‏إظهار الرسائل ذات التسميات نبيل نايلي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نبيل نايلي. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 13 يناير 2014

أنين مخيم اليرموك...- نبيل نايلي

أنين مخيم اليرموك...
عار من سمح بحصار عزّل يستمرّ منذ 10 أشهر!!!
نبيل نايلي
كريس غونيس، Chris Gunness، الناطق باسم وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاّجئين الفلسطينيين، أونروا UNRWA، معلّقا على مأساة مخيم اليرموك ومعاناة المحاصرين: "يعيش الكثير من سكان، بما فيهم الأطفال والرضّع، ولوقت طويل، على الخضروات التالفة وعلف الحيوانات والتوابل المذابة في الماء...مخيم اليرموك يواجه نقصا خطيرا في الغذاء وان انعدام الأدوية والعقاقير الضرورية تؤدي إلى وفاة الأمهات أثناء الوضع...المعاناة البالغة للمدنيين في المخيم تتفاقم باستمرار" !
أ لم يكن حريّا بالجميع تحييد المخيمات واللاجئين الفلسطينيين؟ أ كان لا بد لحصار مخيم اليرموك وباقي المخيمات الفلسطينية أن يستمرّ حتى نصل إلى هذه النهاية المأساوية؟ أ لم يكن ممكنا لهؤلاء الذين ما كلّوا بعد من تأمين وشراء ونقل كل أسلحة الدمار والتقتيل بذل قليل من الجهد لتسهيل مجرّد تسهيل دخول بعض المساعدات الإنسانية إلي أهالي المخيمات؟ أي مدى سيبلغه سقوطنا القيمي هذا؟ وأي إختلال في جدول الأولويات الإستراتيجية وأي إنعدام توازن ينتاب هذه الأمة في عز حالات التموضع الإستراتيجي التي تنسف خرائط وعوالم لتقيم خرائط وعوالم بديلة، يساهم في إقامتها أبناء هذه الأمة، للأسف الشديد، كمعاول أو مجرّد أدوات أو حطبا لحروب وكالة ما إن تخمد إحداها حتى تستعر أخرى، لا كذوات واعية تخطّط وتعمل وفق منهجية وإستراتيجية واضحتي المعالم!

الاثنين، 30 ديسمبر 2013

قادة "جيوش" أم "أمراء حرب"؟ أي "ثوار" هؤلاء؟ - ذ نبيل نايلي

قادة "جيوش" أم "أمراء حرب"؟ أي "ثوار" هؤلاء؟ 
صحيفة الصنداي تلغراف  البريطانية تكشف فضائح أمراء حرب ما يسمّى بال"جيش السوري الحر": كيف تتحوّل "مجموعة بسيطة من المسلّحين كانوا يحاربون لإسقاط نظام، إلى أمراء حرب يكدّسون الملايين رشوة وإبتزازا وتهريبا لثروات سوريا"!!!



تنقل الصحيفة قول أحد القادة، يملك سيارة بي إم دبليو، رباعية الدفع، وهو يفاخر بكل زهو، مراقبا رجالاته وهم ينقلون براميل النفط السوري المهرّب إلى تركيا مقابل حفنة من الدولارات، كيف "أصبح خلال أقل من 3 سنوات إلى أمير حرب بعد أن كان فلاحا عاديا"، ومن مجرّد "بائع سجائر إلى حاكم محافظة يسيطر على حواجز تفتيش وعلى طرق التهريب"!!
حين نعلم بوجود ما لا يقل عن 34 حاجز تفتيش على الطريق القصيرة من الحدود التركية إلى محافظة حلب، وحدها، وما يجنيه تجار الترويع وجند الخراب وبيادق حروب الوكالة، نفهم حمى التنافس "ثوار الحر" من أجل "السيطرة على الأراضي والمال والأسلحة وطرق التهريب واحتكار غنائم الحرب"، ما يثير سخط المدنيين وحسرتهم.
يخلص تقرير الصحيفة التي أجرت سلسلة من المقابلات مع قياديي ال"جيش السوري الحر"، ممّن كانوا "محط آمال الغرب للإطاحة بالنظام"، كيف تحوّلوا "إلى مؤسسة جنائية إلى حد كبير يهتم قادته بجني المال من الفساد والخطف والسرقة بدلاً من محاربة النظام"، ممّا حدا بقائد لواء ما يسمّى "عمر المختار"، أحمد القنيطري، إلى التصريح: "هناك العديد من القادة في الثورة لا يريدون إسقاط النظام ويفضّلون القتال لأنه جعلهم أمراء حرب وينفقون ملايين الدولارات، ويعيشون في قصور، ويركبون سيارات فاخرة..."
بين من يبيع في نزل الدوحة والرياض وأنقرة، ومن يبيع آثار سوريا كذلك المكنّى بأبي ماجد، الذي صرّح لـ«الواشنطن بوست»، محاولا تبرير النهب، قائلا: «قد يحكم علينا الناس وينعتوننا باللّصوص، ولكن في بعض الحالات عليك أن تضحّي بالماضي لتأمين المستقبل»! ومن يبيع ويسبي ويغنم على الحدود محض مسافة... هي مسافة العار الذي يلف أمراء النهب والسلب والخيانة...
لك الله يا سوريا...

الخميس، 7 نوفمبر 2013

العلاقة الأمريكية-السعودية...المصادرة على المطلوب!! - ذ.نبيل نايلي

العلاقة الأمريكية-السعودية...المصادرة على المطلوب!!
سيناريوهات مجلة الفورن بوليسي، الكارثية السبعة
 قدمت مجلة الفورين بوليسي الأمريكية، Foreign Policy، سبعة سيناريوهات إعتبرتها "كارثية"، حاثة بذلك على ضرورة أن تضع الإدارة الأمريكية "الغضب" السعودي في الحسبان:
1- "أن تعمد المملكة السعودية إلى تخفيض إنتاجها من النفط إلى ما دون الـ 10 ملايين برميل، والكف عن سدّ العجز الذي خلفته العقوبات على إيران، ما قد يؤثر سلبا على الإقتصاد الأمريكي ،
2-أن تنفّذ المملكة تهديد الملك عبد الله بن عبد العزيز القديم، أمام المستشار الأمريكي السابق دينيس روس عام 2009: ’إذا حصلت إيران على السلاح النووي فسنحصل عليه‘، لتطلب من باكستان مدّها ببعض الأسلحة النووية،
3-أن تسعى السعودية إلى التعجيل بترحيل الأسطول الأمريكي من البحرين، كما فعلت حين أخرجت القوات الأمريكية من قاعدة الأمير سلطان بن عبد العزيز الجوية،
4-أن تتولّى المملكة تزويد الجماعات المسلّحة في سوريا بأسلحة متطوّرة جداً وخطيرة، كاسرة بذلك الحظر على هذه النوعية من الأسلحة،
5- أن تعمل على إندلاع ما تسمّيه "إنتفاضة فلسطينية ثالثة"،
6-تحييد مصر عن الوصاية الإرتهان للولايات المتحدة وجعلها تستغني عن إبتزاز واشنطن،
7-رفض المملكة لمقعد مجلس الأمن وتحشيد ال57 دولة إسلامية خلفها، وتوفير سبب جوهري لزيادة التطرّف والمتطرّفين ضد أمريكا واتهام الولايات المتحدة بأنها عدوة للمسلمين".
المملكة لا تستطيع أن تحوّل هذه السيناريوهات إلى حقيقة حتى تستعيد قرارا سياديا صودر منذ لقاء روزفلت بالملك عبد العزيز على ظهر السفينة الحربية كوينسي! حتى لا نعود إلى سفر التكوين وأعمدة "حكمة" لورنس!!!
إشادة جون كيري بدور السعودية وخلعه وصف"اللاعب الرئيس في العالم العربي"، ضحك على الذقون ومغالطة كبرى، الموقف الأمريكي الحقيقي من المملكة يعبّر عنه فريد زكريا في مجلة "التايم" حين يقول: "إذا كانت هناك جائزة لسياسة خارجية غير مسؤولة فيجب أن تُعطى للسعودية، لأنها الدولة الأكثر مسؤولية عن صعود التطرّف الإسلامي في العالم بأسره، حيث إستخدمت المملكة ثروتها المالية الهائلة من عوائد النفط، في العقود الأربعة الماضية لتصدير التطرّف من خلال نشر مذهبها الوهابي....وعندما يواجه المسؤولون السعوديون بهذه الاتهامات يتنصّلون من المسؤولية، ويقولون ان هذه الأموال من أفراد وليس من الدولة التي لا تستطيع السيطرة عليها."!!!!! حين نذكر المليارات التي إستنزفتها شركات "العلاقات العامة" من أجل تلميع صورة، ومبالغ فلكية تُصرف من أجل صفقات أسلحة تُستخدم في حروب الوكالة أحيانا أو تحشيدا لحروب دونكيشوتية أحيانا أخرى، ندرك طبيعة العلاقة وحدودها وآفاقها...دعكم من تهديدات بندر التي نسمع دويها في سورية والعراق ولبنان!!

