يمر بها بلد معين أو لظروف الحروب والكوارث الطبيعية والهجرة الإجبارية، جميع هذه تدفعهم إلى الحاجة والسفر إلى المجهول، والهروب من واقعهم، وهناك يتم استغلالهم وتغريرهم.
أيضا البيئة الاجتماعية والثقافية المُتردية والعادات والتقاليد وبعض الممارسات العائلية الخاطئة بحق الفتيات والنساء الصغيرات كبيعهنْ واسترقاقهنْ أو تزويجهن إجباريًا، وغياب أحد الوالدين عن تحمل مسؤولية الأبناء، هذه مُجتمعة وغيرها أدتْ إلى هذه التجارة الخطيرة. كما إن انتشار الجريمة المنظمة والسيطرة المحدودة على الحدود أو شبه الغائبة وانتشار الشبكات والتقنيات المعلوماتية الحديثة وخاصة الانترنيت، يُساعد بشكل كبير على هذه الظاهرة ويُنميها ويزيد من توسعها. وبالتالي ضحايا الاتجار في تزايد ومنهم من يُستغل في العمل في بعض الدول لساعات طويلة وبأجور زهيدة أو بدون أجر على الإطلاق، وعادة هؤلاء يكونون من ضحايا الدول الفقيرة أو المهاجرين.
وهذه التجارة تأخذ أشكال كثيرة أهمها هي:
ــــ تجارة الدعارة.
ــــ الاتجار في الأطفال والنساء.
ــــ تجارة الأعضاء البشرية.
هذه الأشكال من الاتجار تتفرع إلى مئات الأساليب والمُمارسات وتأخذ طرق مُختلفة منها: الاتجار الذي يدخل ضمن إطار الدعارة، من خلال إيهام وتغرير الفتيات على الحصول على أعمال مناسبة وفرص زواج وسفر مقابل أجور جيدة ويتم تسفيرهنْ بطريقة شرعية إلى الدول وبعدها يتم استغلالهن في أعمال الدعارة ولإنتاج المواد الإعلامية الإباحية. أو يتم إجبارهم بالقوة لممارسة البغاء أو أي شكل من أشكال الاستغلال. وأيضا الأطفال (ومعظمهم من الفتيات) يتم استغلالهم جنسيًا، أو تجنيدهم في صفوف الجيش وهذا ما يحدث في الكثير من الدول التي تدور فوقها حروب داخلية. ويتم استغلالهم في العمل ألقسري، والعمل في مجال التسول والسرقة، واستخدامهم كقطع غيار للأغراض البشرية. أي هي تجارة بيع وشراء البشر، كما كان الإنسان قديماً يُباع. ولكن اختلاف اليوم عن العصر السابق هو الانفتاح والتطور والذي يستغل لصالح هذه التجارة لتحقيق أرباح أكثر وبأساليب مُتطورة وحديثة (تجارة العبودية المُعاصرة).
ضحايا هذه التجارة يدفعون ثمنًا باهظاً أكثر بكثير من الأرباح التي تُجنى من وراءهم، مُتمثلا في الإيذاء النفسي والروحي والجسدي والأخلاقي والاجتماعي، مُخلفا أثراً داخلهم لا يندمل، يؤثر فيهم وعلى من حولهم وفي أغلب الأحيان يتم نبذهم من قبل عائلاتهم ومُجتمعهم لسبب لا دخل لهم فيه وخارج إرادتهم، إضافة إلى الإصابة بالكثير من الأمراض. وهؤلاء الضحايا وخاصة من النساء بعد مرورهنْ بهذه التجارب يتحولنْ إلى تاجرات للبشر، كردّ وانتقام ربما من المُجتمع أو لشعور بأنهنْ ليسوا وحدهنْ المُذنبات، فيجلبنْ أخريات إلى هذا الطريق.
ظاهرة الاتجار بالبشر جريمة تهينْ كرامة الإنسان وتتعارض مع التعاليم الإلهية. وهي واحدة من الجرائم العابرة للحدود الوطنية كالجرائم الالكترونية وجرائم المعلوماتية والجرائم المنظمة، وهي توازي بخطورتها وحجمها جريمة الاتجار بالمخدرات وجريمة الاتجار بالسلاح. وهي مشكلة شائكة وكبيرة على مستوى العالم ومسؤولية اجتماعية كبرى. وتمثل انتهاك صارخ وفاضح لحقوق الإنسان وكرامتهِ، وتحتاج إلى جهد إنساني كبير وتصدي عملي، وتكاتف دولي لغلق الطرق أمام المستفيدين من ورائها، وتقليصها إلى أقصى حدّ، للتخلص من جميع آثارها ومظاهر وممارسات العبودية والعمل ألقسري الذي يرتكب بحق ضحاياها، وبحق ضحايا الاتجار بالأعضاء البشرية.
وللحّد من مدى تفشيها لابدّ من إقامة ندوات ومناقشات حول أشكالها ومسبباتها وسُبل الوقاية والحّد من أثارها وتداعياتها على الفرد والمجتمع والعالم ككُل. والوقوف بجانب الضحايا من النساء والأطفال المُتضررين وتقديم كافة سُبل العلاج النفسي والاجتماعي، مع الأخذ بعين الاعتبار التعاون مع جميع المنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني المعنية بالدفاع عن حقوق المرأة والطفل في جميع الدول، والعمل معها لتبادل المعلومات والخبرات وتقديم أفضل الطرق لحماية هؤلاء الضحايا من كافة أشكال العنف المستحدثة، والتوعية بها. والمتتبع لأشكال الممارسات التي تلحق المرأة والطفل سوف يصّدم من مختلف صور العنف المُمارس!
وأن تعالتْ الأصوات والهتافات بحقوق الإنسان، لكنها لم تعطي حقها الحقيقي في الواقع، ولم يُعامل الإنسان المُعاملة اللائقة بحقهِ كإنسان، وأحداث عصرنا خير شاهد على هذا.
وفي النهاية قيل: الذي لا يؤمن بحقوق المرأة، ينسّى إن أمهُ وأختهُ وأبنتهُ من النساء!

