‏إظهار الرسائل ذات التسميات هيام مصطفى قبلان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات هيام مصطفى قبلان. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 3 ديسمبر 2018

حوار خاص مع الشاعرة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان

حوار خاص مع الشاعرة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان 
عبدالكريم القيشوري/ المغرب
حوار خاص مع المبدعة المتعددة ؛ الشاعرة المجددة؛ الروائية المبصرة والناقدة الحصيفة التي تمتح تيماتها من الحنين والعطف؛ والغضب والثورة؛ والضياع والصمت وتحكي عن الرحيل والانتماء والغربة والوطن.. وتدافع عن حقوق المرأة والقضية النسائية؛ عازفة البيانو والمؤهلة للعلاج بالفن “الرسم والموسيقى”(ثيرابيا) . التي تكتب بقلبها. الإنسانة التي تلد القصيدة.وتعتبر الكلمة أقوى من طلقة الرصاص في اختراق الحدود والحواجز..
إنها الكاتبة الأديبة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان 
من قرية عسفيا جبل الكرمل قرب حيفا بفلسطين.
– ليسانس تاريخ عام . ماجستير لغة عربية تخصص أدب.
ترجمت قصائدها للعديد من اللغات : العبرية ؛ الفرنسية ؛ الإنجليزية ؛ الإسبانية..
كان لنا حوار معها حول تجربتها الإبداعية والحياتية وأشياء أخرى لنتابع :
——————————————-
س1- اجتمع في المبدعة هيام مصطفى قبلان ما تفرق في غيرها. شاعرة/روائية/قاصة/ ناقدة/ مربية/ إعلامية. ما الخيط الناظم الذي يجمع بين هذا العقد ؟
ج) ألذي يجمع بين هذا العقد الكلمة ,جوهرة اللغة والابداع ,عشقي للحبر الممزوج بخمر المنافي…ورائحة المكان , والانعتاق من قيد الجهل وكسر عصا الطاعة التي كانت وما تزال تهوي على جسد المرأة التي تنشد الحرية وتخرج سافرة من تحت أردية الخيام.

س2- كيف تسرب ماء الشعر إلى ذات مبدعتنا هيام ؟
ج) لا أدري كيف ومتى اخترقني هاجس الشعر وحطّ على مفصل القلب وداعب أوتار الروح وأنا على مقاعد دراستي الأولى وفي سن صغيرة لم تتبرعم فيها بعد فتنة رمّاني ,, لا أدري كيف دسّ هذا المجنون يده تحت ثوبي ولامس جسدي فانتشت الروح واحتفت باحتلاله وكأن تسرّب ماء الشعر الى شراييني خطيئة كبرى جعلتني أهرب لأحضان كرمنا المغمور بأشجار اللوز والمشمش والتين والعنب , لم تكن سلّتي مليئة بالكعك بل بأوراق وأقلام خبأتها كي لا تشمّ رائحتها الشمس ولا الهواء وتذيع سرّي لعائلتي لأن الكتابة والبوح خروج عن المألوف في ضيعة جبلية فيها تنحني الأنثى للرجل .. الى أن علم والدي وكانت المفاجـأة باحتضاني وشراء حقيبة صغيرة تكون لي خاصتي أضع فيها دفترا وربطة أقلام وألوان ،،، حينها بدأت أتأبط الأجنحة المتكسرة لجبران خليل جبران وأركض الى الكرم أتفيّأ في ظل الأشجار وأرقب الشمس حتى تغيب وأعود أدراجي.

س3- تعتبرين نفسك مزيجا من الأوطان . كيف ؟
ج) والدي من سوريا . وأمّي من لبنان ,,وأنا ولدت في فلسطين .. هنا تدخل قضية الانتماء وتداخل موتيف ( الغربة , والسفر ، والهوية) …فأيّ من الأوطان وطني ؟ لذا أعتبر أنني حين أكتب لا أكتب فقط لوطني الذي أعيش فيه وانما أنا ابنة الأوطان ..المبدع هو ابن العالم وما يحدث هنا أو هناك ..يحثّه على الكتابة والتأمّل والمشاركة … المبدع بقلمه يتخطى الحدود الجغرافية ولا يفرّق بين لون ودين وهوية …نعم أنا مزيج من الأوطان , أنا لست ملك نفسي.


س4- ماذا عن الثالوث الفلسفي الذي طبع نصوصك من خلال كتابك ” بين أصابع البحر” حيث الحديث عن : الولادة – الموت – البحث عن الذات الآخرى ؟

ج) كتابي بين أصابع البحر قسّم لأبواب .. الباب الأول عن الولادة وفلسفة المجيء الى الدنيا ولماذا ومن أين وكيف ومتى ..وهل كل هذا مكتوب على الانسان ؟ هل هو قدر .. أم …وأترك للقارئ من خلال نصوصي الإجابة .. أما الباب الثاني عن الموت مقابل الحياة وهنا السؤال هل الإنسان مخيّر أم مسيّر .. هل الموت حقّ أم أن لكل منا ساعة محدّدة للرحيل وهل يوجد حياة بعد الموت ؟ وهنا يدخل موضوع ( التقمص) أو ما يسمى بتناسخ الأرواح وبأن الجسد يفنى وتبقى الروح . الباب الثالث فيه الإنسان يبحث عن نفسه ،، هذا الضياع وسط الزحام .. الاغتراب ,والبحث عن الذات الأخرى المفقودة .

س5- عناوين إصداراتك خاصة المجموعات الشعرية : 
1-آمال على الدروب . 2- همسات صارخة.3- وجوه وسفر. 4- بين أصابع البحر. 5- طفل خارج من معطفه. 6- انزع قيدك واتبعني. 7- لا أرى غير ظلي. 8- “على شفة الورد”. وروايتك الأخيرة : ” رائحة الزمن العاري” هل يمكن اعتبارها تعبيرا عن الحزن والثورة و الهوية والذات.. المولدة لجمالية الإبداع ؟
ج) جميع مجموعاتي الشعرية تعبّر عن ثورة الكائن من أجل أن يكون لأنه كي يذوق طعم الحرية عليه أن يثور على الفكر المعتم ويحرّر فكره من العقلية القبلية المتوارثة المليئة بالثقوب فمعظم ثورات الشعوب في التاريخ قامت لتسحق الظلم وتناشد بالتغيير ومن هذا المنطلق فقدان الشخص لهويته وأرضه ولغته وشعبه سوف يؤدي به الى الضياع وما الحزن الا ابن الضياع وفقدان الفرح والاستقرار ,, جميع اصداراتي الذات فيها هي المركز ومن الطبيعي حين تتداخل جميع هذه الطاقات في الكتابة وتلتحم تولّد جمالية الابداع .فالمبدع لا يمكنه الكتابة من فراغ يحتاج لمحفّزات كي يستمر وأن لا يجفّ حبره.

س6- النقد وعلاقته بالعمل الإبداعي تقولين : بأنه أصبح استعراضا للعمل وليس إبحارا لولوج جسد العمل. هل العمل الإبداعي جسد بلا روح ؟
ج)أعني بجسد العمل أي ( لبّ) الموضوع من فحوى ومضمون , من بناء وهيكلة العمل وكل عمل ينظر إليه فقط كمكان للتخزين دون روح ولا مشاعر أعتبره عملا ناقصا ،،، واليوم للأسف النقد أصبح استعراضا للعمل دون الدخول إليه وإظهار الجماليات الإبداعية , والإشارة إلى الجوانب السلبية نحن نفتقد لنقد صادق واضح يثير بنا الرغبة للقراءة ..أصبحت المجاملات سيدة الموقف وعلى الناقد الحقيقي أن ينقد العمل دون التطلّع لمن العمل .