الثلاثاء، 8 أكتوبر 2013

عقيدة أوباما أم إختباره؟ - ذ.نبيل نايلي

عقيدة أوباما أم إختباره؟
ذ.نبيل نايلي
تعليقا على الغارتين اللتين شنتهما القوات الأمريكية في الشمال الأفريقي، الغارديان البريطانية: " 
  • - الغارات أضحت ذراعا طويلة مهزوزة.. 
  • - الغارات تشكّل إختبارا لأوباما، وتداعيات ذلك في أماكن أخرى، 
  • - قدرة واشنطن على إدارة الشرق الأوسط تتراجع... 
  • - إلاّ أنّ قدرتها هذه على مضاعفة الفوضى قد لا تكون كذلك"!!!!
هل وصل صدى صواريخ الطائرات دون طيار هؤلاء الذين يغضون الطرف عن أسرابها تجتاح مجالاتنا الجوية متى شاءت لتقصف بشكل عشوائي من تُرشّحهم قائمات الموت الأوبامي، هدفا للتصفية!
من خوصصة الحروب إلى ضمّ مرتزقة الشركات «الأمنية» الخاصة داخل مسارح القوات النظامية، إلى إنشاء ما سُمّي بـ«الجهاز الدفاعي السرّي، Defense Clandestine Service»، فتشكيل قوات العمليات الخاصة التي تعمل خارج منظومة سلسلة القيادة وفي مسارح بعضها مستعر والآخر قابل للانفجار، بمجرّد تعارض مصالح الإمبراطورية ومصالح القوى الصاعدة، يحاول استراتيجيو العسكرية الأميركية «التأقلم» و«الاستفادة من دروس» العشر العجاف! في زمن تراجع الإمبراطورية المترنحة، صاحبة الدين العام ذي الرقم الفلكي البالغ: 16,7 تريليون دولار، حسب تقديرات وزارة الخزانة الأمريكية، بفعل تمدّدها الاستراتيجي والعسكري العالي الكلفة، يظلّ السؤال الجوهري الملحّ، هو ما مدى قدرة وإمكانية الولايات المتحدة الأميركية على التكيّف العاجل لتكون حاضرة بأكثر من ساحة، وأن تقيّم التوازن الضروري على مسارح مُتحرّكة وأن تحافظ في ذات الوقت على دفة القيادة؟ هل يكفي تحذير هيلاري كلينتون حين صرّحت: «ما سيحدث في آسيا خلال السنوات المقبلة سيترك أثراً كبيراً على مستقبل بلادنا. لا يمكننا أن نجلس على الهامش ونترك آخرين يحدّدون مستقبلنا نيابة عنا»؟
إذا كانت السيدة هيلاري لا تسمح بأن يُحدّد مستقبل بلادها بدلا عنها، فحريّ بنا نحن، ومنطقتنا هي صاحبة النصيب الأوفر من بؤر التوتر التي ساهمت وتساهم في زرعها، إدارات الولايات المتحدة المتعاقبة، أن نتصدّى لهذه الحرب المُعلنة، قبل أن تجتاحنا جحافل قوات عملياتهم الخاصة!!! هل يعقلون؟؟؟
http://www.theguardian.com/world/2013/oct/07

الثلاثاء، 3 سبتمبر 2013

إستراتيجية الأمريكية والمسألة السورية - نبيل نايلي

الإستراتيجية الأمريكية والمسألة السورية

”قرّرتُ إتخاذ التدابير العسكرية ضد سورية، لكن تدابيرنا ستكون محدودة من حيث المدّة والنطاق وسنُحمّل نظام الأسد مسؤولية إستخدام الأسلحة الكيميائية، سأسعى للحصول على إذن من ممثّلي الشعب في الكونغرس لاستخدام القوّة، قواتنا موجودة في المنطقة وهي جاهزة لضرب سوريا بأية لحظة... إنّ قدرتنا لا تتأثّر بالوقت وإن الضربة قد تكون غداً أو الأسبوع المقبل أو بعد شهر وأنا مستعدّ لإعطاء هذا الأمر.“!
 باراك أوباما.
بين الإصرار على توجيه الضربة وإرسال البيت الأبيض مشروع قرار يسمح للرئيس الأمريكي باستخدام قواته المسلّحة بما "يراه ضرورياً ومناسباً في ما يتّصل باستخدام أسلحة كيماوية أو أسلحة دمار شامل أخرى في النزاع السوري"، تأجّلت إحتمالات العدوان. تأجّل موعد شنّ الهجوم فهل يعني ذلك إلغاؤه؟ بين إستخفاف مفرط بمواقف الإدارة الأمريكية المُعلنة، رسميّها خاصة، ونشوة تفكير رغائبي يبتهج لنصر لم نخض معركته بعد، تُغيّب ملامح المقاربة والإستراتيجية الأمريكية المُعتمدة حتى الآن على الساحة السورية، ويُكرّس خطاب في غاية الخطورة، في لحظات وجب فيها ضبط النفس، والتّأهب والإعداد لجميع السيناريوهات المحتملة. 
من يهلّل "للنصر الإستراتيجي" فقط لتأخّر القصف الأمريكي، ومن يرى في ذلك تراجعا أو "هزيمة لمحور" أو تأكيدا للإنحدار الأمريكي، لا يصمّ الآذان عن التصريح تلو التصريح سواء من أوباما شخصيا أو من رجالات إدارته، فحسب، بل يخطئ في فكّ شفرة الموقف الأمريكي. أ لم يقل أوباما " قرّرت إتخاذ التدابير العسكرية ضد سورية"؟ أ لم تُعد القيادة العسكرية الأمريكية كل تفاصيل العدوان، بما فيها الخرائط، و"بنك الأهداف"؟ فقط ساعة الصفر معلّقة بين الغد والأسبوع والشهر. ألم يكرّر وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري:"لم يعد السؤال ماذا نعرف؟ ولكن ما سنقوم به، الموضوع مهم بالنسبة إلى أمننا وأمن الحلفاء وإسرائيل الأمر مهمّ جداَ أيضاَ لمصداقية ومصالح الولايات المتحدة والحلفاء، ولأن العديد من الدول الأخرى، التي تتحدّى سياستها الأعراف الدولية، تراقب ما إذا كانت الولايات المتحدة وأصدقاؤها يعنون ما يقولونه. ومهما كان القرار الذي سنتّخذه حيال سورية فإنه لن يشبه في شيء أفغانستان والعراق أو حتى ليبيا"؟
من تعذّر عليه السمع، فليقرأ! وليقرأ بين السطور، أو على الأقل يكفّ عن المبالغة، فإطلاق التأويلات الخاطئة، وأن يُعيد التمعّن في رسائل الإدارة الأمريكية وحلفائها المصرّين على االعدوان. التدخّل الأمريكي لمن يستعجله أو يتذمّر من تباطؤه، حصل مع أول دفعة سلاح سُلّمت ومع أوّل كتيبة من مسلّحي حرب الوكالة، أما الضربة المرتقبة، فلن تكون إلاّ تعزيز"الأصيل" لل"وكيل"! الضربة العسكرية المؤجّلة لإعتبارات عسكرية ودبلوماسية وإستراتيجية أمريكية وإقليمية ودولية، يجمع عليها أغلب الإستراتيجيين الأمريكيين، وإن اقتصر أمرها على مجرّد "الحفاظ على الهيبة والمصداقية، Maintaining Credibility. السؤال ليس هل هناك ضربة أم لا، بل الأسئلة هي متى وما حجمها ومضاعفاتها؟ لا يجب مطلقا سوء تقدير الموقف الأمريكي، أو اعتبار أنّ العاصفة مرت! ذلك خطيئة كبرى، وخيار إنتحاري. سورية يجب أن تبقى على أهبة الإستعداد ويدها على الزناد لمواجهة كل التحدّيات وكل السيناريوهات، مهما تضاربت الأقوال والتصريحات وتعدّدت مناورات ترسانة الحرب النفسية.
لا يغرنّكم قول وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيغل، Chuck Hagel، موضحا ما التبس في تصريحاته بخصوص جاهزية البنتاغون للخيار العسكري، مؤكّدا "الولايات المتحدة لن تتّخذ أي تحرّك إزاء سورية إلا بالتنسيق مع المجتمع الدولي وفي إطار قانوني، ف"المجتمع الدولي" يقصد به مضافا إلى المتعلّقين بالتنّورة الأمريكية والمتمعّشين من فتات فضلات حروبها وصفقات "النّهب الإعماري" المُنظّم، ذلك اللّفيف الذي يُصطلح على تسميتهم ب"تحالف الرّاغبين، "Coalition of the Willing، كدولة ميكرونيزيا مثلا، أو تركيا التي أعلن وزير خارجيتها أحمد داود اوغلو، خدماته، إستباقيا، يُضاف إليهم تحالف المرغمين، Coalition of the Compelled، كهؤلاء الذين دفعوا من مالهم وأمنهم ومن دماء أبناء هذه الأمة، ثمنا لحروب الكوندور والوكالة، ولا يزالون، في مازوشية لا مثيل لها! أما عن "التبرير القانوني"، فالولايات الأمريكية، وهي الدولة المارقة بإمتياز، Rogue state، والمتمرّسة في هندسة الإجماع، Engineering Consent ، عوّدتنا في تأكيد لما سبق وصرّح به، كارل روف، Karl Rove، القائل :"إنّ الولايات المتحدة قوية بالقدر الذي يجعلها لا تكتفي بالحقيقة، إنها تصنعها"، لن يعوزها أن تُطوّع القانون أو أن تخرقه لا مانع عندها، ما لم تُثبت هذه القوى الصاعدة التي تسعى لوضع حدّ لنظام القطب الواحد واقتسام دفة القيادة، أنّها فعلا جديرة وجادة إلى حدّ المواجهة! بدل إطلاق تصريحات هي أشبه ب"الضوء الأصفر"!
الحقيقة التي لا يجادل بخصوصها إلاّ مكابر أو غارق في حالة إنكار مُزمنة، أو من التبس عليه لحظة تيه "ثوري"، هي أنّ حروب الولايات المتحدة الأمريكية، وفقهاء الواقعية العدوانية، كانت دائما ولا تزال تخوضها ضمانا لمصالحها الحيوية أولا، وخدمة للكيان الصهيوني أو بتحريض منه، ثانيا. من رحم مبدأ "التدخّل الإنساني، Humanitarian Intervention"، إجترح الغزاة عقيدة "أر تو بي ''Responsibility to Protect doctrine (R2P) ، "واجب الحماية"، المعزّزة بالصواريخ والقنابل، التي تذرّعوا بها لغزو ليبيا وتفكيكها. ها هم اليوم يختلقون لنا تعلّة "واجب القصف، ( ''Responsibility to Attack (R2A "! دعكم من نبل الشعارات، كحرص "الولايات المتحدة على حماية الأعراف الدولية"، أو فرية إستراتيجيات "بناء الأمم، Nation building "، فخراب العراق وتفكيك ليبيا، ومسالخ الفتن الطائفية، والتفتيت الجغرافي والتلاعب بجينات الوحدة الوطنية، برهن ولا يزال لمن يعميه حقد التشفّي والرّغبة في الإنتقام أنّ إستراتيجيات بناء الأمم وإحلال "ديمقراطيات التوماهوك" ما هو إلاّ غطاء لتحويلها إلى "دول فاشلة، Failing States".
إن الملاحظ لما يجري في سورية ولتعاطي الولايات المتحدة معه، لا شكّ استحضر إستراتيجية هنري كيسينجر، Henry Kissinger، القاضية ب"هزيمة الطرفين" التي كان قد أوصى بها خيارا أمريكيا بخصوص الحرب الإيرانيّة العراقيّة، أو ما يسمّيه المؤلّف العسكري الإستراتيجي، إدوارد لتفاك، Edward N. Luttwak ، "النّفور من الطرفين" أو "المأزق المستدام، Prolonged Stalemate "، وعليه فالعدوان لن يكون إلاّ استطالة للحرب لا حسمها، ما دام المراد ألاّ "يهدف إلى تغيير ديناميكيّة الحرب السورية الأهليّة الكبرى"، كما ينصح السيناتور الجمهوري، بوب كوركر، Bob Corker! في الوقت الذي يستجدي فيه الائتلاف "الوطني" لقوى المعارضة والثورة السورية الكونغرس الأمريكي إتخاذ ”القرار الصحيح“ و "الموافقة على شن ضربة عسكرية لسورية"، ويعارض فيه برهان غليون أي ضربة أمريكيّة "ما لم تكن مُدمّرة"!
إستراتيجية المأزق المستدام، تلخّصها بشكل فاضح دعوة الكاتب والمحلّل العسكري، أليكس فيشمان، Alex Fishman، الذي لم يتورّع عن كتابة: "دعوهم يقتلون أنفسهم بهدوء !!Let them kill themselves quietly" لماذا يجب علينا، بسبب عدد من الضباط الكبار الذين لا يهدأون ورئيس حكومة يسارع إلى الحرب، أن نمنح العرب سببًا للإتحاد حول القاسم المشترك الوحيد بينهم وهو كراهية إسرائيل؟ دعوهم يقتلون أنفسهم بهدوء!"
هكذا تعامل الأمريكيون ولا يزالون مع المسألة السورية، التدخّل ولكن بالقدر الذي يُعزّز الحرب الأهلية على ألاّ يغيّر ديناميكيتها، إمعانا في تدمير سورية كما دُمّر العراق وفُكّكت ليبيا، وضربا لما تبقّى من جيوش العرب، وتمهيدا لإعادة رسم خرائط سايكس-بيكو الجديدة، أرخبيلات المذهبية والطائفية، كمناخ أنسب للكيان الصهيوني. أما عدوانهم المؤجّل فلن يكون إلاّ ضمن هذه المقاربة، وتأمينا لإستراتيجية تفتيت المفتّت التي تعصف بالمنطقة. لمن تصوّر أو توهّم أن الإستراتيجية ووريت الأدراج، ها قد أطلّ المحافظون الجدد برؤوسهم من جديد. تماما كما فعلوا لتسويق حروبهم في البلقان والعراق وليبيا، عاد المحافظون الجدد ليمارسوا نفس التخطيط بنفس الأدوات إستكمالا لمخططات تعثّر تنفيذها ولم تُحيّد أو يُصرف عنها النظر. مثل ما تلقّى بوش رسائلهم أياما قبل غزو العراق، نشرت مجموعة من المحافظين الجدد والموالين للصهاينة، مؤلّفة من 74 شخصية، بعضها من قدماء رجالات السياسة الخارجية و"الخبراء"، رسالة مفتوحة مُوجّهة للرئيس أوباما يلحّون عليه فيها أن يذهب أبعد من ضربات عسكرية موضعية تكتيكية. الرسالة التي أمضاها، من ضمن من أمضى، إليوت إبرامز، لورنس كابلان، وليام كريستول، جوزف ليبرمان، كارل روف، وروبرت كاغان، إليوت كوهان، وبرنارد هنري ليفي، نعم صاحب الحلم الصهيوني الذي تعرفون! كل هؤلاء يدعون واشنطن ومن سمّوهم دول "تحالف الراغبين" إلى مراجعة خيار الإكتفاء بإضعاف قواعد النظام وقبضته وإعتماد "إستراتيجية أكثر طموحا"، تدعم المتمرّدين السوريين "المعتدلين" وتعمل على منع إيران من تطوير برنامجها النووي. أما أخطر ما ورد بالرسالة فيمكن إيجازه، "إذا كنّا نودّ الحفاظ على دور الريادة والهيمنة العالمية، من الضروري أن تظلّ كلمتنا هي العليا، وعليه حين يقع تحدّينا، وجب استعمال القوة، وليس فقط التلويح بها. ذلك ما يسمّيه جورج باكر، George Packer، "الحفاظ على المصداقية"، Maintaining Credibility.
قد يشنّ الأمريكيون عدوانهم، غدا أو بعد أسبوع أو خلال شهر، كما يتوعّد أوباما، وأذناب الولايات المتحدة، لكن من يبدأ الحرب لن يستطيع التحكّم في موعد إنهائها، ولا مدى حدودها وشموليتها، فالطرف أو الأطراف المعتدى عليه أو عليهم سيكون له ولهم ردود أفعالهم وتصوّراتهم. واهم من يعتقد عكس ذلك. التداعيات الجيو-إستراتيجيّة الخطيرة، لن تطال سورية فحسب. كلاّ، لن يكون الشريط الإقليمي وحده، من البحرين إلى اليمن إلى السعودية فالعراق ولبنان، هشيما لنار يُراد أن تسري، لأنّ من سيضرم النار لن يضمن مُطلقا حدود اللّهب ولا مضاعفات الحريق!
في الإنتظار، هل يستأنس الرئيس أوباما بما إستأنس به بوش، رسالة المحافظين الجدد؟ أم يستحضر القول الحكمة لجون لويس غاديس، John Lewis Gaddis، أحد إستراتيجيي أمريكا : "إنّ الخلط بين القوة والحكمة فكرة سيئة دائما، فالعضلات ليست أدمغة"؟ على سورية ومحور المقاومة، ومهما كان خيار الرئيس أوباما، عدم التعويل كثيرا على " حكمة الكونغرس" وإجتراح الحلول المناسبة للتصدّي لإستراتيجيات "إستدامة الأزمة"، والإستعداد لمواجهة أي عدوان خارجي، وإستخلاص العبر وعدم الإستسلام لنشوة من يهلّل ل"نصر إستراتيجي".