الجمعة، 3 مايو 2013

تأملات في الإنسان - سهى بطرس قوجا

تأملات في الإنسان
سهى بطرس قوجا 

لنتأمل قليلا في تلك الشجرة الشامخة على الأرض، أغصانها ترتفع بما يسكنها من ثمار أو زهر وأوراق في فضاء الحياة، وجذورها تمدها في باطن الأرض مُتمسكة فيها بكل قوتها. تعيش فصول الحياة الأربعة، تتحمل برد الشتاء القارص والمطر الهابط والثلج النازل بثقلهِ على أغصانها فتعيش محنتهِ بقسوة وتتحمل، ثم يأتيها الربيع بما يحملهُ من جمال خلاب ليعيد الحياة إليها وينعشها من جديد لتجدد وتُعطي وتهب ما لديها من خيرات، بعد الربيع أنهُ الصيف وشمسهِ الحارة والعطش والذبول النسبي تحضيرًا للخريف القادم أخيرًا، فيُجردها من أوراقها  ورقةٍ ورقة ذاهبة في مهب الريح، ويُعيشها ما بين الحرّ والبردّ وما بين الصمود والتحدي وما بين الرحيل والبقاء!
ولحين ذلك وما بين هذه جميعها مُجتمعةٍ، قد يسكنها الطير ويعشش فيها وقد يزورها الغراب ليحل على غصنها، وقد يؤلمها نقار الخشب بمنقارهِ بنقرهِ المُتواصل عليها، أو تصبح طعامًا للدود الزاحف إليها رويدًا رويدا، وربما الإنسان نفسهُ يمد يده عليها بفأسهِ ليرميها أرضًا، مُنهيًا بفعلتهِ دورة حياة الحياة ذاتها، وتنتهي الحياة وتقطع الأنفاس!       
الإنسان كتلك الشجرة أيضًا يعيش فصول الحياة بكل عواصفها وزوابعها المحملة على اختلافها، وبقوة إرادتهِ وتصميمهِ قادر على أن يثبت نفسهُ ووجوده بكل قوة وجدارة ويتخطاها إلى ما هو باقي من الموجود، وأيضا قادر على أن يتجاوزها من داخلهِ لكي لا تبقى وتأخذ مكانها وتحتلهُ وتستوطنهُ كما يحتل العدو والغريب الأوطان! 
سنقوم برحلة وجولة لمدة زمنية قصيرة إلى داخل الإنسان لنجول فيهِ ونعرف ونتعرف ونتأمل في كل ما يجول في مكنوناتهِ وأعماقهِ، أنها رحلة صغيرة بدقائق معدودة نبدأها من القلب وما يتولد فيهِ وما يخرج منهُ، ثم نزور العقل لنستكشف كيف يفكر ويعطي الإيعاز لكل ما مكنون ومضمور في أوراق الإنسان للحياة وللآخر.
هذا الكيان الحيّ يتدفق الدم في شرايينهِ وأوردتهِ، واصلاً إلى جميع مناطق جسدهِ وهو مُحمل بالكثير من المعاني الثمينة عن النفس وعن الآخر من:" الاحترام، الحبّ، المشاعر، الأحاسيس، الألم، الحزن، البسمة، الشجون، كلمات جميلة، السعادة، الصمت، الشفافية، الحنين، النقاء، الضيق .... وغيرها الكثير مما يجول في الخاطر، قد تستأنس النفس لها أو ترفضها حسب ما يلائمها ويناسبها وأحيانًا ما يفرض عليها، فهي مرات لا تكون حرة أمام إرادتها! فالحياة إذن تكون بما تحملهُ والإنسان بما يتلقاه ويمارسهُ على نفسهِ وعلى غيره من فنون كثيرة وتحمل من الألوان والأدوار الأكثر.
وحينما نتأمل في الإنسان هذا الكائن المُميز والمُختلف عن باقي الخلائق والمميز بعقلهِ عنهم، نجدهُ حينما يغيب عقلهُ عن المنطق والإرشاد وعن الحضور الحاضر يُوعزّ لنفسهِ للقيام بالكثير من الأمور المُخالفة لطبيعتهِ كإنسان إنساني! يكون مسلوب الإرادة، هو من يسلبها حينما يسخر ذاتهُ إلى كل ما هو ضد النفس.
أنها عبثية الإنسان ومشكلة زمانهِ الحاضر التي غابّ فيها المعنى والجوهر، مما يدفعهُ بما يحملهُ في قلبهِ من شعور وما يختزنهُ عقلهِ من نظرة مُغايرة لواقعهِ لا يستسيغها بسبب واقع عاشه أو غيره ذاقهُ أثر في نفسيتهِ في الحالتين وغير من ملامح الحياة والإنسان في عينيهِ! دافعًا به بعد حين إلى التصادم والركون عند المشكلة التي تكون كتلك العاصفة الشتوية الباردة الهابة، تُبرد كيانهِ وتجعلهُ يجد صعوبة في التوافق الداخلي النفسي والحياتي مُستقبلاً! يفكر بما يسكنهُ وينظر لواقعهِ فيحتار ويتردد، وما يكون من العقل سوى إلقاء ظلالهِ بقوة على كل ما يُخالج القلب ويلمسُّ الشعور.   
كثير من الأمور والأشياء يرغبها القلب ولكن العقل يرفضها، والكثير الآخر يسكن القلب والعقل يغلق الأبواب عليها! وهناك الأكثر مما يختزن في العقل ويضمر في القلب واللسان يترجمهُ بكلمات وجمل قد تسعد أو تحزن أو تعيش في الأيام كما تعيش الثواني والدقائق في الساعات. أو ربما قد يحدث العكس بنسبةٍ والقلب هو الذي يرفض ويتمردّ!   
التأمل في هذا الكيان العظيم لا ينتهي، هذا الكيان الذي يحمل بين جنباتهِ: الذكر والأنثى، الأسود والأبيض، الخير والشر، الفكر والشعور، الحياة والموت، الضحك والبكاء، الزهر والأشواك، الحروف والأرقام، الشهيق والزفير، الحقيقة والخيال، الظاهر والمكنون، النور والظلام، الدفء والبرد، القصة والرواية، وأخيرًا وليس آخرًا الوطن والغربة! وتبقى نفوس تحيا في دنيا الحياة.   