س7- ما رأي مبدعتنا هيام في عملية تيسير نشر الكتابات الإبداعية التي منحتها وسائل التواصل الاجتماعي بمختلف أشكالها ؟
ج) لوسائل التواصل الاجتماعي إيجابيات وسلبيات : بالنسبة لنشر الكاتب في صفحته ما يريد من إنتاجه الإبداعي ربما يحقق له ما يريد من الانتشار كوسيلة نشر سريعة ولكن السلبي في ذلك أن الشللية والصداقات تلعب دورا هاما في الرفع من مستوى الكاتب أو تهميشه فالكثير مم ينشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي وغيره لا يستحق القراءة ولا الالتفات إليه .. للأسف الشديد المواد الجادة من شعر ورواية وقصة ومقالة لا تجد مكانا لها في الفيس بوك مثلا كي تقرأ بترو وعمق كما أن المنتديات السخيفة في الشبكة العنكبوتية التي يدخلها كل من هبّ ودب لا تليق بلغتنا الجميلة وبدون رقابة وتقلل من قيمة الأدب والعمل الأدبي ولا أعمم فأنا مثلا أعمل وخلال عشر سنوات في ( منتديات قناديل الفكر والأدب) كمدير ادارة المنتدى والمؤسس وعميد المنتدى الشاعر المصري الكبير د. جمال مرسي وبرفقة نخبة من الشعراء والأدباء والنقاد والروائيين نعمل جميعنا جهدا كبيرا للحفاظ على اللغة العربية وبشروط لمن ينتمي للمنتدى كعضو كي ينشر إبداعه أن يليق عمله بالمنتدى ومستواه وأن تكون اللغة صحيحة وهناك طبعا رقابة لكل ما يصلنا من مواد وقسم للنقد أيضا .. ما أردت أن أقول أن هذا الفضاء لوسائل التواصل فيه من السلبيات كما الإيجابيات فليس كل ما ينشر هو بالمستوى المطلوب.

س8- هل تكتب المبدعة هيام لتنو جد خارج الوجود ؛ أم لتتواجد بين وقتين ” الوجود والعدم” ؟
ج) الإبداع لا يعيش في الواقع فقط لأن الخيال أحد العناصر التي تمنح الكاتب طاقة ضوئية ليحلّق بعيدا عن الواقع ويعيش عالم الفانتازيا فيصور الأحداث والمشاهد بعين ثالثة قد لا يراها غيره .. ومن هنا أنا أعيش العالمين وأتواجد بين وقتين أحلّق لكنني أعود ،، وهذا طبعا يختلف إذا كنت أكتب القصيدة أو الرواية أو القصة لأن الأجناس الأدبية تختلف من حيث البناء والتكثيف والزمن والعناصر المستخدمة لإتمام العمل وأصعبها الرواية والقصة القصيرة المكثفة .

س9- هناك نوع من النرجسية في القول عندما يقول المبدع / الكاتب أكتب لذاتي. وهناك نوع من الادعاء حين يقول أكتب للآخرين. مفارقة يحفها البياض. كيف تتمكن المبدعة هيام من ملأ فراغات هذا البياض ؟
ج) أنا شخصيا لا أكتب لذاتي فقط بل يهمني أن يكون لي قرائي .. وبنفس الوقت أحيانا تنحصر كتاباتي في ما أسميه العمل الشخصي لتفريغ شحنات مكبوتة في الذات .. أما ما أكتبه على الملأ فمن الطبيعي أن يكون راقيا وبمستوى يليق بالقراء وبالنقاد وخاصة بعد رحلة طويلة مع الكتابة فكلما كانت التجربة أطول تكون ناضجة أكثر فيتحول المبدع من الدائرة الصغرى إلى الفضاء الأوسع أي إلى ما يجري في العالم أي من الخاص للعام .

س10- ترجمت العديد من نصوصك إلى لغات أخرى: العبرية والإنجليزية والإسبانية والفرنسية..هل للترجمة قيمة مضافة من وجهة نظرك ؟ ممكن اطلاع القراء على نموذج من هذه النصوص المترجمة ؟
ج) الترجمة تمنح المبدع الوصول الى عوالم أخرى لأن الوصول إلى حضارات وثقافات أخرى تحتاج الى وسيلة للمعرفة والاطلاع على أفكار واهتمامات مختلفة .. لذا وصولي إلى فرنسا وألمانيا وإلى دول أجنبية أخرى والتعرّف على كتاباتي وفكري وما أؤمن به من فلسفة وجودية وحرية الفرد كان عن طريق الترجمة ،، الترجمة لها أهميتها بعد كل هذا الخراب الذي يحدث في العالم ..نحن بحاجة أن نجمّل هذه الأرض التي نعيش عليها بحقن أوردتنا بالمحبة دون النظر لا للون ولا لهوية ولا لدين فاللغة هي سيّد الموقف في استحضار الحب للكون ونبذ العنف والكراهية ،،، حين يقرأني المختلف سيعلم من أنا وأن بي زاوية في حياتي تشبهه تماما . نحن ولدنا لنكون أحرارا لا تفرّق بيننا لغة بل تجمعنا.
هذه نماذج من كتاباتي المترجمة :


حان الأوان : هيام قبلان
ترجمة للانجليزية( أستاذ اللغة الانجليزية والمترجم خضر أبو حمد)

حان الوقت لتعترف أنني لست وليمتك البدائية

ولست أسطورتك المفضلة من عهد بابل

لا الزّيف ثروتي ولا المغامرة عنواني

لست الحبلى التي تلد من رحمها الأحزان

ولا أنا أنشودة تغنّى في مجالس السلطان

يا منغرسا في جسدي كما يجري الدم في الشريان

بيني وبينك تجري لعبة خطرة

لعبة تصلب كالحق في دنيا الزحام

ما بال العمالقة تهوي

ويختفي مجدها في الليالي العتام؟

حاولت يا رفيق الكلمات أن أجعل

من صمتك ثديا لآلاف النّساء

ولطفولتي الساكنة فيك مرقصا

لا تلوّث شفاهه الدّماء

حاولت أن أنهي لعبتنا كي لا تكون كبش الفداء

ماذا أقول حين يسألني الصغار

عن ذريّة جدبة سوى أنك من الحلم تأتي

من قهر الأيام تأتي حاملا على كتفك نعشا من ماء

ماذا تبقّى لتعترف أنني لم أكن تحفتك

ولم يتسلّل الأنذال الى قصري

لم يرفع عن ستري الغطاء…..

حان وقت الاعتراف أنّ منازلنا أضحت خرابا

ولجوئك في حمى الغرباء كبيوت الرمل

سوف تمسي في الغد سرابا

كنت لديك دمع الياسمين وباب الفرح

وفؤادي عجن بزعتر وسنابل مذ هواك

ويلي.. اليوم يا لائمي أصبحت ذكرى

أصبحت من باح في السّر فأشقاك

ما كنت أدري أنّني عبرت بقربك كالظّل

كما عبر دمعي في جفنك فواساك …!