قبل هذا وخلاله وبعده، ربما، ينام الكيان الصهيوني قرير العين ويستكمل مخطّطات التوسّع وتهويد ما تبقّى من فلسطين التاريخية!
حمى الله سورية وباقي الأواني المستطرقة، أقطار هذه الأمة.
* ذ.نبيل نايلي باحث في الفكر الإستراتيجي، جامعة باريس.

الثلاثاء، 16 يوليو 2013

جيش المحتل: من الجيش الذي "لا يقهر" إلى الجيش "الذكي"! - نبيل نايلي


جيش المحتل: من الجيش الذي "لا يقهر" إلى الجيش "الذكي"!

ما هي ملامح ما سمّي ب"خطة تغيير بنية الجيش الإسرائيلي" ؟ وما المقصود ب"الجيش القليل العدد والذكي، "Small and Smart Army"، وما هي الظروف التي أملتها وما الغايات من إستراتيجية جديدة ستطال جميع أذرع جيش المحتلّ؟
"هذه الخطوات تتم بمسؤولية وإتزان، وهي تتضمّن الاستثمار في وسائل قتالية ومنظومات ستساعد الجيش على مواصلة الحفاظ على فجوة تكنولوجية كبيرة إزاء الدول والمنظمات المحيطة... سنواصل الاستثمار في التسلّح الدقيق، والإستخبارات، والتنصّت، والدفاع الفعّال والسايبر.المستقبل المنظور يمكن أن يقودنا إلى مواجهات ستحسم بواسطة التفوّق التكنولوجي للجيش الإسرائيلي، جواً وبحراً وبراً، وبمركبات أقل".           وزير دفاع جيش الإحتلال، الجنرال موشي يعلون.

في ظرف تعيش فيه المنطقة العربية وضعا استثنائيا انفجاريا بكل المقاييس، مفتوحا مشرّعا على سيناريوهات عديدة ومتناقضة، وفي مرحلة غدت فيها أغلب الجبهات المباشرة مع العدو شبه مفتوحة، وفي ظرف تعرف فيه الجيوش العربية الكبرى مخاطر التفكيك، تشرع قيادة الإحتلال العسكرية في تنفيذ خطة شاملة لتغيير بنية وإستراتيجية جيشها. تبدو القيادة في عجلة من أمرها إلى الحد الذي يجعلها لا تنتظر عرضها على قيادتها السياسية، لتبدأ فيها عمليا، وكأنها تضمن مسبقا قرار المصادقة عليها. "جيش جديد أشدّ ملاءمة للمعارك الجديدة التي سيضطرّ لخوضها"، مُتأقلم مع تحوّلات وواقع جيو-إستراتيجي متقلّب، مستجيبا للتحوّلات الجوهرية في طبيعة الحروب ومسرحها وأدواتها، وآخذا بعيد الإعتبار المناخ الأمني والفضاء السيبيري، ومتكيّفا مع المسارح والفضاءات التي تختلف جذريا وما كانت توفّره "الحروب التقليدية، Conventional warfare ". هذا ما يؤسّس له استراتيجيو العسكرية الصهيونية، الذين استثمروا ووظّفوا كأحسن ما يكون زمن وفترة خيار نظم العرب "للسلام الإستراتيجي"، وها هم يستثمرون ويوظّفون اليوم واقع وأوضاع الجيوش العربية، المدمّر منها والمُحيّد والمُستنزف!

فما هي ملامح ما سمّي ب"خطة تغيير بنية الجيش الإسرائيلي" ؟ وما المقصود ب"الجيش القليل العدد والذكي، "Small and Smart Army"، وما هي الظروف التي أملتها وما الغايات من إستراتيجية جديدة ستطال جميع أذرع جيش المحتلّ؟

تستأنس الخطة المشار إليها بمقاربة يوضحها وزير دفاع الكيان، الجنرال موشي يعلون، بقوله: "من منطلق الفهم بأن ميدان الحرب الرّاهن والمستقبلي يختلف تماماً عن كل ما عرفناه في الماضي، سنواصل الإستثمار في التسلّح الدقيق، والإستخبارات، والتنصّت، والدفاع الفعّال والسايبر. إذا أنّ المستقبل المنظور يمكن أن يقودنا إلى مواجهات ستحسم بواسطة التفوّق التكنولوجي، جواً وبحراً وبراً، وبعدد محدود من من المركبات". أما عن الخطة التي أقرّتها قيادة جيش العدو العليا، والتي ستتولّى عرضها على المجلس الوزاري للمصادقة عليها، فتستهدف إحداث تغيير عميق في بنية الجيش وفي استراتيجيته، خلال السنوات الثلاث المقبلة، وذلك من خلال:
  • · تخفيض عدد الجنود النظاميين من 5 آلاف إلى 3 آلاف جندي،
  • · العمل على غلق أكثر من 36 شعبة عسكرية خلال السنوات القادمة،
  • · تخفيض عدد الجنود في الألوية الرئيسية التابعة لجيش العدو، مثل "شعبة غولاني"، "شعبة غزة"،
  • · تفكيك عدد من الوحدات المدرعة والإستغناء عن أرتال كبيرة من الدبابات،
  • · خفض عدد السفن الحربية،
  • · وقف العمل بأسراب من الطائرات المقاتلة في سلاح الجو، بعضها فوريا، والبعض الآخر خلال العامين القادمين، ما دامت الطائرات الحديثة متعدّدة المهام تفي بالغرض،
  • · إعطاء أولوية أكثر لوحدات سلاح الجو والبطاريات المضادة للصواريخ، ومنظومة "القبة الحديدية والعصا السحرية"، تحديدا،
  • · تعزيز الاستثمار في الشعب الإستخباراتية والأسلحة عالية الدقة لسلاح الجو ومنظومات الدفاع الجوي،
  •  التركيز أكثر على استراتيجيات وأدوات الحروب الإلكترونية والسيبيرية.
إذا كان الهدف المرحلي هو توفير 7 مليار شيكل، أي ما يعادل 1.9 مليار دولار، فإنّ المأمول خلال الأعوام الخمسة المقبلة هو اقتطاع حوالي 26 مليار شيكل، النسبة الأهم في تاريخ جيش الإحتلال.