الاثنين، 15 أبريل 2013

ثقب إبرة - سهى بطرس قوجا

ثقب إبرة - سهى بطرس قوجا
سهى بطرس قوجا

ثقب إبرة أكيد كل شخص يعرف حجمهُ، ولكن ليس كل واحدٍ يعرف أهمية وصفهِ في أمور دقيقة حياتية. ذُكر في الكتاب المقدس (الإنجيل) في قول يسوع المسيح:" مرور الجمل من ثقب الإبرة أسهل بكثير من دخول الغني ملكوت الله" (مت 19: 24)، وهناك حكمة صينية تقول:" أنظر إلى السماء من ثقب إبرة". ونحن نقول أنظر لكل شيءٍ في حياتك من خلال ذاك الثقب الصغير، لكي ترى من خلالها كل شيءٍ كبيرٍ دقيقًا ومضبوطًا. 

هي جميعها دعوات تدعو إلى نبذ الأمور الدنيوية والتمسك بالحياة الآخرة، الحياة الغنية بمحبة الله وتوبتهِ وغفرانهِ، وأيضًا دعوة إلى الأمل والتواصل والتفاؤل والتخلص من كل يأس وهمّ وظلمة، هي نداء للحذر من تكالب الخطوات في متاهات الحياة من خلال الانشغال بالمال وجمعهِ بشتى الأساليب، هي دعوة جميلة للبحث عن نافذة حتى لو كانت صغيرة بصغر ثقب الإبرة، ليطل منها على شروق جديد وخيط أمل يتمسك به، هي دعوة لتذكر الذات وعدم نسيانها! المال نعم ضروري لتسيير أمور حياتنا، هو وسيلة وليس غاية وقيدًا وأسلاك شائكة تفصل الذات عن الجسد وعن الآخرين وتضيعها في متاهات وأزقة الحياة.
يقول:" كثقب إبرة أرى الدنيا الآن وأضيق مما تتصورون وتتخيلون، تهتُ، ابتعدت، خسرت، ضيعتُ، شوهتُ، خذلتُ وخُذلت كثيرًا وبعدها خرجت من كل شيءٍ كانَ بلا شيءٍ يكون، وثقت بالجميع وأحسنتُ ظني بهم بلا حدود، وعلى غفلة فقدت الثقة ومعها فقدت ذاتي! أنها لخسارة كبيرة حين تحسُّ أنكَ مجرد آلة كلما تباطأت في حركتها تدهن بالزيت، تمامًا كالجوع عندما يحل يسد رمقهُ بلقمةٍ! لازلت أبحث عن ذاتي التي تركتني في غفلة من الزمن، فهل من الممكن أن نتلاقى حتى ولو صدفة أنا وهي، أم هي ماضية في طرقاتها بعيدًا عني، بسببي أنا؟!".
فجأة تشعر بأنك أنتَ لست أنت، وكلماتك ليست ملكك، ومجهودك ليس من عملك، وخطواتك تاهتْ منك، تنظر لنفسك في المرآة تلمح إنسانًا آخر، تبحث في أعماقك تجد شخصًا آخر يسكنك! أين أنتَ من نفسك، لا تعرف؟! ترى ما الذي جعلك ترى الحياة بوسعها كثقب إبرة صغير؟! من جعلك تنسى ذاتك وتتخبط في طرقات الحياة وحيدًا؟! من جعلك تعيش الاغتراب مع النفس والغفلة عن الحياة؟! من الذي جعلك تتمنى أن تجتمع بذاتك مُجددًا؟! بالتأكيد تكون أنت نفسك السبب الرئيسي لكل هذا، إن لم يكنْ هنالك من سلب إرادتك وجعلك تعيش الأغتراب والغياب عن الحياة وأنت حيٌّ! 


ما نفع العالم لو ربح الإنسان كل شيءٍ فيه وخسر نفسه! كل شخص مُحبًا لأمور الدنيا وللمال، يجعل من نفسهِ وفكرهِ عبدًا لهما، مُسيرًا بهما، مكبلاً بأغلالهما، سالكًا طرقاتهم! وبالرغم من كل ما يملك ألا أنهُ يعيش الفراغ مع نفسهِ والضياع وفقدان طعم الأشياء ومعناها! هي ليست دعوة لنبذ المال أو الاستغناء عنهُ كليًا، بل التعريف بأنهُ ليس كل شيءٍ بالحياة، وليست لهُ تلك الأولوية التي البعض يترك كل شيء في حياتهِ حتى أقرب المُقربين إليهِ، مُتمسكًا به. الحياة أجمل وأبسط من ذلك إذا عرف طبعًا كل واحدٍ كيف يجعلها بسيطة ببساطة روحهِ وجماليتهِ.