الاثنين، 29 أكتوبر 2018

التشكيل البصري في شعر هيام قبلان - ديوان "لا أرى غير ظلّي" أنموذجًا - د.جهينة عمر الخطيب

التشكيل البصري في شعر الأديبة هيام مصطفى قبلان
- ديوان "لا أرى غير ظلّي" أنموذجًا - 
 د.جهينة عمر الخطيب
التشكيل البصري
أولى الشاعر اهتماما كبيرا بالتشكيل البصري  في خطابه الشعري، ونقصد به" توظيف الظاهرة البصرية في نسيج النص الشعري، ممّا يضفي أبعادًا جمالية ودلالية في جسد القصيدة، وهذا أتاح للشاعر فرصا أكبر  للتفنن في ممارسة التشكيل البصري على فضاء الصفحة الشعرية، ومن ثمّ امتلكت الهيئة الطباعية للقصيدة بعدًا كان يعدّ ثانويًا حتى وقت قريب، أمّا اليوم فقد أصبح مولّدًا للمعاني والدلالات في النّص لأنه ليس بالعنصر المحايد الصامت"  .
بدأت الكتابة البصرية تغزو الأدب الحديث وكأننا بها لا نكتفي بالإيقاع السمعي الذي تبثه الكلمات ، وإنما أضاف التشكيل البصري جمالية وإيحاءات ورموزًا كنوع من الانزياح الكتابي .
" يرتبط التشكيل البصري أساسًا بالرؤية التي تحيلنا للنّص المطبوع،إذ نتعامل مع الخطاب الشعري التشكيلي ورقيًا باستقراء العلامات الممنوحة للبصر والتبصر(العين،الخيال) وهذا الممنوح للتلقي البصري متشعّب، منه ما يتعلّق بالرّسم، ومنه ما يتعلّق بالخط، ومنه ما يتعلّق بالطباعة، ومنه ما يتعلّق بالسينما أي بالصورة المشهد( اللقطات، القصيدة على شكل مشاهد بصريّة متخيّلة) "

أما عن أهم الانزياحات الكتابية في التشكيل البصري:
تقنيات الكتابة البصرية الحديثة (تجليات التشكيل البصري بالطباعة)
1- الغلاف
2- علامات الترقيم
3- الرسم بالخط : مد الحروف
ويلخص الباحث  علي أكبر محسني طريقة الانزياح الكتابي بالنقاط الآتية:
- تمزيق أوصال الكلمة الواحدة من خلال فك ارتباطها الطباعي
- تفتيت الكلمة من خلال بعثرة حروفها.
- تقنية الفراغ والنقاط في جسد النص الشعري

وفي ديوان  الشاعرة " هيام قبلان" " لا أرى غير ظلّي" نراها تعتمد على التشكيل البصري في قصائد عديدة في ديوانها ، ومن مظاهر التشكيل البصري في ديوانها:
-الغلاف: فهو لوحة لامرأة عارية ملامحها غير واضحة ويغلفها ضبابية نوعا ما ، فهو ظل امرأة  عارية، وهذا يرجعنا للعنوان " لا أرى غير ظلّي"
فجاءت الألوان للوحة ما بين البياض والسواد ، فجسم الشخصية أبيض وشعرها أسود  وعنوان الديوان بالأسود يقابله اسم الشاعرة باللون الأحمر.
- تقنية الفراغ والنقاط في جسد النص الشعري
تطغى هذه التقنية على ديوان الشاعرة فجاءت موحية معبّرة عن المعنى من خلال علامات الترقيم المختلفة:
1-النقطتان:
وحشيّة أنفاسك تتسلّل إلى جُرحي
ووجه المدينة ملحٌ ضبابيٌ..
أَنيري يا نرجسة روحي
... مساحات الفراغ ...
كم كان لسطوتِك عزف نشيج الصّدى."
فوضعت الشاعرة نقطتين بعد ضبابي ، والنقطتان علامة الحذف، ولنا أن نتخيل هذا الملح الضبابي.
والضباب هو سحاب خفيف مكوّن من رذاذ الماء المتكاثف على الدخان يغشى الأرض ولا يمكث طويلًا،ويظهر غالبًا في الصباح
وربط الملح بالضباب هو ربط بين حاستين، حاسة التذوق لتمييز الملح وحاسة البصر لرؤية الضباب، وعندما  تجتمع الكلمتان مع بعضهما البعض،فالرؤية تزداد ضبابا لما يمثله الملح من مرارة.
بخطاك جمعتَ قناديلي العارية..
عتِّق لهفي برضاب النّدى..
لَزِجٌ.. ملمس قدومك"
نلاحظ النقطتين بعد عبارة" قناديلي العارية" التي تأخذنا إلى معان أخرى للعري، فهو جوف الفراغ والتشظي الذي يعتري الشاعرة
وبعد "لزج" نقطتان
اللزج:  لزج الشيء تمطّط وتمدد
رجل لزجة: ملازم مكانه لا يبرحه

2- ثلاث نقاط: وضعت الشاعرة ثلاث نقاط قبل عبارة" مساحة فراغ" وثلاث نقاط بعدها، معبّرة بشكل بصري عن مدى التشظّي والفراغ اللذين تشعر بهما الشاعرة. فساهمت النقاط بتوسيع المدى لإعطاء صبغة دلالية موحية لشدة هذا الفراغ. 
3-القوسان الكبيران: وقد وظفتهما الشاعرة من أجل توظيف التناص ، فاستخدمتهما في:
- التناص الأسطوري:
1- عند استحضار شخصية الإله أوزوريس:
" أينعت ( أوزوريس) بصيلة فرحي
... أمتشقك هالة..."
وأوزوريس الإله الفرعوني الذي تدل حكايته على البعث وانتشاله من قبل زوجته إزيس من عالم الأموات.
2- استحضار الإلهة " عشتار:
"لن استسلم للصمت
فالحلم فارس مجهول
وأنت كالريح تمشي على وجعي
تنتظر خاتم(عشتار)
وإكليلا من غار"
واستحضار عشتار رمز المرأة المثابرة الصامدة المخلصة لزوجها التي غاصت أعمق البحار لكي تنقذ زوجها.
- التناص الأدبي من خلال استدعاء شخصيتين:
• الشاعر الإسباني " فدريكو لوركا ":
" خبأت وجه (لوركا) في فنجان قهوتي
شربت رائحته حتى النخاع..
في مدينة الضياع يفتشون يا رفيقي
عن ورق الصفصاف
لون القهوة
غربة الوطن
نبيذ الأشقياء
ويرقصون رقصة الغجر"
وقد استحضرته الشاعرة لتتحدث عن القهر الإنساني وشعور الإنسان في غربته داخل وطنه، فقد كانت نهاية الشاعر الإسباني " لوركا" مؤلمة فتم إعدامه بتهمتين ألقيتا عليه ظلما كونه جمهوريا ومثلي الجنس .
• الشاعر الفلسطيني "سميح القاسم":وقد أهدته الشاعرة قصيدة أسمتها " فدريكو الشرق" وفي هذا تماه مع الشاعر الإسباني لوركا وقد رأت تشابها بينهما في القهر السياسي اللذين تعرضا لهما في بلادهما:
"تعال.. كل الحِراب استقالت..
في الجليل ولد ( فدريكو الشرق)
يستحم بماء الورد
سوسنة القلب أطفأت قنديل الحزن
وأنت مسكون بارتعاشة فراشة" .