تصريح وزير دفاع الكيان، الجنرال موشي يعلون عن الجيش "قليل العدد والذكي"، يكاد يكون نقلا حرفيا لما أعلنه الرئيس الأمريكي باراك أوباما غداة إعلانه خطة إستراتيجيته العسكرية الجديدة، "تعزيز -استدامة- قيادة الولايات المتحدة للعالم: أولويات دفاع القرن الواحد والعشرين، Sustaining U.S. Global Leadership: Priorities for 21st Century Defense" ، التي أشرف عليها ليون بانيتا، Leon Panetta، نفسه، والتي اعتمدت، هي الأخرى، على 4 محاور رئيسية، يمكن إيجازها كالتالي: نهج سياسة تقشّف في إنفاق وزارة الدفاع، الحفاظ على التفوّق النوعي في الوسائل والقدرات، لا سيما في مجال الحرب الإلكترونية والسيبيرية، بما في ذلك أنظمة القتال المتطوّرة كالطائرات بدون طيار، خفض عدد القوات الأمريكية المتمركزة بأوروبا، والتوجّه نحو تعزيز الوجود الأميركي في آسيا والمحيط الهادي. يومها قال أوباما: "سنبقى مُتحفّزين ومتيقّظين، لا سيما في الشرق الأوسط…سنخفّض من الموازنة، لكن على العالم بأسره أن يعرف أن الولايات المتحدة ستحافظ على تفوّقها النوعي العسكري بقوات أقل عددا، وأسرع انتشارا وتدخّلا، وأعلى تدريبا، وذات قدرة فائقة على التعامل مع أي ظرف أو تهديد طارئ “؟

فهل يكون خيار عسكريي الكيان المتأثّر بعجز الموازنة، وليد مضاعفات تغيير عميق في العقيدة العسكرية الأمريكية إستراتيجية وعتادا، بحيث وجب التكيّف السريع؟ هل هي نتائج الأزمة الإقتصادية الخانقة التي تعيشها الولايات المتحدة التي لم تعد قادرة على تحمّل أعباء مساعدات أثقلت كاهل دافع الضرائب الأمريكي؟ هل هو الواقع جيو-إستراتيجي المتقلّب، الذي يفرض استجابة سريعة للتحوّلات الجوهرية في طبيعة الحروب ومسرحها وأدواتها، وإلماما بخارطة تهديدات تتوالد داخل مناخ أمني وفضاء سيبيري محفوفين بالخطر، فحسب، وتقطع مع أساليب وخطط وتكتيكات وعقيدة الحروب التقليدية الثقيلة، لتركّز على ما يسمّيه، وزير الدفاع الأمريكي السابق ليون بانيتا، ، بالـ"تحوّل التاريخي إلى المستقبل"، الحروب"الذكية، Smart Wars"؟ حروب يتمّ الجمع فيها بين القصف المنظّم و"دقيق" التصويب، والقوة الجوية والبحرية الضاربة، والتفوّق الإلكتروني والمعلوماتي. في اختصار هو تحوّل جوهري نحو الحرب الخاطفة ذات العمليات الجوية والبحرية المحدودة، بفرق خاصة خفيفة، وتوظيف لمنظومة مُعقّدة ومتكاملة لأحدث تقنيات التشويش والجوسسة والاختراق والتصنّت، وتكنولوجيا المعلوماتية والحرب السيبيرية واستخدام الطائرات دون طيار، Drones.

لئن رجّح أليكس فيشمان، Alex Fishman، المعلّق العسكري لصحيفة "يديعوت" فرضية أن يكون عسكريو واستراتيجيو جيش الإحتلال قد استأنسوا بالعقيدة العسكرية الأمريكية المعروفة ب"الصدمة والترويع، Shock and Awe "، التي اعتمدها الأمريكيون خلال عدوانهم على العراق خلال حرب الخليج الثانية، فإنّنا نتحسّس أكثر، ونحن ندقّق في تفاصيل خطة هندسها رئيس الأركان الجنرال بني غانتس، Benny Gantz ، تعاليم وبصمات وزيري الدفاع الأميركيين السابقين دونالد رامسفيلد، Donald Rumsfeld، وديك تشيني،Dick Cheney، خصوصا ما تعلّق منها بعمليات القوات الخاصة عالية التدريب، سريعة الحركة والمعتمدة على جهد إستخباراتي وأسلحة متطوّرة وقوة نار كثيفة، مضافة لدعم لوجستي وتحكّم وسيطرة شاملة على جميع فضاءات وساحات المعارك. هل هي المصادفة أن يتولّى إستراتيجيو عسكرية الكيان المساس بالمؤسسة التي قام ولا يزال عليها المشروع الإستيطاني منذ سفر تكوينه؟ أم أنّ وضع الجيوش العربية هذه الأيام هو الذي شجّع على اتخاذ مثل هذه الخطوة؟ هذا ما يجيب عنه معلّق صحيفة "إسرائيل اليوم" العسكري، يوآف ليمور، Yoav Limor، بقوله: "إنّ مقاربة وخيار وخطة قيادة الجيش في الظروف الراهنة يمهّدون الطريق لجيش جديد أشدّ ملاءمة للمعارك التي سيضطرّ لخوضها، سيما أنّ التفكّك السريع للجيوش العربية قلّص كثيراً احتمال الحرب التقليدية، وسمح بالتخلّي عن عدد كبير من الطائرات والدبابات والمدافع القديمة، ذات الكلفة العالية والجدوى المحدودة".

حين نعلم أنّ خبراء وإستراتيجيو الكيان خلصوا في دراسة صادرة عن مركز بيغن-السادات، إلى تعبيرهم "عن رضا عميق" لما وصّفوه "بتدمير القوة السورية من دون إطلاق رصاصة واحدة من مخزون الجيش الإسرائيلي"، نفهم لماذا تم اختطاف الحراك الإنتفاضي وتحويله إلى حروب أهليه، ولماذا يُدفع بمصر ومؤسستها العسكرية إلى نفس شفير هاوية جيش العراق وجيش سورية. الجيوش العربية كانت ولا تزال هدفا أساسيا للإستراتيجية الأمريكية-الصهيونية، وتفكيكها الواحد تلو الآخر كان ولا يزال ضمن مخططات الكيان بغية تحويل ما تبقى من أقطار إلى دول فاشلة، وبالتالي بسط هيمنته المطلقة على المنطقة.

هل ننتظر حتى يتحوّل "الرضا العميق" إلى مُسلّمة وردت بذات الدراسة مفادها أن "لن يعود من المهم الآن مَن يأتي إلى الحكم في سورية، لأن الخطر الذي تمثّله هذه الدولة على إسرائيل قد انتفى إلى أجل غير قريب ؟ هل ننتظر حتى يقال ذات القول عن مصر، لا سمح الله؟ أم يقنع بعضهم –تعزية للنفس- بما كشفه خبراء المجلة البريطانية لشؤون الدفاع، Jane's Intelligence Review، بخصوص المملكة العربية السعودية التي قالوا إنها "تقيم قاعدة في عمق الصحراء السعودية، بمنطقة الوطح، مُزوّدة بقدرات لضرب إيران و"إسرائيل"، ورصدهم، بعد تحليل الصور، وجود منصتي إطلاق مع علامات تشير إلى الشمال الغربي نحو تل الربيع والشمال الشرقي نحو طهران"؟

جيش الكيان يخططّ ل"مواجهات ستحسم بواسطة التفوّق التكنولوجي للجيش الإسرائيلي، جواً وبحراً وبراً، وبمركبات أقلّ، كما يتوعّد الجنرال يعلون، فهل وصل صدى وعيده المعنيين بالأمر؟!!!
*باحث في الفكر الإستراتيجي، جامعة باريس.

الاثنين، 24 يونيو 2013

الحصاد الدامي لفتاوى التكفير والشحن الطائفي : باب الفتنة لم يعد مواربا - نبيل نايلي

الحصاد الدامي لفتاوى التكفير والشحن الطائفي : باب الفتنة لم يعد مواربا
" حين لا يجد الفرد الحماية في الدولة و مؤسساتها .. يرتد إلى القبيلة أو الطائفة أو الأسرة و العشيرة "..د. عبد الله العروي.
نبيل نايلي*
مع تزايد الإستقطاب والاصطفاف الطائفي، وارتفاع منسوب «هيستيريا» التحريض ومكنة الشحن ضد الشيعة، التي بلغت أوجها بمباركة أعلى هرم في السلطة، السيد الرئيس محمد مرسي، بل وعلى لسانه، يوم وصف الشيعة في خطاب “لبيك سورية” أمام مناصريه، بأنهم “روافض”، شهدت مصر، حادثاً طائفياً خطيراً، تمثّل في هجوم شنّه عدد من أهالي قرية زاوية أبو مسلّم، التابعة لمركز أبو النمرس بمحافظة الجيزة. المهاجمون استهدفوا، المواطن المصري والشيخ الأزهري، حسن شحاته ومن كان معه من أتباع المذهب الشيعي. فكان أن اقتحموا المنزل وأضرموا فيه النار وسحلوا المتواجدين به، ممّا تسبب في وفاة 4 وإصابة 8 آخرين.

إنه الحصاد الدامي لفتاوى التكفير والشحن الطائفي. السوس الناخر للنسيج الإجتماعي، والمارد الذي يتلهّى به سفهاء هذه الأمة إن خرج من قمقه، فلن يسطيعوا حصر أطلسه.نعم باب الفتنة التي حذّرنا منها لم يعد مواربا! لم يعد مواربا لا في ليبيا ولا في مصر ولا في سورية ولا في لبنان، ولا هو موارب في العراق!