عش الحياة دون تفكير وسبق أحداث للغد، كل يوم لهُ تدبيرهُ وكل ساعة لها دقائقها، لا تستعجل ولا تركض في سنينك دون راحةٍ، أشعر بروعة يومكَ، وفكر بعمق بذاتك التي هي بحاجة لك أكثر، هي من تجعلك إنسانًا يعرف ويحسّ بقدرهِ! خصص لها كل يوم بضع دقائق لتتحدث معها وتُجالسها وتحتسي معها فنجان قهوة على كرسي في حديقتك أو تحت ظل شجرة خضراء تتطاير من بين وريقاتها نسيمات هواء رطبة، وتغردّ على أغصانها الطيور أنشودة الأمل والتفاؤل والحياة. وجه نظرك للسماء والى الغيوم التي تتحرك في فضائها لتعلم وتدرك أن الحياة نبض دافئ مُتدفق بأجمل المشاعر الإنسانية، وليس صخر تقع عليك تحطمك، عطر أنفاسك بأريج الزهور لتبتسم ابتسامة ملئ فمك نابعّة من بين ثنايا أعماقك لكل ما هو موجود بالحياة، والذي أنتَ هو أحد هذه الموجودات.

الثلاثاء، 19 مارس 2013

ناقوس الذكرى - سهى بطرس قوجا

ناقوس الذكرى 
سهى بطرس قوجا

فتاة جالسة على كرسي في شرفة غرفتها، ترتشف القهوة وتتأمل في السماء والقمر، شردّ ذهنها إلى أجمل الذكريات، فتقول بآهات عفوية مُلتهبة خرجتْ من أعماقها مُسرعة:

كيف السبيل إلى النسيان؟! ذكراهُ تدمرني كلما مرتْ على البال، رحل وتركني وحيدة، رحل بدون أن يُعلمني بأنهُ سيجعلني يتيمة من بعدهِ، عبير ذكراه ما زال يلامس قلبي. آه من ذكراه ما أروعها وما أقساها، تُميتني وتُحييني، وما أحلاه من عذاب!

مرتْ السنين وما زالت تلك الهمسات، مرتْ السنين وذكراه ما زالت حيةٍ منقوشةٌ في القلب وساكنةٍ في العقل. مرتْ سنين وكلامهِ الطروب كمعزوفة تُطرب لها الآذان، مرتْ السنين وبريق عينيهِ اللامع من ابتسامتهِ لا يفارق مُخيلتي، مرتْ سنين وعطره باقيٍّ في الأنفاس، مرتْ سنين وما زلتْ أشعر بحرارة راحة يديهِ تلامس يدايّ، مرتْ سنين وشعور نبضهِ يدق مع كل خفقةٍ من خفقات قلبي، مرتْ سنين واكتشفت أنني ما زلتْ أتنفسهُ وأنهُ يسكنني!

فكيف بتلك السنين؟! وكيف بالحنين والشوق القاتل إليها؟! تذكرتهُ، حنيتْ لأيامهِ وكم وددتُ عيشها ثانيةٍ، تخيلت نفسي معهُ كما كنْا في تلك السنين حبيبين، تذكرتهُ وهو ماسكًا بيدي يدعوني لمُرافقتهِ، قائلا ليّ:" هل تسمح أميرتي بقبول دعوتي للعشاء؟" أبتسمتُ لهُ قائلة:" وهل يعرف أميري أني قبلتُ دعوتهِ؟"، ضحكنْا معًا ضحكة من الأعماق وضمني بقوة إليهِ والسماء تمطر فوقنْا، وقال:" اليوم موعدنا يا جميلتي وفاتنتي ومُدللتي". خفق قلبي لكلماتهِ الرقيقة وحرارة حبهِ تسللتْ إلى عروقي، شعرتْ أنني أحلق في السماء عاليًا، ماسكةٍ النجوم بيدي من شدة سعادتي وأشواقي! شعرتْ بدفء حنينهِ يسري في ثنايا روحي، وشعرت بروعة وصدق حبهِ من بريق عينيهِ.

فكيف بتلك السنين التي ذهبت ولنْ تعود، وكيف بهذه السنين التي تحمل فقط الذكرى والشوق والحنين والألم؟! وكيف بذاك الطفل الساكن في الأحشاء ويُحرك شرارة الإحساس بين الحين والآخر، أنهُ حبهُ يأسرني من حيث لا يدري! حبٌّ أمتزجتْ فيهِ حروف الألم مع الشوق واللهفة واللقاء والفراق.

نظرتْ للنجوم أتأملها، لمحتهُ بينها يبتسم، وفرحتْ رغم ألمي وآهاتي المكبوتة، وبكتْ عيني! ذكراه همّ وجنون، ألم وشجون، ذكراه همسة من الماضي تحمل أجمل نسمةٍ، اكتشفت فيها رغم سنين فراقهِ أنني ما زلتْ لحنينهِ باقيةٍ.
لا يؤلمني في زماني **** ألا طيف ذكراكم

كنا نظن أننا لن نفترق **** وما الظنون ألا أوهام

تسارعتْ الأيام تسبقها المنى **** وتلاشت الأحلام في بحر النسيان

برحيلكم نزف القلب ** وأدمعت العين ** وصرخ الفؤاد ** وكسر الخاطر

فيا أحبابنا برحيلكم **** النفس تاهتْ ولا أجدها

الجمعة، 15 مارس 2013

الزوجة الثانية ..... لماذا؟ - سهى بطرس قوجا

الزوجة الثانية ..... لماذا؟ سهى بطرس قوجا


سهى بطرس قوجا
هكذا تبدأ حكايتنا، أسرة صغيرة في منتصف مشوار حياتها، كانت سعيدة، تنعم بالاستقرار والوفاق النسبي. وفجأة وفي أحد الأيام أفاقت على كابوس مُزعج أسمه (الزوجة الثانية) هزّ كيانها وبعثرها، الأب في جهة والأم والأولاد في جهة أخرى. أنها مُعاناة الكثيرات!