4- التنصيص:
وقد وظفته الشاعرة عند اقتباسها لجمل وعبارات شهيرة:
" يا فؤادي لا تسل أين الهوى"  وهي من قصيدة الأطلال  للشاعر إبراهيم ناجي والتي غنتها أم كلثوم.
"توما .. ضع إصبعك في الجرح"
وهي عبارة قالها أحد رسل السيد المسيح عليه السلام، لم يؤمن بأن المسيح قد قام من بين الأموات، فوضع إصبعه في جرحه متفحصا.
5- علامة السؤال والتي تعبر عن حيرة تعيشها الشاعرة:
" لِمَ  لم تعرفني أيها النعش؟
.......
حين يكحلون جفنيّ بلغة الطفولة
هل تشتاق يا نعشي إلى من أحب
أم إلى من يحبّني"
وهي تساؤلات إنسانية ، فكم بالحري حين يتساءلها شاعر مرهف الحس
وخاصة الشاعرة المرأة فهي في مجتمع يكبلها لهذا نراها تقول" قد يطول رقادي في رحم امرأة
فيا حفّار القبر اجعل لنعشي بابا
ربما يعود بي الزمن إلى عشق قديم" .
فحتى لو كبّل جسدها بالقيود روحها ستخرج وتحلّق وقد تتقمص شخصية أخرى منطلقة.
6- الفاصلة المنقوطة؛
ومن أشهر استعمالاتها أن تكون بين جملتين تكون ثانيتهما مسببة عن الأولى أو نتيجة لها:
" أيها المسافر إلى بلد الضباب
تذرف عيناك مطرا على
سرير من ثلج
إن رحلتَ؛
أكفِّنك بثوب من نار
وأغنية من فل."
فإن رحلت وغادرت وطنك سأكفنك بثوب من نار ، فكيف تترك بلادك للضياع وتهرب.
7- نقطتان رأسيتان:
وقد وظفتهما الشاعرة في حوار الأنثى مع الرجل وحاجتها للانعتاق فيه ومن خلاله:
"يا أيها القادم من زمن الرحيل:
أعدني نسمة
وغنوة
وشالا نسجَتْه عروس الورد من ريح الشتاء
....أنا لا أنادي على العمر
بل أنادي عليك
لتعود الفراشات تغفو
قريرة العين بين ذراعيك" .
8- إشارة
هو ذا.. أنت يا حارس الجفن
تغفو كنجم على
سريري النحاسي..
وردة بتولا كانت طفلة النهر
لا تُشعل زبد وقتي
بجمرة الأنّارة يتماهى نغمي
على صيحتي فيك
وتصير أناي الهاربة
ألْتشاغلني في مساءاتي
حبّة في عنقودي..
أتدثّر بثوبي الفضفاض
وأقضم ..سعادتي"
إن تقطيع الكلمة الأنة وهي الوجع يحمل وجعا أكبر فهو موحٍ بمدى الوجع وحدّته.
وفي قصيدة أخرى نرى تقطيعا آخر:
"استحضرني
يا نبضة في القلب هتفت
اعتق الروح/
كدت تخنقها..
أيها الجلَّاد الذي تنام قرير القتل"
وجاء القطع بين تضادين عتق الروح واختناقها وهذه الإشارة تدخلنا في حالة محاولة الخنق واستمرارها .
9- علامة الانفعال !
وقد وظفتها الشاعرة عند خوضها في الجنس الإيروسي ، فالجنس في كتاباتها كان موحيا، فمن خلال اتحاد جسدي الرجل والمرأة ، أرادت أن تقول المرأة ليس جسدا عاريا ، المرأة تلاحم جسدي وعقلي :
" أوتسأل
وأنت لبق الدهشة
ونعناع الحرف..
كم كان لرجف رذاذك
عصارة اللقاح! .

- تفكيك وحدة الجملة: فتكون كل كلمة منفصلة عن الجملة رغم ارتباطها بها من ناحية المعنى:
"أيها
السّاقط
على
ومضة خريفي
يرتعش قلبي الخَدَاج"
وقصدت الشاعرة من هذا البناء تصوير معنى السقوط، فتساقطت الكلمات واحدة تلو الاخرى  لنتخيل سقوطه المعنوي على " ومضة خريفها".
"يشهق الفراغ
لا أرى غيرَ ظلِّي
أنزلق
       في
           متاهة
                  أنَاي
ملحٌ يتماهى،
وَمِخْرَز،
وَ...
أفقِدُ.. لوني."
نلاحظ الشكل اللولبي في كتابة الكلمات بشكل تنازلي، تعبيرا عن المشهد الذي تقوم الشاعرة بتصويره، وهو مشهد الانزلاق أنزلق وأسفلها في ومن ثم متاهة  وأناي ، لتعبر عن حالة الفراغ والتّبعثر والتناثر اللذين تعيشهما
ونرى الصوة البصرية حاضرة هنا بقوة فنتخيل رؤيتنا لهذا التشكل البصري في عملية السقوط.
" يا بلسمًا
لامس الجرح
طفلة بين ذراعيك.. أنا
وزهرة فلّ
رماها
على
الدّرب
سفر."
فهنا تسجيد للفعل "رمى"

- تفتيت الكلمة من خلال بعثرة حروفها على الصفحة
" إنّه وقت الاعتذار
يا سيِّد الحلم:
سَ
قَ
طَ
الحلم."
فجاء تفتيت كلمة "سقط" من خلال بعثرة حروفها من أعلى إلى أسفل بشكل يوحي لمعنى السقوط.

- تجليات التشكيل البصري على مستوى الرؤية 
وهي أن نقرأ بحواسنا الخمس ، فنرى ونسمع ونشم ونلمس ونتذوّق، وقد اتضح هذا في ديوان شاعرتنا لا سيّما عند خوضها الموضوع  الإيروسي. "فالتشكيل البصري بتقنيات السينما مكّن الشعر من الوصول إلى القارئ ليس عبر صور ثابتة يتم تركيبها في ذهنه، بل عبر صور متحركة وديناميكيّة، ويتولّى الذهن استقبالها فقط دون تركيبها، لأنّها أصلا مركّبة بإجراءات تصويريّة معيّنة يتولّى الشاعر إخراجها، إذ يختار سيناريو القصيدة واللقطات والمشاهد وكذلك تركيب المشاهد(المونتاج) على وفق رؤيته الفنية الخاصّة" .
" بين بحرك ونكهتي
برعمة لمسٍ
تأوّه..
تساقط..
في عُرْي جمري
ساوم على ضفائري
وكرزي
ووشم أنوثتي..
راوغ منطقة اللهب" .
فتتكاتف هنا الحواس جميعها في ممارسة الحب وكأننا أمام مشهد أيروسي يحضر فيه اللمس والشم والبصر والسمع:
اللمس: برعمة لمس، راوغ منطقة اللهب
السمع: تأوّه
البصر: تساقط - حدقة العين
الشم: رائحة الجرح  - ساوم على ضفائري وكرزي ووشم أنوثتي
الخاتمة
تعي الشاعرة هيام قبلان أهمية  التشكيل البصري، فقامت بتطبيق ظواهره في قصائدها . ومن هنا جاءت الدراسة للتركيز على المظاهر البصرية في شعرها مع تبيان مدى الاتساق بين الدلالة البصرية والدلالة العميقة للنصوص الشعرية.
فشملت الدراسة التقنيات البصرية وتجلياتها على مستويين :
تجليات التشكيل البصري بالطباعة وشملت:
الغلاف 
علامات الترقيم
تفكيك وحده الجملة
تفتيت الكلمة وبعثرة حروفها
وقد وظّفت الشاعرة هذه التقنيات لإيصال معانٍ موحية، موظّفة الحواس جميعها.
- تجليات التشكيل البصري على مستوى الرؤية من خلال تصوّر المشاهد في القصيدة بمناجاة الحواس جميعها فنشاهد ونلمس ونتذوق.
هيام قبلان شاعرة قديرة متمكنة من أدواتها، تبعث روحا في حروفها تستحق الحياة .