كيف يُسمح لأهالي القرية أن يحاصروا ويعتدوا بهكذا وحشية، بعدما علموا بتواجد حسن شحاتة، القيادي المصري الشيعي، برفقة آخرين كانوا بصدد الاحتفال بمناسبة ليلة النصف من شعبان، ليحضروا المطارق الضخمة ويهدموا حائط المنزل ويخرجوا من بالداخل واحدا تلو الآخر ثم يقتلوهم ويسحلوهم؟ هل يشفع للواء عبد العظيم نصر الدين، نائب مدير أمن الجيزة، قوله لفرانس برس: ”حاولنا التدخّل لكن التجمهر الكبير للأهالي والشوارع الضيقة منعتنا من التقدم لتفريق الحشود“!!ليتابع، وهو جالس بين قواته خارج القرية: ”الأهالي هاجمونا بالشوم والسنج (السكاكين) ما اضطرنا للانسحاب“؟!!! ما أقدم عليه أهالي قرية زاوية أبو مسلّم، من إعتداء سافر استهدف مواطنين مصريين على مرأى ومسمع من أمن وشرطة الجيزة، على وقع صرخات”الله اكبر.. الله اكبر“ و”الشيعة كفار“، يقرع نواقيس الخطر لمن يحشّد أو يناور أو يستثمر في استراتيجيات “الصدمة والترويع” أو يُصدّر أزماته أو يشوّش استباقيا على استحقاقات 30 جوان القادم! عار على جبين وطنيي وشرفاء هذه الأمة من صُنّاع رأي وساسة ورجال دين ونخبة ومثقفين صمتُهم على حملات “تطهير” عرقي وإثني وطائفي تجري في حق إخوتنا المسيحيين والشيعة، الذي يلامس التزكية حتى لا نقول التواطؤ!

كلاّ، لا يكفي استنكار السيد أحمد عارف، المتحدّث باسم جماعة الإخوان المسلمين، جرم التعدّي المشهود بالتعذيب والسحل والقتل لأربعة من “ذوي الأفكار الخاصة بهم” كما يصفهم، واعتباره الجريمة النكراء مجرّد “واقعة مخالفة لكل الأحكام والمبادئ والأعراف السليمة”. كلاّ لا تكفي أيضا إدانة السيد عصام العريان، نائب رئيس حزب الحرية والعدالة، ولا تطمينه، بقوله: ” على الجميع إدانة قتل الشيخ حسن شحاتة وأتباعه في “زاوية أبو مسلم”، إنّ الدم المصري حرام “مسلما أو مسيحيا، رجلا أو امرأة، سنيا أو شيعيا، مدنيا أو شرطيا…من يشارك ولو بشطر كلمة في تكفير مؤمن أو مسلم أو التحريض على سفك الدم، أو بخطاب الكراهية ضد مواطن أومسؤول فهو شريك في الجريمة النكراء فمصر لن تنزلق أبدا إلى حرب أهلية أو فتنة طائفية أو مشاحنات مذهبية أو تطاحن سياسي يغذيه المال الحرام، ومصر ليست ولن تكون”. أ لم ينزلق رئيس الجمهورية نفسه في المشاركة بما هو أكثر من “شطر كلمة” يا سيادة عصام العريان؟ متى سيوضع حد لخطاب التجييش والتطييف؟ متى سيتم القبض على الجناة وتقديمهم للعدالة حماية للسلم الإجتماعي وقطع الطريق أمام من يصطاد هكذا فرص للإستقواء بالخارج واستدعاء تدخّله؟ أ لم يهدّد بهاء أنور، المتحدّث باسم الشيعة في مصر بقوله: “الشيعة ستعقد مؤتمرًا صحفيًا لإعطاء مهلة للحكومة المصرية بسرعة القبض على الجناة والمحرّضين الذين شحنوا الأهالي”؟

حين يجرؤ محمد اسماعيل، وهو المدرّس، المدرّس يا سادة، على الجهر “نحن سعداء بما حدث. وكنّا نتمنّى أن يحدث منذ زمن”!!! نعلم أننا بلغنا القاع بلا قرار، وأن الوضع استثنائي بكل المقاييس ويستدعي القرارات الإستثنائية العاجلة قبل أن يتسع الخرق على الراتق وينتقل لهيب الجنون الطائفي إلى هشيم ساحات عربية أخرى لا تنتظر إلا شرارة أعواد ثقاب، وهي كثيرة بعمّتها البيضاء أو السوداء!!

من يقوم بتعزيز هذه الفتنة هو ذاته من ساهم في ترهيب وترحيل المسيحيين من العراق ثم من بعدها من سورية ، وإلاّ ما الذي دفع الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي نفسه ذات لقاء جمعه والبطريرك الراعي، لطرح سؤاله الشهير:”الآن وقد أصبح عدد المسيحيين مليوناً وثلاثمئة ألف في لبنان ومليونا ونصف في سورية، فلماذا لا يأتي المسيحيون إلى أوروبا ويعيشون فيها، مع العلم أنه تم استيعاب مليوني مهجر مسيحي عراقي في أوروبا؟“، ما دام”لم يعد مكان آمن للمسيحيين في المشرق العربي في ظلّ صراع الحضارات، خاصة المسيحي – الإسلامي“، كما يدّعي ساركوزي.

من يُرحّلون “المواطنين اللبنانيين من الشيعة المتّهمين بالولاء لحزب الله” في دول الخليج العربي، وهذه التقارير التي تتحدّث عن 4000 مواطن عربي من لبنان ولا نقول “شيعي”، كما يصنّفونهم، هم الآن على قوائم الترحيل، لا يفعلون غير تعميق الأزمة وتذكية نارها، وإلاّ فليخبرنا عباقرة هذه الخطوة الغبية، بما هم فاعلون بعدها بمواطنيهم من معتنقي المذهب الشيعي، هؤلاء الذين يصل تعدادهم في بعض الأقطار إلى أكثر من النصف، كما في البحرين، والثلث أو ربما أكثر مثلما تقول إحصاءات غير رسمية في الكويت؟؟؟ “التطهير المذهبي، Ethnic Cleansing” أو الطائفي هو عنوان خرائط الدم القادمة وأرخبيلات المذهبية والدويلات الفاشلة..

إنّ تذكية نار بؤر الاحتقان والنّفخ في أوار الصراعات الطائفية أو المذهبية داخل المنطقة لإيقاظ الفتن وإشعال الحروب الداخلية مرتفعة ومنخفضة الوتيرة، على طول وعرض هذا الوطن، من مغربه إلى مشرقه، سيحوّل الدولة القطرية الفاشلة أصلا، إلى”كانتونات“ قبلية و”بانتوستانات“ إثنية يحكمها أمراء الحروب وهؤلاء الذين فرّختهم وأنظمة العسف الإقليمية ووكالات الإستخبارات الأجنبية. هؤلاء الذين يختطفون الحراك الثوري لشرفاء سورية، ينفّذون حرفيا تعاليم ما أوضّحته دراسة :”حدود الدم، Blood borders “، التي نشرها رالف بيترز، Ralph Peters، بمجلة البحرية الأمريكية، Armed Forces Journal، موصيا فيها بضرورة إعادة رسم الحدود والخرائط بمنطقة الشرق الأوسط، بشكل”أشد قسوة“ والعبارة عبارته، والتي يسير استراتيجيو الإدارة الأمريكية على”هديها“. أبرز ما ورد فيها من توجيهات نوجزه كالآتي: ”بما أن حدود الدول الراهنة في الشرق الأوسط هي الأكثر تعسفاً وظلماً، جنباً إلى جنب مع حدود الدول الإفريقية التي رسمها أيضاً الأوروبيون لمصلحتهم الخاصة وعليه فإنّه يقترح حدودا جديدة ستحقق العدل للسكان الذين كانوا الأكثر عرضة إلى الخديعة، وهم الأكراد، والبلوش، ثم المسيحيون والبهائيون والإسماعيليون والنقشبنديون، وغيرهم من الأقليات التي تجمعهم رابطة ”الدم والإيمان“. كذلك فإن إعادة رسم الحدود تطلّب تقسيم وإعادة تركيب كل دول الشرق الأوسط تقريباً: من الدول العربية إلى باكستان، ومن تركيا إلى إيران. ليقترح تقسيم إيران إلى أربع دول، وكذلك العربية السعودية، وسورية إلى دولتين: مذهبية عرقية جديدة و”لبنان الكبير“، الذي سيضم كل”ساحل فينيقيا“ القديم. كما يوصي بمنح معظم الأقليات الدينية والعرقية إما الاستقلال أو الحكم الذاتي. أما عن الكيان الصهيوني وهنا بيت القصيد، فرالف بيترز يعلن أن حصة ”إسرائيل“ الجغرافية في الخريطة الجديدة، وهي حصة واجبة الوجود لأن الشرق الأوسط الجديد الذي سيرث شرق أوسط بريطانيا وفرنسا، سيكون في الدرجة الأولى”أمريكياً-إسرائيلياً“ مع تلاوين أطلسية وأوروبية، ومع الحرص على طرد روسيا والصين منه.

هؤلاء الذين يحرفون المسارات الإنتفاضية ويلتفّون على استحقاقات الميادين المعمّدة بدم الشرفاء من الوطنيين، وهم يدكّون آخر الحصون ويقوّضون أعمدة المجتمع والنسيج الإجتماعي، ويؤسّسون لتدمير بنيوي وسيادي ومعنوي شامل، ويحوّلون المنطقة إلى مسرح من الدول الفاشلة، ويؤسسون لحروب طائفية لن تبقي ولن تذر، يلتقون موضوعيا مع ما يرد بقول موشي فرجي عميد الموساد السابق:”إنّ خريطة المنطقة في النظر الإسرائيلي تعرف بحسبانها بقعة من الأرض تضمّ مجموعة أقلّيات لا يوجد تاريخ يجمعها. من ثم يُصبح التأريخ الحقيقي هو تأريخ كل أقلّية على حدة. والغاية من ذلك تحقيق هدفين أساسيين هما: رفض مفهوم القوميــة العربية والدعوة إلى الوحدة العربية. ذلك أن القومــية العربية في التصوّر الإسرائيلي فكرة يحيطها الغــموض، إن لم تكن ذات موضوع على الإطلاق. وهم يعتبرون أن الوحدة العربية خرافة. فالعرب يتحدثون عن أمة واحدة، لكنهم يتصرّفون كدول متنافرة! “، ثم وهو الأهم،”تبرير شرعية الوجود الإسرائيلي الصهيوني في المنطقة“. إذ هي وفقا لذلك التوجّه تصبح خليطا من القوميات والشعوب واللّغات. وتصوّر قيام وحدة بينها هو ضرب من الوهم والمحال. النتيجة المنطقية لذلك هي أن تكون لكلّ قومية دولتها الخاصة بها، ومن هذه الزاوية تكتسب”إسرائيل“ شرعيتها، حيث تصبح إحدى الدول القومية في المنطقة. “، هل تعقلون؟؟

أخيرا من يريد إشعال مصر وحرق لبنان من جديد وتفكيك سورية، كما فكّك العراق، وإسقاطه من الخريطة، لا يحيّد بذلك مصر ولا يلغي حزب الله ولا يُسقط بذلك النظام السوري، بل يُسقط الخريطة برمّتها! راسما بذلك حدود خرائط دم رالف بيترز، فهلاّ تحسّسوا مواقع أقدامهم قبل أن تزلّ في الهوة بلا قرار!