لا نعرف ما الدافع لدى الرجل لجعلهِ يبحث عن إمرأة ثانية في حياتهِ؟ هل هو لأنهُ بحاجة إلى زواج ثاني؟ أو أنهُ إهمال وتقصير من زوجتهِ دفعهُ للبحث عن أخرى؟ أم أنهُ كان يبحث عن نفسهِ الضائعة في أخرى؟! أم هو: غرور، وأنانية، واستحواذ، ومصلحة، وكسر للروتين، ومرحلة المراهقة الثانية! أم هي حبُّ في التغيير والتجديد؟!


علامات استفهام وتعجب كثيرة تبادر إلى أذهاننا، مُحيرة، مرفوضة، ومقبولة من البعض. أطفال أبرياء، ونساء مظلومات ومُشتتات. والمرأة سواء كانت الأولى أو الثانية في حياة الرجل، فهي في النهاية ضحية لأنانية الرجل وانتهازيتهِ.

ضحيتهُ، لأنها قبلت أن تكون زوجة ثانية في حياتهِ، وقعتْ في فخهِ، وصدقتْ كل ما قالهُ لها من أن: زوجتهِ مُجرد شكل اجتماعي، وأنا غير مرتاح معها، وهي غير مهتمة بي، والتفاهم بيننا معدوم، ونكدية، وتحاسبني على كل صغيرة وكبيرة وكأنني طفل صغير. ولكن عندما التقيت بك أنتِ وجدتُ فيك سنين حياتي القادمة، أنتِ شخصية فريدة، متفهمة، متزنة، وجدت فيك أملي الضائع وسعادتي، وأنت الوحيدة التي دخلتي قلبي ....الخ. اسطوانة مشروخة وكاذبة في سبيل الوصول إلى ضحيتهِ، شخصية خادعة ومريضة نفسيًا تستغل نقاط ضعف الآخرين، وليس لها ضمير، ولا تراعي أي حقوق. يوهمها بكل هذه الأمور، واصفًا إياها حياة عسلية! لكنهُ في باطنهِ انتهازي، وصولي، أناني، يملك شخصية ضعيفة جداً وغير مسؤولة، بمُجرد أن واجهتهُ مشكلة مع زوجتهِ أو لم تواجههُ، نراهُ يتهرب إلى حضن أخرى.

حجتهِ للزواج من أخرى:

هنالك حالات يحق فيها للرجل الزواج من إمرأة أخرى، خاصة في حالة وفاة زوجتهِ الأولى أو في حالة عدم الإنجاب، وفي حالة طلاقهما. ولكن هنالك من الأزواج من يبحث عن أخرى في حياتهِ لأسباب غير التي ذكرناها، كثيرة لا حصرّ لها، يُبررها بطريقتهِ وبأسلوبهِ الخاص وباقتناعهِ الشخصي، مُبرراً ومُلقيًا اللوم في فعلتهِ هذه، أكثر على زوجتهِ، وكأنهُ هو كامل، وملاك معصوم عن أي خطأ! رجالٌ باحثين عن أخرى في حياتهم، وحجتهم إن زوجتهِ تعطي كل اهتمامها وأولوياتها للأولاد ولشؤون المنزل والتنظيف وأعداد الطعام، ولا أجدُ منها غير الإهمال وعدم الاهتمام بنفسها.

أو تكون حجتهم، أن زواجهُ الأول كان غلطة، والفتاة لم تكن من اختياري بلْ من اختيار الأهل، أو البعض يقول: عندما تزوجنا وجدتُ فيما بعد إن الإنسانة التي تزوجتها لا تتوافق مع أفكاري وتطلعاتي، وغير مثقفة بما فيه الكفاية وتشعرني بالإحراج، وليس لديها الخبرة الكافية في تكوين عائلة وتحمل مسؤوليتها. أو إن الزوج يلجأ إلى اختيار أخرى في حياتهِ، لكي يتخلص من النكد والروتين والملل المُسيطر على حياتهما، أو إن زوجتهِ غيورة ولا تُحتمل ودائما شكاكة ومُضطربة وتجعل حياتي معها مُضطربة......الخ.

حجج واهية لا أساس لها، ومُسلسل لا تنتهي حلقاتهُ! أنها الحياة بين أثنين رجلٌ وإمرأة، بينهما حكايات طويلة لا تُعّد ولا تُحصىّ! وجميعها تبرز جانب واحد وهو الرجل ومصلحتهِ! نعم الرجل، الذي يفكر من مُنطلق مُنفرد بذاته هو! غير مُبالي بزوجتهِ وحياتها واختيارها وعمرها والسنين التي قضتها معهُ، والألم الذي ستشعر به، وكرامتها وكبريائها، ومصير أولادهما وحياتهما. لا يقول لنفسهِ: أين هي من كل هذا؟! هل هذه هديتي لها؟ هكذا تكون مكافأتي لها؟

ولكنهُ للأسف نظر للأمر بسلبية ومن مُنطلق مصلحتهِ الشخصية. مُخرجًا نفسهِ من هذه الدوامة بالبحث عن أخرى، إلى بديل يُشبعهُ، إلى تنوع، لأن النفس تشتهي وتتذوق كل ما ألذّ وطابّ! وهذا ما يفعلهُ، باحثًا عن راحتهِ، باحثًا عن سعادتهِ على حساب تعاسة إنسانة أعطتهُ ربيع عمرها وزهرة شبابها! ولكن أين الذي يقدر هذا ويوازنه بين كفتيهِ؟! ولو كان قد فكر بإيجابية قليلا وبمُوضوعية، لوجّد إن هذا الطبيعي، وإن كانت زوجتهِ تهتم بأمور منزلهِ، فمن المفروض أن يسعدهُ، لأنها أمينة على منزلهِ وتربية الأبناء ومُتابعة شؤونهم وأما أن كانت تغار عليه وتشك فيهِ فهو السبب في هذا وهو من يدفعها إلى هذا بتصرفاتهِ، لأنهُ من النساء من تكون غيورات بشدة على أزواجهنْ.