الاثنين، 14 مارس 2016

خمّارة البلد سلمان ناطور و كاريكاتيرات ناجي العلي - الأديبة هيام مصطفى قبلان

خمّارة البلد سلمان ناطور و كاريكاتيرات ناجي العلي 

الأديبة هيام مصطفى قبلان
بقلم : الأديبة هيام مصطفى قبلان
من كتاب ( خمّارة البلد) للأديب سلمان ناطور قصص كاريكاتيرات خاصة لناجي العلي :
بين منفى ومنفى وخمارة البلد التقى مبدعان ، واحد حمل ريشته وراح يخربش العالم ،والثاني يكتب بقلمه عن ذاكرة وطن وذاكرة انسان.

بين غربة حالم وبين كأس اجتمع عاشقان لوطن واحد ، ومن خلال صور كاريكاتيرية خاصة لناجي العلي تجاوز الأديب سلمان ناطور في كتابه خمارة البلد حلم المنافي وفسحة الأمل ، في لقاء سريع عبر خط الهاتف ولمرة واحدة مع حامل الريشة ناجي العلي ، كان يفصل بينهما خط الهاتف الممتد تحت البحار من حيفا الى لندن ، انقطع الخط وتساءل سلمان :ربما عاملة البدّالة الدولية تنصت الى كلامنا ،لم يجب على سؤال ناجي كيف حال ( السّجرة) ؟ اتفقا أن تكون مجموعة سلمان الجديدة أحمد الحاضر في الوطن ، حنظلة المغترب ، فاطمة في المخيم ورابعة بنت عبد القادر ، كلّ هذا وناجي وسلمان يعيشان حالة من الخيال والتحليق العبثيّ والسخرية المميتة ، وفي قلب كلّ واحد حنين وشوق ملتهب وغضب ..!

استمر ناجي بالرسم والحلم ، بماذا كان يحلم هذا المغترب الذي يدعى ناجي العلي ؟هل كان يحق له أن يحلم ؟ اذن لماذا قتل تساءل سلمان.

هذه الجزئية من الحلم المنزوعة من ( فسحة الأمل)وكأنّ المعركة في عبثية الأحلام مبنيّة فقط على فسحة من أمل، هي شيفرة اذن ،هي اللغة الواحدة بين المغترب في الوطن والمغترب في المنفى ،غربة الذات وغربة الروح ،غربة المكان والدخول في حالة من التأمّل ،قد يعتقد البعض أن الغربة هي فقط الانسلاخ عن المكان عن الأرض وعن البيت وعن العائلة بينما تكون الذات في حالة من التشظي والاغتراب داخل الوطن فهل من الممكن أن تغيّر فسحة الأمل الواقع بكل ما فيه من ألم وضياع ؟

في قصة سلمان التي حمّلها عنوان : حمل ريشته وراح يخربش العالم ، أكتب ما تشاء وأنا أرسم ما أشاء،يلتقي فيها وطنان حين سأل ناجي العلي عن ( السّجرة) قرية ناجي العلي والتي تقع على تلة متوسطة الارتفاع الى الجنوب الغربي من مدينة طبرية وتحيط بها قرى لوبيا وطرعان ومجموعة من الخرب فيها معالم أثرية وتاريخية ومن أبرز أحداثها معركة الشجرة التي استشهد فيها القائد عبد الرحيم محمود عام 1948 ، تحيط بالشجرة حطين وكفر كما وكفر كنا وعرب صبيح اضافة الى مستعمرة السجرة اليهودية " بالسين"حيث تمّ هدم القرية وتشريد أهلها وتوزّع اللاجئون على مناطق حمص ودرعا ولبنان والأردن ، وناجي العلي هجّر من القرية عام 1948 بعمر عشر سنوات الى مخيم عين الحلوة في لبنان ، وبدأ بالرسم على جدران المخيم والحفر بالطباشير .

سؤال ناجي لسلمان عن قريته كان يبحث عن طفولته الضائعة التي فقدها والتي زارته في أحلامه وهي كما يقول سلمان : لا تبعد عنّا أكثر من ساعة ليست ضوئية بل تثبّتها عقارب ( السايكو) اليابانية العازلة للماء والمقاومة للصدمات.

بماذا كان سيجيبه سلمان لو تواصل الخط بينهما هل سيزرع في نفسه الأمل ويجبر بخاطره وبأنّ ( السجرة) بخير وكل شيء على ما يرام ؟ مثلما تركها ،، تلك القرية المهجورة المنتظرة على تلال الوعد عودة أهل القرية الى بيوتهم والتي تركها ناجي طفلا صغيرا تجاوز العاشرة فقط ، ماذا سيقول له وهو يدرك أنّ خمارة البلد سيأتي يوم وتغلق ، هل كان أبو نواس سيقيم فيها طويلا بعد أن ( عاج الشقيّ على رسم يسائله) ؟ وما معنى أن يختزن في ذاكرة ناطور بيت الشعر لأبي نواس الملقب بشاعر الخمرة وعلاقته بخمارة البلد التي ضمّت الصعاليك والفقراء والهاربين من الواقع ؟ ففي مفهوم النّواس الخمرة تبعد الشاعر عن البكاء والخمرة تفرّق بين الروح والجسد، أي ينسى شاربها الواقع وتأخذه الى التأمّل في الكون بعيدا عن المشاكل والاحساس بالوجع ، بعيدا عن واقع لا حلّ له، ومن الشقي هنا غير الشاعر الذي يبكي على الأطلال التي هجرها ؟ فيتوارد الى الذهن بيت لامرىء القيس ( اليوم خمر وغدا أمر) والسؤال هل بقي من الأمر الاّ صيغة الفعل وأمر السلطان لجلاده أن ينزل على ظهر الفقير الصعلوك خمس جلدات أو بأن يأمر بمكافأة مرتزقة ؟ هذا هو الحال يا ناجي العلي ، الأمر والنهي ربما يشكّلان الحد الفاصل بين الاّمر والمأمور والظالم والمظلوم والسيّد والعبد .

هذه الاشراقات المجنّحة لكلّ من صديقين لم يلتقيا بل سخرا من واقع دفعهما للكتابة والرسم ، سخرية مشبعة بالغضب تحفّها ومضات ضاحكة قليلة تترك على المحيا رائحة صفراء بلون الحلم العابث ربما يقلب الأمور أو يغيّر شكلها ولونها وتبقى خمارة البلدة يجلس فيها صديق فقير هو نفسه الصعلوك الذي صوّره ناجي العلي على صفحات ( المهماز) يرفع كأسا ويهمس : اليوم خمر وغدا أمر ، لم يكن يعرف هذا المسكين أن اليوم الضوئيّ أطول بكثير من عشية وضحاها، وحين علم أمرؤ القيس بمقتل والده قال بعد فراغه من اللهو : ضيّعني صغيرا ، وحمّلني دمه كبيرا ، لا صحو اليوم ولا سكر غدا ، اليوم خمر وغدا أمر، وفي الخمارة يكتب سلمان ما يشاء ويرسم ناجي العلي لها ما يشاء هي حالة من التحليق العبثيّ بروح تحترق تنفصل عن الجسد بلحظات مسروقة من واقع تكالبت عليه الكوارث وامتدت اليه الايادي لتلوي عنق ليله.