*باحث في الفكر الإستراتيجي، جامعة باريس.

الثلاثاء، 18 يونيو 2013

الحلم الصيني أو التموضع الإستراتيجي! - نبيل نايلي*

الحلم الصيني أو التموضع الإستراتيجي! - نبيل نايلي*

"علينا بذل الجهود الحثيثة وان نتقدّم بإرادة لا تعرف الهوان من أجل دفع قضيتنا العظيمة إلى الأمام، وأن نكافح من أجل تحقيق الحلم الصيني بالتجديد العظيم للأمة الصينية.''
" الرئيس شي جين بينغ، 习近平.

انتهت القمة الأمريكية-الصينية المرتقبة يوم الأحد التاسع من جوان الجاري، واجتمع الرئيسان باراك أوباما و شي جين بينغ ما لا يقلّ عن 9 ساعات، ورغم نبرة التفاؤل التي أشاعها صنّاع القرار الأمريكيين بخصوص مداولاتها "المتميّزة والإيجابية والبنّاءة"، كما وصّفها أحد المسؤولين، أو محادثاتها "الرائعة"، كما نعتها الرئيس أوباما، ورغم ما جاء على لسان مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، توم دونيلون، Thomas Donilon، معلنا "اتفاقا تاما على الأهداف"، إلاّ أنّ خفايا القمة ورموزها ومضاعفاتها الجيو-سياسية والجو-ستراتيجية أعمق بكثير وأهمّ، خصوصا أنّ الرئيس الصيني أرادها تتويجا بالغ الدلالات لجولة داخل قلاع الإمبراطورية المترنّحة، وحدائقها الخلفية!

بعد إعطاء الأولوية للقارة الأفريقية في أولى جولاته الخارجية، شدّ الرئيس الصيني الرحال إلى أمريكا اللاتينية حيث زار ووقّع معاهدات تجارية واتفاقيات شراكة واستثمار في كل من ترينيداد وتوباغو وكوستاريكا والمكسيك. خطوة جريئة في لحظة تاريخية فارقة تشهد مخاض نظام عالمي جديد في طور التشكّل، اعتبرها بعض المحلّلين ترجمة لل"نموذج الجديد في العلاقات" الذي تؤسّس له بكين، وتوسيعا لمجالات النفوذ الصيني، وصنّفها آخرون ردّا صينيا على استراتيجيات "الإحتواء، Containment" و"الإنعطافة، The Pivot، وليدة تعاليم”الإستراتيجية الأمريكية الجديدة“، الوثيقة التي أختير لها عنوانا مشبعا بالدلالات والرمزية: ” استدامة قيادة الولايات المتحدة للعالم: أولويات دفاع القرن الواحد والعشرين، Sustaining U.S. Global Leadership: Priorities for 21st Century Defense “، والتي كشفت عزم الولايات المتحدة الأمريكية إعادة النظر في سياساتها الخارجية وانتشارها العسكري وتحالفاتها الإستراتيجية بالتركيز أساسا على منطقة الباسيفيكي. من خلال هذه الإستراتيجة يسعى الأمريكيون إلى خنق الصين ومحاصرة نفوذها المتنامي وذلك بالتغلغل داخل مجالها الحيوي، وتطويقها اقتصاديا وأمنيا بالأحلاف والمعاهدات وعسكريا بالقواعد في كل من اليابان وكوريا الجنوبية وأخرى في أستراليا. يبدو أن حسابات الحقل الصيني لم توافق البيدر الأمريكي وها هم الصينيون يخترقون مجالاتهم الحيوية كما اخترق قراصنتهم السيبيريون مواقع شركاتهم ليستولوا على تصاميم الأسلحة الأمريكية المتطوّرة والأكثر سرية وحساسية، وأنظمة الدفاعات الصاروخية، مفخرة العسكرية الأمريكية، والطائرات والسفن المقاتلة.

في صمت وثبات وسرعة، وترجمة لشعارات برنامج تختزله اللفظة الرسمية الحكومية الصينية "Zou chuqu، 走出去،" التي تعني "إذهب أو سافر بعيدا"، مع ما تستبطنه من أبعاد جيو-إقتصادية، وجيو-سياسية وجيو-ثقافية، تعزّز الصين تغلغلها وبسط نفوذها مكثّفة استثماراتها في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وفق مقاربة شاملة لا تقتصر على ضمان مصدر للموارد المنجمية والمحروقات، فحسب، بل تتجاوزها إلى المساهمة في البنى التحتية للسكك الحديدية والصلب وكل المشاريع العملاقة والإستراتيجية. تماما كأفريقيا والدول العربية، فإن أمركيا اللاتينية، أضحت بالنسبة للحكومة الصينية مجالا خصبا لتطبيق المبادئ الخمس لما يُسمّى "ميثاق بكين" الراجع تاريخ إعداده لسنة 1964، تحت إشراف الوزير زهو إنلاي، Zhou Enlai، الذي ترتكز عليه دعائم السياسة الخارجية الصينية: إحترام سلامة الحدود وسيادة الدول المطلقة عليها، عدم الإعتداء، عدم التدخّل في الشؤون الداخلية، التكافؤ والبحث عن المصالح المشتركة، التعايش بسلام.

يبلغ التنفّذ والزحف الصيني باتجاه الفناء الداخلي الأمريكي ما أضحى يهدّد المصالح الحيوية الأمريكية وكعب أخيلها التصنيعي والتسويقي والإستثماري، ما حدا بريجيس سوبرويار، Régis Soubrouillard، إلى الذهاب في تقرير نشره بصحيفة ماريان الفرنسية، Marianne، حد القول بأنّ الصين تتصرّف في أمريكا اللاتينية ووكأنّ "المكان على ذمّتها: بحيث تسوّي جبلا في البيرو، وتطوّر حقول النفط في فنزويلا، وتحوّل منطقة سيرادو الغابية في البرازيل إلى حقول صويا، وتضع شركاتها النفطية يدها على أكثر من 3 ملايين هكتار من الغابات الأمازونية البكر في الإكوادور"! التنين الصيني المتحفّز ما عاد قادرا على كبح جماحه. فالصين تريد الإعتراض على مناطق نفوذ واشنطن في أمريكا اللاتينية والكاريبي، هذا ما يؤكّده كاتب الإفتتحايات دينغ غانغ ، Ding Gang، عبر مقالات ينشرها بالصحيفة الصينية الرسمية، غلوبال تايمز، Global Times، بقوله: "بينما تستقرّ الولايات المتحدة في مناطق نفوذ الصين تحذو الصين حذوها وتفعل مثلها".

صاحب عقيدة "الإنعطافة، The Pivot"، والجازم بالقول بأنّ "الولايات المتحدة الأمريكية هي قوة باسيفيكية، ونحن موجودون هنا لنبقى!"، الرئيس الأمريكي أوباما، المرحّب بما يسمّيه "صعود الصين السلمي، Peaceful Rise"، ورغم تأكيده على "وجود مجالات للتوتّر بين البلدين"، يراهن بناء على "علاقات تعاونية قوية بين الشعبين الصيني والأمريكي"، لا شكّ يستأنس بما يقوله أحد أكبر عرّابي السياسة الخارجية الأمريكية، وزير الخارجية الأمريكي السابق، هنري كيسنجر، Henry Kissinger، الذي استشرف الموقف قبل عقد القمة قائلا: "يبدو لي أن الطرفين عازمان على مراجعة وعودهما من أجل النظر في إمكانية التوصّل إلى علاقات مبنية على نوع الرؤى المستقبلية التي تتجاوز اللّحظة، بمعنى أنها ستذهب أبعد من معالجة المشاكل الآنية"

ولكن إذا كان باراك أوباما يمنّي النفس ب"صعود سلمي" للصين ويأمل في قيام "علاقة تعاونية قوية" بين الشعبين في إطار "نموذج جديد للتعاون" مع بكين، رغم ملفات و"مجالات التوتّر" العالقة، فإنّ نظيره الصيني الجامح، شي جين بينغ، يذهب أبعد ليعلن رغبة صينية ملحّة في صياغة "نموذج جديد في العلاقات بين البلدين الكبيرين". نموذج جديد، يختزل ملامحه شعار ابتدعه الرئيس شي جينبينغ نفسه هو: الحلم الصيني في موازاة أو تضادد مع الحلم الأمريكي! أما عن الحلم الصيني فخير من يفكّك تفاسيره، العقيد المتقاعد، ليو مينغفو، Liu Mingfu، صاحب كتاب يحمل عنوانا، عميق الدلالات، هو: "الحلم الصيني: تفكير القوى العظمى والتموضع الإستراتيجي في حقبة أفول القوة الأمريكية، The China Dream: Great Power Thinking and Strategic Posture in the Post-America Era."، والذي أعرب فيه عن الرغبة في تحويل الصين إلى "القوة المهيمنة في العالم". ليو مينغفو يقول بوضوح: "منذ القرن التاسع عشر كبت الصين على المسرح الدولي، ولكن الرئيس شي يحلم ببناء أمة قوية وجيش جبار." فهل يتعايش حلمان؟ وهل هو قدر الولايات المحتوم؟

في ظل التقلّص التدريجي لمجالات نفوذ القوتين وتمدّدهما الإستراتيجي، باتت الفضاءات الحيوية العصية في السابق، هي الأخرى هدفا يُشدّ له الرحال، بل وتُستهلّ به زيارة قمة، دون أن يجد الصينيون في ذلك حرجا أو يرفّ لهم جفن دبلوماسي. هذا ما يختزله المحلّل السياسي ليوناردو كورزيو، Leonardo Curzio، بقوله: "نحن نشهد تغيّرا جذريا في الموقف الصيني من أمريكا اللاتينية. في السابق كانت الصين حذرة جدا ومهتمة فقط بالمواد الأولية والتصنيع، أما اليوم فالصينيون يأتون بكل عجرفة وبرسالة واضحة: نحن قوة عظمى ونريد نصيبنا من الكعكة."