فإذا كُنت بعد سنتين أو سنوات من زواجك، ترى في زوجتك كل هذه الصفات وغير راضي عنها وتنتقدها من كل زاوية، فما الذي ستجدهُ في أخرى من نفس الطينة! فالزواج من ثانية بغير سبب منطقي ومقبول، مرفوضًا تمامًا وأنانية، ومن أساسهِ خطأ، لأن ما بُني على فشل فمصيرهُ إلى الفشل، ومن يبحث عن ثانية سيبحث عن ثالثة وهكذا. والمُتضرر الوحيد من هذا يكون الأولاد والزوجة، والمرأة الأخرى التي قبلت أن تكون رقم في حياة رجلٌ. زواج من بدايتهِ يكون خطأ، لأنهُ يؤدي إلى تفكك عاطفي ومن ثم أسري وتشتتْ، والى مُشكلات اجتماعية.

ولكن لو كان هنالك ثقة مُتبادلة وتفاهم وحوار ونقاش بناء بين الزوجين في كل أمور حياتهما، وفيما يتعلق بالمشاكل التي تخصهما، لكانا جنبا الكثير والكثير، فليس كل شيء في الحياة مُعالجة غلطة بغلطة، وليست المرأة لعبةٌ، أو سلعة تستهلكها وعندما تلاحظ أدنى خطأ منها أو تملُ منها تهملها وترميها. أنها روح الكون وهي من تعطيك الحياة، وتبعث فيك السعادة، وألا لمْا كنت تبحث عن منْ يُملي فراغ حياتك. فأنت لك حق على زوجتك، وهي لها حق عليك.