كلّ شيء الآن تغيّر وكبر، الاّ ناجي العلي ظلّ طفلا تجاوز العاشرة فقط ، حاملا ريشته وقلمه يخربش العالم كما تحمل قصفة ( التين)، يخربش على التراب ويرسم أحلام طفولته مع أصدقائه الذين حين كانوا يشاغبون يأمروهم ( روحوا انطروا التينات) ،، أليست هذه مهمة أيضا ، حماية التينة أو نواطير التينات الذين حملوا الرسالة من منفى الى منفى لكن ليس من تينة الى تينة .؟

أوجعتنا يا صديقنا الراحل الأديب سلمان ناطور ، في نصّك لست ناطور الذاكرة فقط بل ( الناطور) لبيوت من كومة حجارة وأشواك عالقة على سطوح المنازل وبأنّ ما بقي من سؤال ناجي العلي عن قريته ( السجرة) هو أصدق شهادة على همجية تنبت من تحت سياطها تينة ما زالت تورق وتحمل وتحمل ..!


الأحد، 11 أكتوبر 2015

" رائحة الزّمن العاري" بناء عالم أفلاطوني - بقلم : الناقد والشاعر عبد الله جمعة

" رائحة الزّمن العاري" -  تجسّد بناء عالم أفلاطوني
بقلم : الناقد والشاعر عبد الله جمعة/ مصر
إن المتابع الجيد لتاريخ فن الحكي العربي يطالع توجهين من توجهات التأريخ :
الأول : من يرى أن الحكي العربي قديم قدم الشعر العربي ويتجه أصحاب هذا التوجه إلى أن الحكي جزء من نسيج الوجدان العربي ويستندون إلى فطرة العربي في الحكي والسرد منذ الجاهلية وقد تمخض ذلك في الجاهلية عن بداية الحكي الديني حيث كان سدنة الأصنام يقومون بسرد تاريخ كل صنم كنوع من جذب المصلين للصنم وإقناعهم بألوهيته واستمر هذا النوع من القصص الديني حتى جاء الإسلام فتأكد هذا النوع من القصص بنزول القصص القرآني الذي اعتمد نوعا من الحبكة الدرامية الجديدة حيث البداية ثم التنامي الدرامي والشخوص والوقوف على لحظات تنويرية أثناء القص ثم بلوغ منطقة الذروة الدرامية والنزول بالخيط الدرامي والاقتراب من النهاية حتى بلوغ النهاية بنوعيها سواء أكانت معلقة أو مغلقة ولنا في قصة يوسف عليه السلام في القصص القرآني خير مثال على ذلك وغيرها من القصص الجاذب الجميل ولما تصاعد الزمان وبدأ العرب في بناء دلوتهم الحضارية حدث نوع من التقدم في العقلية العربية فبدأت في التأليف القائم على الحكي حيث بدأ في زمان الدولة العباسية الاتجاه أولا إلى القص كنوع من الحكي التعليمي حيث قام بعض العلماء باتخاذ القص وسيلة لنقل العلوم والمعارف قريبا من الأسلوب الذي نسميه اليوم في عمليات التعليم " مسرحة المناهج " كما فعل (ابن دريد) مثلا  حين وضع فن المقامة العربية في بدايتها ثم جاء بعده ( بديع الزمان الهمذاني ) ووجه المقامة إلى النقد الاجتماعي البناء وإن كان قد اتخذ اتجاه الملهاة اليوناني في عمليات الحكي التي يقوم بها بنوع من السخرية الضاحكة ثم بدأ عصر الفلسفة الإسلامية وبدأ الفلاسفة يتجهون إلى هذا المنحى فيؤلفون نوعا من القصص المعتمد على الحكي وتوجيه أبطال هذا الحكي إلى تحقيق رؤاهم الفلسفية كما فعل ( ابن طفيل ) في قصة ( حي بن يقظان ) وتوجيه البطل إلى تحقيق غايته الفلسفية من أن العقل البشري قادر على الوصول إلى حقيقة وجود الله وحده إذ نجح ( حي بن يقظان ) بطل القصة أن يصل إلى الحقائق الحياتية و الإيمانية خلال رحلة حياة كاملة داخل جزيرة منعزلة لم ير فيها بشرا وحين رحل إليه ( أبسال ) وجده قد تعلم الحقائق الحياتية والإيمانية وحده من خلال المحاولة والتجريب ... ثم ظهر لنا ( أبو العلاء المعري ) بنموذجه الفريد " رسالة الغفران " الذي اعتبر نوعا من القصص الدرامي الذي يتسم بالنضج الفني مستمدا خيطه الدرامي من " رحلة الإسراء والمعراج " لدرجة دفعت المؤرخين إلى التأكيد على أن هذا النموذج هو الذي تأثر به " دانتي " في (الكوميديا الإلهية) ثم يرى أصحاب هذا الرأي أن العرب في فترات الضعف والانهيار الفكري الذي صاحب انهيار كل من الدولة العباسية والدولة الأموية في الأندلس حتى الدخول في العصر المملوكي ثم العثماني قد جمَّدا هذا النوع من النشاط الروائي عند العرب في حين بدأت أوربا تمارس نهضتها الحديثة فنشأت فيها النهضة الأدبية مصاحبة للنهوض الحضاري ومن ثم نشأ فن الحكي الأوربي الحديث وحين التفت العرب مع بداية نهضتهم الفكرية الحديثة في عصر محمد علي وما تبعه من عصور إلى أوربا متخذين منها النموذج والمثل أخذوا الحكي الغربي ببنائه الدرامي وتبعوه ببنائه الدرامي الغربي الحديث حتى فاقوا فيه الأوربيين أنفسهم في العصر الحديث حيث توج فن الحكي العربي بحصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الآداب عن إنتاجه القصصي العالمي إنما فعلوا ذلك من خلال تلك الوراثات العربية الممتدة عبر الزمن القديم لأن القلوب العربية قد أشربت فن الحكي وقد استند أصحاب هذا الرأي إلى ما أكده بعض المستشرقين الغربيين أمثال " جوستاف لوبون " في القرن التاسع عشر الذي يحكي عن رحلته إلى الشرق فيروعه ما يشهد من حظوة القصص عند المشارقة فيقول : " أتيح لي في إحدى الليالي أن أشاهد جمعا عربيا من الحمالين والنواتي والأجراء يستمعون إلى إحدى القصص وإني لأشك في أن يصيب قاصٌّ مثل ذلك النجاح لو أنشد جماعة من فلاحي فرنسا شيئا من أدب " لامارتين " أو " شاتوبريان " فالجمهور العربي ذو حيوية وتصور يتمثل ما يسمعه كأنما هو يراه " ثم ينقل " جوستاف لوبون " عن أحد السياح قوله : " لينظر الإنسان إلى أبناء الصحراء حين يستمعون إلى القصص ليرى كيف يضطربون ويهدءون وكيف تلمع عيونهم في وجوههم السمر وكيف تنقلب دعتهم إلى غضب وبكاؤهم إلى ضحك وكيف يقاسمون الأبطال سراءهم وضراءهم وحقا إن الشعراء في أوربا لا يؤثرون في نفوس الغربيين ما يؤثر ذلك القاص في نفوس سامعيه العرب " وهذا حقيقة ما دفع المفكر والأديب العربي " محمود تيمور " إلى القول : " فإذا كانت قلوبنا وأذواقنا قد أشربت حب القصة الغربية واصطناع مناهجها فلأن الأمة قصصية بالطبع هواها للقصة منجذب وروحها إلى الرواية تهفو " ويقول في موضع آخر " أكاد أزعم أن الأمة العربية لا ينافسها غيرها فيما صاغت من قوالب للتعبير عن القَصِّ والإشعار به فنحن الذين قلنا من غابر الدهر " قال الراوي " و " يحكى أن " و " زعموا أن " و " كان ما كان " إلى آخر تلك الفواتح التي يمهد بها القصاص العربي في مختلف العصور لما يسرد من أقاصيص "