إذا كان زبيجنيو بريجينسكي، Zbigniew Brzezinski، الخبير الإستراتيجي المعروف ومستشار كارتر للأمن القومي، لم يفوّت هذه الفرصة ليصرّح، في إقرار واضح بتراجع الدور القيادي الأمريكي وإعتراف ضمني بصعود نجم منافس جدّي إسمه الصين، بضرورة إقامة ما سمّاه""شراكة حيوية تاريخية طويلة الأمد"، "ليس فقط لكلا البلدين"، كما يؤكّد "ولكن للعالم كلّه أيضا"! محذّرا في الآن ذاته بقوله:"إذا لم يحافظ الجانبان على تلك الشراكة فسوف يعاني كلاهما، لأنّ قدرة العالم على الإشتراك فى تعاون واسع النطاق سوف تتضاءل بشدة"! ليخلص محمّلا الرئيسين "مسؤولية تاريخية". فإن غيره من الخبراء الإستراتجيين ودبابات الفكر، think-tanks، باتوا يتحدّثون هذه الأيام عمّا يسمّونه ب"الحذر الإستراتيجي المتبادل، Mutual Strategic Suspicion "، ليس الحذر الناتج عن العاطفة، بل المتمخّض عن دراسة وتحليلات على مدى طويل، كما يوضّح كينيث ليبرثال، Kenneth Lieberthal، الباحث بمؤسسة بروكينغز، Brookings Institution.

أمريكا اللاتينية، التي تعتبرها الولايات المتحدة فناءها الخلفي، لم تعرها الصين كل هذا الإهتمام على مدى نصف القرن الماضي، ولكن نهمها المتعاظم للمواد الخام من جهة، وإصرارها على تعزيز فرص قدراتها التنافسية على الريادة ومصادر الطاقة وعوامل القوة، الناعمة والصلبة، والحدّ من مضاعفات "إستراتيجية الإنعطافة" الأمريكية، من جهة أخرى، يدفع بصانع القرار الصيني إلى استبدال استراتيجيات الإنكفاء المتحفّز بنهج الهجوم الكاسح على التخوم. يتغلغل التمدّد الإستراتيجي الصيني، الزاحف من قارة إلى قارة، عميقا داخل المجالات الحيوية الإستراتيجية الأمريكية والأوروبية على حد السواء، ما جعل الباحث في مركز دراسات القارات الثلاث، Centre tricontinental، فريدريك توماس، Frédéric Thomas، يقول: "إنّه في الوقت الذي أصبحت فيه أمريكا اللاتينية المزوّد الرئيسي في مجال النفط والنحاس وزيت السوجا إلى الصين، بما أنّ هذه الأخيرة تعدّ الوجهة الأولى أو الثانية للصادرات البرازيلية والشيلية والبيروفيّة، فإنّ هذا الوضع الجديد أعاد، نسبيا، إنتاج ردود الفعل، والخوف من الخطر الأصفر والتقييمات المتضادّة، بين الفرص التي يجب اقتناصها والمشاكل الجديدة التي يتحتّم مواجهتها، الذي أثاره اختراق الصين لأفريقيا وإذا ما أعدنا قراءة المشهد انطلاقا من الصراع والمقاومة الذي يولّده، فان العلاقات بين الصين وأمريكا اللاتينية تظهر على حقيقتها: صورة متعاظمة لنموذج عالمي، ينتج ويعيد إنتاج اللامساواة وعدم التكافؤ، والكوارث البيئية، والإصلاح الزراعي المضاد من خلال مصادرة الأراضي الفلاحيّة.. والحلول الكاذبة".! هل هي ملامح الإمبريالية الجديدة؟ أ ليس هناك خيار لباقي الأمم غير القناعة بإحدى الإمبرياليتين؟ أن يعود العالم إلى تعددية قطبية لا يعني ضرورة أن يكون أكثر عدلا!!

الحلم الصيني في مواجهة مؤجّلة مع الحلم الأمريكي، لا تغرنّكم لغة الدبلوماسية الخشبية. فإذا كانت وزيرة الخارجية الأمريكية، هيلاري كلينتون، Hillary Clinton، صاحبة المقال التأسيسي”عصر أمريكا الباسيفيكي America’s Pacific Century “، قد سبق وأعربت عن قلقها من الصعود الصيني بقولها: "إذا ما نظرنا إلى النجاحات التي تحققها الصين في أمريكا اللاتينية، فإننا نرى أمرا مقلقا للغاية.. إنها بصدد إقامة علاقات إقتصادية وسياسية قوية جدا مع الكثير من هؤلاء المسؤولين ولا أعتقد أن ذلك يصب في مصلحتنا!"، فإنّ جاف بادر، Jeff Bader، أحد مستشاري أوباما للأمن القومي، يختزل القادم كأبلغ ما يكون بتصريحه: "بين قوة قائمة وقوة صاعدة نادرا ما تنتهي العلاقات بشكل ودّي!". قبل ذلك هل تكتفي القوتان بعلاقة "الصداقة اللّدودة" أو ما يسمّيه الأمريكيون: " Frenemy"، في دمج بين متناقضين، نصف صديق نصف عدو؟ الصينيون لا شكّ يتمثّلون نصائح منظّرهم الإستراتيجي العسكري الأشهر، سون تزو، 孫子، :”أخضع عدوك دون قتال... كل الحروب تقوم على الخداع “ ! فماذا عن الأمريكيين و خصوصا من وضعوا كل بيضهم في سلالهم؟؟؟؟

*باحث في الفكر الإستراتيجي، جامعة باريس.

الجمعة، 14 يونيو 2013

غنيمة حرب الصين السيبيرية ! نبيل نايلي*

غنيمة حرب الصين السيبيرية !

نبيل نايلي
“هذا الإختراق يعني توفير ملايين من الدولارات كانت ستصرفها الصين لتأمين تفوّقا وأفضلية عسكرية في حال نشوب حرب….
لقد وفّر الصينيون على أنفسهم –جهد ووقت- 25 سنة من البحث والتطوير! إنها معضلة كبرى!” أحد المسؤولين العسكريين الأمريكيين.