الجمعة، 8 مارس 2013

التحرر في العقل - سهى بطرس قوجا

 التحرر في العقل - سهى بطرس قوجا
سهى بطرس قوجا

الحياة لا قيمة لها ألا إذا عشناها مع الآخرين بــ حرية عقلية، ووجدنا فيها ما يستحق من أجلهِ أن نكافح ونستمر، وتلك القيمة تأتي من خلال نظرة متوازنة لكافة أمور الحياة ولكل ما موجود فيها.
وهي تستحق منا نحن البشر أكثر، تستحق أن نجعلها جميلة بقدر جمالها ونجعلها صورة حية باقية، ولكن الإنسان الموجود فيها يجعلها مرات كثيرة بفلسفتهِ المعقدة ونظرتهِ الانفرادية أكثر تعقيدًا عندما يكون من داخلهِ مصرًا على ذلك. ولو كل إنسان حاول مُجرد المحاولة في أن يرمم نفسه من الداخل من أجل أن تخدمه في الحياة وفي الآخرين لكان اليوم على قمة الثقافة وتقدير الآخر قائمًا فيهِ، ولكن نظرتهِ وتقييمهِ للأمور نحو السلبية أكثر من الايجابية هي من تجعلهُ في الحياة مُشتتًا ما بين وبين! يظلم نفسهُ ويظلم من هو معهُ ويجعل الحياة تبقى راكدة في مكانها، لا يسير فيها ولا يعطي الطريق للآخرين للمضي فيها؟!  
الحياة تبقى الحياة والإنسان فيها هو من يتطور ويختلف، يتوافق ويخالف، يتميز ويتمايز، يتمحور ويحاور. وقضية المرأة ما زالت هي محور الحديث وحولها تدور الكثير من الأسئلة والاستفسارات، بعضها منها هي وبعضها الآخر موجه لها، وما بين كل ذلك تكون هي في الوسط تبحث عن حلول واستفسارات وردودّ لمن يسأل ويطالبها بالجواب؟!
المرأة من هي؟!
المرأة كيان حولها يدور كل ما في الحياة ولا يكتمل ألا بها، هي بمعنى أوضح الحياة برمتها وهي من تمارس أغلب الأدوار على مسرح الحياة، وفي النهاية ألا تستحق من الجميع على السواء الثناء والتصفيق لها والتقدير والشكر على جهودها؟! ولكن في مجتمعاتنا الشرقية بالذات وهذا ما يهمنا أكثر تجدها حسب كل بلدًا أشلاء مبعثرة سواء كان بيد الرجل أو المجتمع، هنالك ثقافة مغلوطة ونظرة ترمق لها كلها شك وكأنها قاصر وبحاجة إلى وصاية دائمة عليها، هي ثقافة تمارس عليها وهي بدورها تمارسها بنفسها على غيرها من بنيّ جنسها نتيجة تلك الأفكار المزروعة في الفكر!
وأكيد طبعًا هنالك أسباب كثيرة تدفع إلى استقاء تلك الثقافة، منها اقتصادية واجتماعية والتي بدورها تؤدي إلى حالات نفسية ومن ثم ممارسة ثقافة خاطئة من قبل البعض، تجعل ذلك البعض الآخر يلحقهُ! كثير من الباحثين الاجتماعيين يؤكدون أن الوضع الإنساني الحالي للمرأة سببهُ العنف الممارس عليها والأوضاع الاقتصادية التي تعيشها المرأة والتي بسببها تدفعها إلى مُمارسة الكثير من الأمور خارج نطاق المعقول، مما يكون السبب في جعلها صورة عاكسة للأخريات، وجعل الرجل بمختلف مُسمياتهِ يمارس عليها عنفهُ سواء كان على زوجتهِ أو بنتهِ أو أختهِ وحتى أمهِ! والتي بنتيجتها يكون هو السبب فيها، يجعلها من جانب سلعة في يده ومن جانب آخر يجعلها عبده في بيتهِ  أو سجنهِ بالأحرى، من خلال ممارسة ضغطهِ عليها وتنفيذ أوامره لكي لا تكون نسخة من أخريات هو كان لهُ دور في صنعها (بالتأكيد بدون تعميم)؟!     
التحرر في العقل بحيث ما لا تراهُ مناسب لك لا يكون مناسبًا للآخر، وما لا تقبلهُ على نفسك لا تقبلهُ للآخرين، وما هو جيد وتتمناه لك لمْا لا تتمناه للآخرين، عيش الحياة دائما بتوازن وبدون تفضيل وحساب! امرأة اليوم ليست كما كانت في السابق، الزمن في تغير وتطور ولابد من نتطور ونغير من تلك الفكرة المأخوذة عنها والمتوارثة! كل زمن ولهُ ناسهِ ولهُ ثقافتهِ وأيضا نظرتهِ، فيجب أن نطور من الفكر أكثر ونجعل المرأة تأخذ مساحة أكبر في الحياة بدون رقابة أو قيود هي من تجعلها في النهاية تتألم منها وتتعب وتحاول بشتىّ الوسائل المُتاحة فكها والهروب منها والوقوع في أقرب حفرة بدون أن تعلم أنها كانت أمامها أو قريبة منها أو مرئية لها، ومن ثم تنتقد على أساسها؟!
والمرأة لديها الكثير من الحقوق عليها وعلى غيرها، وبرأيي لا يجب أن تطالب بحقوق من رجل كائن مثلها، بل هي لها حقوق عليه وهو واجب عليه الوفاء والالتزام بها، كما أنها هي بنفسها قادرة على أن تكون إنسان حي وعضو فعال وليس القول أن هذا رجل وتلك امرأة! وكأنهم بهذه الثقافة يصنعون الحواجز ويفصلون الحياة إلى قطبين مُنفصلين وليس مُجتمعين، ومع مرور السنين تزداد تلك الهوة وتزداد المطالب، ثم تلك الحقوق ممن تطلبها؟! من أخيها، أبيها، زوجها، أبنها، بلدها؟! إن كان على مستوى البلد فهي وصلت والحمد لله إلى مناصب عالية ومُستقبلا ستصل أكثر وإن كان من هؤلاء الآخرين المذكورين فهي مُتوقفة على ضميرهم وإنسانيتهم ومدى احترامهم لذاتها الذي هو من احترام نفسهم!
كل شيء لهُ احترامهُ وحديثهُ وتكاملهِ وحدودهُ وواجبهِ، وهذا لا يكون ألا عندما يكون هنالك توافق وتكامل الواحد مع الآخر وليس الواحد ضد الآخر. لأنهُ بعكس بهذه الثقافة يكونون، كمن ذهب لحقلهِ وجلس تحت شجرة يستظل بظلها إلى أن قاربت الشمس على الغروب ورجع لبيتهِ بدون شيء، لم يعمل في حقلهِ ولم يجني من ثمارهِ، ومضىّ في الحياة هكذا؟! كفانا مُطالبات وشعارات هي ليست بحاجة لها بل لابدّ من أن تثبت وجودها هي بنفسها بكل ثقة واقتدار وبأنها إنسان يعتمد عليه عندما هي تفرض هذا الاحترام.  
فالمرأة تنقصها البعض من الحرية وخصوصًا الفكرية، سواء من الرجل أو المرأة نفسها بحق أخرى، والمجتمع كذلك بمختلف مفاهيمه التي تبقى فيهِ مُقيدة أو مسلوبة الإرادة وتمارس من قبل آخرين، حرية تتحرك في فضائها لكي تشعر بكيانها وتشعر بالأمان والاطمئنان، وأيضًا هذا الرجل عليه أن يدرك أن مستقبلهُ لم يكنْ لولا تلك المرأة أيًا كانت في حياتهِ.   