الثاني : حيث يرى أصحاب هذا المتجه أن الرواية العربية الحديثة لا علاقة لها بتلك الوراثات العربية وإنما نحن اليوم نمارس ألوان القصة من خلال تأثرنا بالنموذج الغربي والدليل سيرنا على نفس نهجه ومتجهه في البناء الدرامي الروائي ...
ياسمينة الكرمل - الأديبة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان
وأيا كان الأمر فلكل متجه أسسه ودواعمه التي يستند عليها لتأسيس رأيه فقد أردت أن أبدا بهذا العرض التاريخي حتى إذا ما تعرضنا لكاتبتنا العربية الكبيرة " هيام مصطفى قبلان " من خلال روايتها " رائحة الزمن العاري " نكون على بصيرة واستنارة أين موطئ قدمنا وأين نحن من ساحة الرواية العربية إذ أننا أمام لون وطعم روائي يستمد دعائمه من فن الحكي العربي الأصيل مستلهما قالبه في إطار غربي حديث ليؤكد لنا التركيب النفسي العربي الميال إلى الحكي المشرب بأصوله بفطرة واعية ...
ورواية " رائحة الزمن العاري " للأديبة " هيام مصطفى قبلان " تتجسد أمامي من خلال العنوان المكون من ثلاث كلمات فقط " رائحة " وما تحمله من رغبة في الحصول على ما لم يتم الحصول عليه بعد , أي يرمِّز إلى التطلع وما يحمله من حرمان وشهية و " الزمن " وما تسقط عليه اللفظة من مساحة ومتسع و " العاري " وما توجهه من رغبة في التجرد من كل ما هو مادي ملموس وبلوغ مستوى الخلاص من كل الماديات والسباحة وراء المجردات . إذن رائحة الزمن العاري كعنوان إنما يجسد لنا رغبة في بناء عالم أفلاطوني مثالي يخلو من كل القيود والعوائق التي تقف أمام الحرية الإنسانية المنشودة والمفقودة وهذا الزمن المجرد المثالي ليس موجودا في أرض الواقع وإن كان ليس ببعيد حيث يمكن بلوغه والدليل وصول رائحته والإحساس بها
ثم حين بدأت في مطالعة الأحداث ومع بداية مشاهد الفصل الأول لمست خيط القضية التي تسعى الكاتبة إلى طرحها على صفحات روايتها ثم بعد مضي بعض الأحداث لمست متجها فنيا هو ما ترتديه الرواية ... فأما القضية المحورية التي تسعى الرواية إلى طرحها هي قضية الصراع بين الموروث الفكري والاجتماعي والسلوكي للمرأة الشرقية بوجه عام الذي يتسم بالجمود الحركي واتصال المضمون الفكري بحركة التنوير والتحرر المعاصرة ومحاولة ذلك المضمون الفائر بالتحرر كسر قيود السياج الذي يغلفه والذي يتسم بالجمود والتحجر ... وأما ما يتصل بالمتجه الفني فقد بدت لي الرمزية التي تغلف الرواية وتكشفت لي من خلال بروز رمزين " هزار " و " نبيل " وهما رمزان قويا الدلالة فقد سقطا عندي مسقطا مدويا وتساءلت ؛ لماذا اختارت الكاتبة اسم " هزار " وما السر الكامن وراء اختيارها لاسم " نبيل " وفي البناء الدرامي للرواية يتجه الكاتب الناضج إلى التلميح لأهدافه السلوكية من خلال اختياره لأسماء الشخوص داخل الرواية ... فالهزار الطائر المغرد وكما أقول في نقدي للشعر " الشاعر يمارس الانتصار في القصيدة على ما هو مهزوم فيه في الواقع " كذلك رأيتني أقول إن الكاتبة تمارس في روايتها ما هي مهزومة فيه في الواقع وما الذي دفعني إلى تطبيق تلك النظرية على مساحة روائية ؟ بعد طول تأمل وجدتني أرى أن الكاتبة تسعى إلى تحرير المرأة الشرقية من هزيمة أفكارها الحضارية المتمردة أمام قيودها الاجتماعية الجامدة وكأن " الهزار " رمز لتلك المضامين التحررية التي تسعى إلى الانطلاق انطلاقة الطائر المغرد في فضاء يخلو من القيود الحديدية ثم " نبيل " فالرجل الشرقي رجل يمثل قيدا على حرية المرأة مدفوعا بوراثات متراكمة عبر الأزمان والأجيال ومن ثم ومن باب الرغبة في الانتصار داخل  المساحة الروائية لروايتنا محل القراءة على الموروث المتمثل في قيد الرجل الشرقي أتى اسم " نبيل " ليحقق ذلك الانتصار في تحقيق نموذج الرجل المنشود بما تحلم به المرأة الشرقية في هذا الرجل الذي لم يعد موجودا أو ليس له مساحة من التواجد الفعلي في أرض الواقع الفعلي فسعت الرواية إلى تحقيق هذا النموذج ودليلي على ذلك أول مشهد من الفصل الأول وهو خروج " هزار " من عند رجل أقل ما يقال عنه أنه رجل فاقد للحس الإنساني الناعم تجاه " هزار " فقد خرجت مفارقة له تتمنى عدم العودة إليه وهي في رحيلها تسبح في خيالاتها إلى أن تفاجأ بوجود " نبيل " الذي يمثل الحلم المثالي الضائع منذ الصبوة وظهوره فجأة دون سابق إنذار وهذا الظهور المفاجئ لنبيل يبرز رغبة الحدث الروائي في روايتنا في التدليل على ندرة هذا النموذج الرجولي الحلم العائد وهذا النموذج المثالي الذكوري حين سلم عليها وتركها في المكتبة ورحل على وعد بلقاء لاحتساء القهوة قد أيقظ فيها عشرين عاما من الشقاء تلك العشرون عاما تمثل ما تعانيه المرأة الشرقية من قيود جامدة تقتل فيها " الهزار " ذلك المضمون الراغب في الانطلاق والحرية . وفي لحظة من الصراع بين الرمز " نبيل " والواقع " كريم " وقفت البطلة تؤنب نفسها عن ممارستها اللذة الجسدية مع " كريم " وكريم هذا هو الزوج المصروع  . فهنا تساءلتُ كيف تتهم البطلة نفسها بأنها تخدع حبيبها القديم " نبيل " بممارسة اللذة الجسدية في غيابه مع " كريم " وكريم المفترض هو الزوج هنا وقفت على قضية من أشد القضايا الشرقية تعقيدا وهي أن الزواج في جهتنا الشرقية رباط جسدي لا يستند