حين ينتهي تقرير مجلس العلوم الدفاعية، The Defense Science Board، بخلاصة مفزعة مفادها أنّ “كل ترسانة الأسلحة النووية الأمريكية أعجز ما تكون عن مجابهة هجوم إلكتروني شامل، وحين تُفرد صحيفة الواشنطن بوست، Washington Post، افتتاحيتها لتشير بوضوح لعدم جاهزية الولايات المتحدة الأمريكية لحرب سيبيرية وتعلن “إنه لمن المقلق أن تدخل الولايات المتحدة عصر الصراع الإلكتروني بوضعها الراهن”، ثمّ تتعمّد استباق القمة الصينية-الأمريكية فتنشر تقريرا تفصيليا يفضح حجم إختراق وتغلغل القرصنة الصينية بأدق مفاصل مفخرة الصناعات العسكرية الأمريكية ووضع يدها على تصاميم أكثر من 24 نظاما هاما للأسلحة الأمريكية، نُدرك أن حرب القراصنة السيبيرية “الحقيقية والخطيرة للغاية”، كما يوصّفها وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل، Chuck Hagel، أضحت لا تهدّد السبق النوعي التقني والتسلّحى الأمريكي على باقي أمم العالم، فحسب، بل تضع أمن ووجود الولايات المتحدة الأمريكية تحت رحمة كبسة زر صيني!
تقرير الواشنطن بوست يكشف بالتفصيل وقائع وملابسات وخسائر الحرب السيبيرية التي يقودها القراصنة الصينيون رغم التحذيرات الأمريكية التي تتحوّل تدريجيا إلى تهديدات قد تنذر بوخيم العواقب. أكثر من 25 سنة سبق تسلّحي ومعرفي صار بحوزة الصينيين دون أن يكلّفوا ميزانيتهم فلسا! من تصاميم الأسلحة الأمريكية المتطوّرة والأكثر سرّية التي تضمن التفوّق النوعي الإستراتيجي، إلى أنظمة الدفاعات الصاروخية، مفخرة العسكرية الأمريكية، إلى الطائرات والسفن المقاتلة، كل ذلك طالته أيادي القراصنة الصينيين! هذه التفاصيل الهامة والخطيرة أوردتها الصحيفة نقلا عن “أجزاء لم تنشر في السابق” من تقرير كان أعدّه مجلس علوم الدفاع، The Defense Science Board، لمصلحة وزارة الدفاع الأمريكية، البنتاغون، ولمسؤولين في الحكومة ومؤسسات الصناعات الدفاعية. لا يتردّد الخبراء الأمريكيون في تقييم حجم ومدى تغلغل الإستخبارات و فرق الجوسسة السيبيرية الصينية، واعتبار ذلك عاملا لا يقلّص من الهوة الفاصلة بين الأمريكيين والصينيين في هذه المجالات، ولا يمنح منافس الغد القريب فرصة ثمينة لتسريع عمليات تطوير ومحاكات برامجها العسكرية، فحسب، بل ويشكّل عامل تهديد مباشر قد يمسّ ويقوّض أمن ودفاعات الولايات المتحدة الأمريكية!! مساس وتقويض من يملك القدرة على التحكّم بالمنظومة ويعرف نقاط ضعفها، فما بالك إذا كان بمقدوره التلاعب ببياناتها وبرمجياتها! يوجز وزير الدفاع الأمريكي كلّ ذلك بقوله: ” إنّ مخاطر الصراع الإلكتروني تتفاوت ما بين تعطيل شبكات الطاقة إلى تدمير الأنظمة المالية إلى إيقاف شبكات الدفاع”!!!
لئن تكتّم أعضاء مجلس علوم الدفاع، اللجنة الإستشارية المؤلّفة من ثلّة من الخبراء العاملين في الحكومة أو المدنيين، فإن مسؤولين رفيعي المستوى من العسكريين والصناعيين التابعين لمجالات الدفاع، لم يتردّدوا في الإشارة بأصابع الإتهام إلى الحكومة الصينية وجيشها، وإلى هجمات قراصنتهم التي لم تستثني لا الوكالات الحكومية ولا الشركات الكبرى ولا المصارف، ولا الصحف الكبرى، بل استهدفت المجالات الإستراتيجية وشركات الكهرباء ومرافق البنية التحتية الأمريكية الحساسة، وأخيرا متعهّدي وزارة الدفاع الأمريكية. كشفت دراسة قامت بها شركة “مانديانت، Mandiant”، المختصّة في أمن الحواسيب ونظمها، أنّ لجيش التحرير الشعبي الصيني وحدات مختصّة في هذه العمليات. من بينها الوحدة الأشهر، والتي تحمل إسم (61398部队)، أو الوحدة 61398، التي تضمّ بين صفوفها جماعات قرصنة يديرها ضباط في الجيش أو متعهّدون يعملون لصالح جهات لها علاقة وطيدة بالحكومة أو وزارة الدفاع الصينية. يعمل هذا الفريق داخل مقر “وحدة أمن الحواسيب بالجيش الصيني” المؤلّف من 12 طابقا في أحد أحياء مدينة شنغهاي!
من خلال إلقاء نظرة سريعة على “غنائم” حرب الصين السيبيرية، يصدق اليوم، بما لا يدع مجالا للشك، تقدير كان يشكّل التحذير أو ناقوس الخطر، ضمّنه من أشرف على كتابة تقرير صدر في جانفي الماضي كان أشار بوضوح إلى أن وزارة الدفاع الأمريكية “غير مؤهّلة وغير جاهزة لتحدّيات ومواجهة هجوم سيبيري شامل”!!!
حجم الإختراق كما أشرنا مفزع وخطير، ويكفي الإطلاع على قائمة الجرد التي وردت في التقرير لنكتشف أن تعليق أحد المتحدّثين بإسم البنتاغون، الذي أورده في رسالة إلكترونية، جاء فيها: “لدى وزارة الدفاع قلق متزايد من الخطر العالمي للأمن الاقتصادي والقومي الذي تسبّبه عمليات التسلّل السيبيرية المستمرّة والتي تهدف إلى سرقة ملكيات فكرية وأسرار تجارية وبيانات تجارية ما يقوّض التقدّم التنافسي للشركات الأمريكية مثل تلك الناشطة في الصناعات الدفاعية”، ليس إلاّ إقرار بالفضيحة ومحاولة يائسة للتخفيف والتضليل.قائمة الجرد الطويلة، المُشار إليها، تضمّ مفخرة الصناعات الدفاعية والهجومية للعسكرية الأمريكية التي باتت تحت تصرّف الجيش الشعبي الصيني، نورد منها على سبيل الذكر لا الحصر:
  • · أنظمة الدفاع الصاروخية الأساسية في آسيا وأوروبا والخليج،
  • · وأنظمة صواريخ أيجيس، Aegis، الباليستية الخاصة بالبحرية.،
  • · نظام صواريخ باتريوت، PAC-3، ونظام أسلحة خاص بالجيش يهدف إلى اسقاط صواريخ باليستية، Terminal High Altitude Area Defense، THAAD،
  • · أنظمة طائرات وسفن مقاتلة مثل مقاتلة FA-18، آف آي 18، و V-22، في -22 “أوسبري”، وسفينة”ليتورال“ الحربية التابعة للبحرية والمصمّمة للقيام بدوريات قريبة من الشواطئ،
  • · نظام مقاتلاتF-35 ، آف -35، الأغلى في تاريخ نظم الأسلحة الأمريكية، والذي كلّف ما لا يقلّ عن 1.4 تريليون دولار،
في اختصار شديد، أبلغ ما قيل تعليقا على هذه الحرب المفتوحة قول أحد المسؤولين العسكريين الذي رفض الكشف عن إسمه للواشنطن بوست قوله: “هذا الإختراق يعني توفير ملايين من الدولارات كانت ستصرفها الصين لتأمين تفوّقا وأفضلية عسكرية في حال نشوب حرب…. لقد وفّر الصينيون على أنفسهم –جهد ووقت- 25 سنة من البحث والتطوير! إنها معضلة كبرى!!!! “
وزارة الدفاع الصينية سارعت كعادتها إلى النفي بشكل قاطع ما ورد بالتقرير الأمريكي. جاء ذلك على لسان المتحدث باسم وزارة دفاعها، جنغ يان شنغ، الذي اعتبر أنّ التقرير لا”يقلّل من قدرات البنتاغون في مجال الأمن الدفاعي، فحسب، بل يستخفّ بذكاء الشعب الصيني، أيضا”، محاججا بما تملكه الصين من قدرة على تصنيع وتطوير عتادها العسكري لضمان أمنها القومي، برهنت عليها طائرة شينغدو جي-20، Chengdu J-20، النفّاثة الجديدة، الشبيهة جدا بالطائرة الشبح الأمريكية آف-117 نايت هوك، F117 Night Hawk، وبما يشهده أسطولها البحري من تحديث سريع. وستبرهن عليه أكثر وهي التي تتأهّب لإجراء مناورات عسكرية، في منطقة منغوليا، شمال البلاد، سيستخدم خلالها جيش التحرير الشعبي، لأول مرة، تكنولوجيات رقمية. كما سيشرّك رجال العسكرية الصينية في مناوراتهم قوات مقاتلة تضمّ “الوحدات الرقمية” و”وحدات العمليات الخاصة” وسلاح الطيران و”قوات مكافحة القرصنة الإلكترونية”، لا شكّ ستستغلّ هذه الفرصة للإستعراض والبرهنة على أنّ زمن إنكفاء التنّين الصيني قد ولّى إلى غير رجعة.
لقد أضحى تصنّت الصين على الشبكات الالكترونية مصدر قلق جدي سيما وأنّ المهارات المطلوبة لهذه الاختراقات هي نفسها التي قد تستخدم يوم يراد بها شن هجمات على شبكات المعلوماتية، كعب أخيل النظام المعلوماتي والإقتصادي والأمني والعسكري، وتمكّن القراصنة الصينيين من وضع اليد على مفخرة الصناعات الأمريكية، يشكّل عامل تهديد مباشر وحربا سيبيرية معلنة وإن مارس الصينيون حالة إنكارهم، وهم من لم يتردّدوا في استهداف، من ضمن ما استهدفوه، مسودّات الخرائط السرّية لمقرّ الاستخبارات الأسترالية الجديد!!!
هل تكفي دعوة، حتى لا نقول تذلّل، مستشار الأمن القومي الأمريكي توم دونيلون، Tom Donilon، إلى “تعزيز العلاقات بين بلاده والصين لتشمل مكافحة القرصنة؟ أو نداء وزير الدفاع الأميركي، تشاك هيغل، وهو في طريقه إلى سنغافورة حيث يُعقد مؤتمر إقليمي عن الأمن في آسيا والمحيط الهادئ سيستمر 4 أيام، لوضع ما سمّاه ب”مدونة سلوك” للتصدّي للهجمات الإلكترونية؟ ماذا عن مشروع إتفاقية إنشاء “مجموعة مكافحة القرصنة الإلكترونية المشتركة” بين الولايات المتحدة والصين، التي هلّل لها جون كيري؟ هل تستسيغ الصين الجامحة والتي تحاصرها الولايات المتحدة بإستراتيجيات قرنها الباسيفيكي ومحاولاتها الدؤوبة تطويقها بالأحلاف والقواعد لقول توم دونيلون مخاطبا فان تشانغ لونغ، نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية الصينية: إن “جزءا أساسيا من بناء نموذج جديد للعلاقات بين القوى الكبرى هو ضمان أن يكون لدينا علاقة عسكرية قوية ومستقرّة وموثوق بها”؟ ألا يزال حلم “الفضاء الإفتراضي الآمن” قائما؟ للصين وجهة نظرها التي يستبطنها تصريح فان تشانغ لونغ الداعي إلى “نوع جديد من العلاقات بين القوى الكبرى”!
القمة المرتقبة بين الرئيسين الأمريكي، باراك أوباما، ونظيره الصيني ،شي جين بينغ ، لن يغيب عنها ملف القرصنة الذي أضحى يقضّ مضجع مسؤولي وزارة الدفاع الأمريكية. توقيت تقرير الواشنطن بوست، غير البريء في تزامنه وزيارة توم دونيلون من جهة، وتصريحات وزير الدفاع في سنغفورة، تماما كما استعدادت القمة الرئاسية من جهة أخرى، سيجعل ملف الأمن السيبيري الشائك في أعلى بنود أجندة النقاش.
أخيرا، أين يقف العرب من المواجهة المحتومة؟ وماذا يمكن أن يجنوه من التنافس المرشّح أن يتحوّل إلى تناحر بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين؟ لا شيء يوحي في المنظور القريب، ولا حتى في زمن”الربيع“ العربي، بأن العرب، بما في ذلك عرب”الثورة“، يضعون حدّا لعلاقة الإرتهان للولايات المتحدة التي كانت تقايض بها أنظمة العسف بقاءها، ولا هم في، الحد الأدنى، يستفيدون من المعادلات التي تتغيّر، ليراهنوا على أنفسهم هذه المرة لتشكيل نظام عربي حقيقي، لا يرتهن لا لأمريكا ولا للصين ولا لأي قوة كامنة أو صاعدة. من لا يزال يتلذّذ سادية ترف المراوحة والتردّد، فليطرق السمع لجواب الاستراتيجي المعروف ومستشار الأمن القومي في عهد جيمي كارتر، زبيغنيو بريجنسكي، Zbigniew Brzezinski، عن سؤال:”كيف سيكون شكل العالم في ظل الانحدار الأميركي اليوم؟“، وهو يرسم لوحة قيامية، مستشرفا التداعيات المستقبلية لفقدان أمريكا دفّة القيادة، تتمثّل في ظهور سلسلة من ردود الفعل السريعة التي ستغرق العالم في حمى الاضطرابات السياسية والاقتصادية. ففي ظلّ غياب قوة أخرى جاهزة للعب دور الولايات المتحدة، كما يعتقد، فإن”السيناريو الأرجح هو الدخول في حقبة طويلة من الاصطفافات غير المحسومة التي تجمع القوى الإقليمية والعالمية على السواء، لن يكون فيها فائزون كبار بل خاسرون كثر“. الخاسرون بمنظوره، هم أولئك الذين رهنوا أمنهم واقتصادهم ومصيرهم بالولايات المتحدة. يعدّدهم تباعا:”جورجيا وتايوان وكوريا الجنوبية وبيلاروسيا وأوكرانيا وأفغانستان وباكستان وإسرائيل و”الشرق الأوسط الكبير”، ويصفهم بأنهم “كالأنواع المهدّدة بالانقراض” ، داخل المعادلة الجيو-سياسية العالمية!
هل تستشعر “الأنواع المهدّدة بالإنقراض” وقع ما يمكن أن يحصل أم تستسلم لمصير يرسمه غيرها؟

*باحث في الفكر الإستراتيجي، جامعة باريس.
نشر في أخبار عسكرية, ثقافة وفنون, دراسات, كتاب التقدمية