الأربعاء، 20 فبراير 2013

الحاضر المغزول بخيوط الماضي- سهى بطرس قوجا

الحاضر المغزول بخيوط الماضي
سهى بطرس قوجا

هذا الزمان الذي يحمل الكثير والكثير بين طياتهِ، غالبًا ما نقف فيه مكتوفي الأيدي، سألين أنفسنا: هل نعيش ذكريات الماضي، أم نعيش حاضرنا ولحظتنا، أم نخطط لمستقبلنا في حاضرنا؟
الحياة كما نعرفها عبارة عن ماضي وحاضر نعيشهُ ومستقبل مجهول نسعّى لتحقيقهُ من خلالهما. ونعود ونفتح أوراق كتاب حياتنا ونقرأ فيها كل ما مرّ بها، فنجد فيها ذكرياتنا وما فيها من المؤلم والمُفرح، ومن التشاؤم والتفاؤل، والنجاح والفشل، وطفولتنا البريئة والجميلة التي نتمنى إن نعود إليها. حياتنا بمجملها نستذكرها ونبحث فيها، فنجد ما ألمنا ويؤلمنا ويؤثر على نفسيتنا ونجد فيها ما أسعدنا! أنها لحظات عاشت معنا وسايرت حياتنا، وخطتْ خطواتها مع خطى أقدامنا حتى أوصلتنا إلى حاضرنا. فهل نتركها لتسكن فينا ومعنا وترجعنا معها ثانية إلى زمان مضىّ، أم نتركها لزمانها ولا ندعها تتطفل علينا، لكي لا تكبلنا بقيودها، فقط نأخذ منها العبرة والدرس؟!    
الحياة أو حياتنا بمعنى أقرب هي المنحة والهبة، وقد تكون قد قستْ علينا وآلمتنا كما أفرحتنا، ولكن لحظتنا هي الآن، فلما نكبل حركتنا بماضي فَانٍ، ماضي كان لهُ لحظتهِ ووقتهِ الخاص؟! وقد يعتقد البعض بأنني أقول إن نغض النظر عن ماضينا تمامًا ولا نفكر فيه! على العكس تمامًا، الماضي أساسنا ولا يمكن فصل زمنًا عن زمن وإنسانًا عن إنسان وسنينًا عن سنين، ولولا ماضينا لمْا كان لنا حاضر وحياة أكثر إشراقًا، ولكن نحن نبحث عن اللحظة التي سرقت سنيين من العمر وسجنتنا في سجنها وبتنا آسراها.
يتكلم بألم ويسرد قصته قائلا:" لقد كانت حياتي المقبلة، زهرتي الجميلة التي استنشقت عطرها، محبوبتي الصغيرة البريئة، رأيت فيها ذاتي، أطفالي، عشقتُ حروف أسمها، دلالها، حنانها، إنسانة بكل معنى الكلمة هكذا كنتُ أراها، نجمة في السماء تتلألأ وتشع بنورها لتدخل قلبي وتنيره. أحببتها وأحبتني...  ذات مرة قالت لي:" أنتَ حياتي وبيتي"، فأجبتها وقلت لها: أنتِ دنيتي التي بها أعيش. فابتسمت لي وقالت: هل من المُمكن إن تنساني في يوم من الأيام؟ فنظرتُ إليها بصمت، وأجبتها: هل من المُمكن إن أنسى أنفاسي، شهيقي وزفيري؟!
بعدها أخذ صاحب القصة نفسًا عميقًا، وتوقف للحظة وضحك ضحكة مُثقلة بالألم مع قطرات دمع نزلت من عينيه، ثم أكمل قائلاً: ولكن صدمتي وصمتي كانا أكبر، فليس كل ما يتمناه المرء في الحياة يدركهُ، لم تجعلنا نسعدُ مع بعض، وهنا كانت مصيبتي، حين سرقها مني القدر والموت، وحملها على جناحيه وطار بها بعيداً، رحلت وتركتني وحيداً، أعيش في ذكراها، رحلتْ وأخذتْ معها روحي، لا أعرف لمنْ أعيش من بعدها؟
مسكينًا هو! حبه لم يكتمل ولم يُكتب لهُ الحياة، تمزق قلبهُ برحيلها ويعيش شعورا من المرارة ممزوجًا بالحزن واليأس والغربة في داخل نفسه، وضع نفسهُ في سجن قضبانهُ من حديد، بل من صدّى ماضٍ يمنعهُ من العيش في حاضره، ينتقم من نفسهِ بنفسهِ، ولكن هل ما يفعله هو الصواب؟! بالطبع جوابنا يكون بالنفي، نعم أنه متألم، ولكن بفعلتهِ هذه يقتل حبيبته مرة أخرى، يقتلها وهي التي تسكن داخلهِ وأنفاسهِ، يقتل ذكراها التي تركتها في قلبهِ ووجدانهِ!
التمسك بخيوط الماضي والعيش فيه، هو كمنْ شخص يُمسك بقدميك لمنعك من التواصل والمسيرة، كل إنسان عانى وسيعاني وهذه حال الدنيا، ولكن تذكر إن المعاناة في النهاية هي مُجرّد اختبار. فلا تجعل هذه المُعاناة والجروح تتراكم في أعماق نفسكَ، وتثقل كاهلك، بلْ أدفعها خارجًا لكي تتبخر وتتلاشى وتتضاءل، وأنت وحدك من تستطيع تحديد لحظة تلاشيها.
ونبقى نقول: ماضينا أيام عشناها وسنين تركناها ولحظات مررنا بها، ولكن هل مرت دون أن تترك أثراً لذكراها؟ هل نسيناها؟ بالطبع: لا. هذا الماضي هو دافعنا إلى الأمام وهو الصبر والصمود، ومن الصعب التخلص من ذكرى الماضي وخاصة إذا كانت أليمة، ولكن نستطيع إن نتعلم منها، ونستخدم ما تعلمناه في تطوير حاضرنا، لأنهُ إذا صادفنا موقف في الحاضر مُشابه لموقف عانينا منهُ في الماضي، عندها نستطيع إن نتعامل مع الموقف الحاضر بشكل مُختلف.
فعش في حدود اللحظة الراهنة وفكر بكل ما هو جميل في الحياة. فالماضي لا يعود والمستقبل مجهول، وحاضرنا لهُ لحظتهِ التي نعيشها، فلمْا لا نزرع الأمل في دروبنا ونحييهِ في قلوبنا، ونعيش لحظتنا.  
وصدق ما قالهُ الحكماء بأن الأيام ثلاثة :
أمس:  وهو صديق مؤدب، أبقى لك عظة، وترك فيك عبرة.
واليوم: صديق مودع، أتاك ولم تأته، كان عنك طويل الغيبة، وهو عنك سريع الظعن، فخذ لنفسك فيهِ.
وغداً:  لا تدري ما يحدث الله فيهِ، أ من أهلهِ  أنت أم لا؟!