إلى أسس نفسية أو وجدانية – على الأقل في غالبه وعمومه – أي أن هذا هو القاعدة ما شذ عنها هو ما دون ذلك فأدركت على الفور أن الكاتبة تتخذ من شخصيتها المحورية " هزار " محطا لكل أهدافها السلوكية والإنسانية التي تحاول تحقيقها من خلال روايتها ... إن كل ما حصدته " هزار " من علاقتها بـ " كريم " أن أنجبت " سمر " وسمر هذه هي الصورة التي تحيل البطلة إلى ذاتها وقت النعومة البريئة ؛ وقت الصبا كما تحمل حلم المستقبل المنشود . وهنا المفارقة الكبيرة التي تواجهها المرأة الشرقية حيث تتزوج بمن لا تحب وتستسلم له جسدا دون روح فتنجب منه من تحب يا لمفارقة القدر !!! " هزار " تتزوج رغما عنها بكريم من خلال ممارسة أخرى من ممارسات الجمود الذكوري المشرقي المتمثلة في الأب الذي يرى أن حقوق أبوته تتمثل في استعباد ابنته وتوجيهها إلى الزواج ممن هو يحب دون أن ينظر لمن هي تحب . إن كريم المتوفى لو كتب له البقاء وعاش لأصبح نموذجا من أبيها وكأن الرجل الشرقي نسخة واحدة تتكرر فهي الأب والأخ والزوج والابن ذلك الرجل الذي قد توارث قهر الأنوثة كعنوان لتأكيد الذكورة . إن " هزار " تؤكد لنا أنها رمز لاغتيال الأنوثة المشرقية على يد الذكورة المريضة فعائلة كاملة وقفت لتتحدى رغبتها في الزواج بــ " نبيل " لا لشيء سوى أن " كريم " هو ابن العم والنظام القبلي هو العرف الراسخ رسوخ العقيدة التي لا تبدل ولا تحول
ولمن ستباع الأنوثة الممثلة في " هزار " ؟ لذكورة خائنة ممثلة في " كريم " الذي باع نفسه للمستعمر الدخيل وهنا نقف أمام " هيام مصطفى قبلان " الروائية التي تعرف كيف تمسك بمقود الحدث الروائي إنها هنا تعاملت مع (المعادل الموضوعي) في الرواية حيث اتخذت من دائرة الحدث الذاتي مسرحا لعرض حدث غيري عام انتقلت من الذاتية المفرطة في قضية المرأة إلى القضية العربية لتعلن من خلال المشهد أن الخيانة والخيانة فقط هي التي أسقطت الأرض العربية في يد الغزاة ولولا تلك الخيانة ما سقطت تلك الأرض ولننظر إليها وهي تعاتب الأب في سؤال صارخ " كيف يا أبي تبيع أرضك وتبيع عرضك ؟ " تلك الصيغة الاستفهامية التي جاءت على لسان هزار حملت دائرة الوجع القومي الذي يؤرقنا من كل نبضة تموج في عروقنا
إن " الهزار " ذلك الطائر الذي التفّت حوله القيود قيود الأب وقيود العائلة وقيود الزوج حتى بعد رحيل هؤلاء وسقوطهم كقيود عليها ما زال قيد الوصية الأبوية يحيطها ولكنها الآن تستعيد إحساس المرأة الحقيقي إحساسها بكامل عنفوانه إلى نبيل وهي في مشهد بديع في الفصل الثالث تقف لتعلن أنها قد ارتكبت جريمة حين أسلمت جسدها لذلك الزوج – كريم – الذي لم يكن يربطها به سوى رباط الزوجية الزائفة ثم تستفيق على رغبة أنثوية حقيقية تجاه " نبيل " ومن ثم تقرر بنفسها أن تحطم آخر القيود وهي تلك الوصية التي تركها لها الأب لتعلن لتلك الوصية تمردها محيلة ذلك التمرد إلى ما بقي من روح الأب القابع فيها ... إنها لن تسلّم رغبتها وأنوثتها سوى لـــ " نبيل " إنه النموذج الذكوري الذي يستحق ملامسة أنوثتها وفي ربط درامي عالي السبك تحاول أن تربط " هزار " بين بيع الجسد وبيع الأرض ففي الفصل الثالث وفي غمرة وصفها لطريقة بيعها لــ " كريم " ذلك المسخ الجامد المتحجر والتنازل عن جسدها له هو في حد ذاته نافذة التنازل عن الأرض للمحتل فكيف يرخص لحم الفتاة ويغلو أديم الأرض ؟ من باع هذا يبيع ذاك ... إنه ربط درامي جاء ملتحما على الرغم من غرابة المشهد فهي تقول :
[        كَمْ كرهت تلك البدلة الّتي تآمرت مع شاربَيْ والدها على جلْدِ أحاسيسها.. تآمرت مع صوت أمّها الصّارخ من غُرفة الضّيوف، تَشُدُّ بضفيرةِ أختها الكُبرى وهي تمسح مصطبة البيت، وتحثّها لتُكمل أعمالَ البيت المُلقاة على كاهلها الغضّ بسرعة أكبر، قبلَ قدوم ٱلضّيوف والوفود "لمضافة" والدها، من أبناء عُمومتهِ "اليهود"، الّذين أخلص لهم ولدولتهم!
     لم يكن هؤلاء سوى أصحاب مصالح ومطامع، اشترَوْا أراضي ٱلقرية، واستولَوْا على قسمٍ كبيرٍ منها! هُم المنتفعون من الأرض، ومن ملْءِ بطونهم بالطّعام اللّذيذ من "المناسف بالأرز وَاللَّحمة"، الّتي كانت تُحضّرها أمّها، وتؤازرُها نساء الحارة في الطّبخ وإعداد الولائم، كلّما حَضرت ٱلوفود إلى منزلهم!
       "أرضُنا مُهانةٌ يا أبي، كٱلعرض ٱلّذي بعتهُ في ليلةٍ لأصحاب الياقات.. للنّجوم اللاّمعة.. لمن اغتصبوا الأرض جهارًا، واستأصلونا من جذورنا، ومن ثمّ رمَوْا بنا في دوّامة الدّفاع عن الوطن!
يا أبي.. أنتَ كنتَ الشّريكَ ٱلمساهمَ في جريمة ضياع ٱلأرض وسَلْبِ ٱلوطن! أيّ وطن هذا الّذي تحميه الآن؟ وأين ذاك الوطن؟! ]
فهي في المشهد الطبيعي تصف كيف سلم جسدها لـ " كريم " ثم تصف الوفود الآتية والولائم المعدة خصيصا ليوم زفافها – أعني ذبحها – ثم فجأة تدخل بالمشهد الذي يصور إهانة أرضها وتقرن بين مشهدي بيع العرض وبيع الأرض "
وكأنها تخرج لنا بأحد أهم أسباب تخلفنا وضعفنا أمام المحتل الصهيوني ... فحين تخلينا عن نخوتنا مع ذواتنا فقدناها مع الآخر فمن هزم نخوته بيده لا يمكن أن ينتصر على الغير وكأن البطلة هنا تتخذ من نفسها بؤرة انطلاق نحو القضية العربية الكبرى والتي من خلالها الكاتبة تحاول أن تبرز أن القضية الكبرى ليست في المحتل وإنما فينا نحن الذين فرطنا في لحمنا فيما بين بعضنا البعض ومن هانت عليه نفسه فهي هينة بطبيعة الحال على الآخر
ولأن الواقع لا يخلو من أمل .. لا يخلو من لحن نشاذ يشذ عن القاعدة فقد نجحت الكاتبة في إدخال خيط في نسيج روايتها العبقرية يحمل لون النشاذ المحمود لون صوت الحرية الذي تمثله " دلال " أختها التي ماتت مناضلة من أجل الحرية .. حرية ؟ حرية من ؟ حرية المرأة فهي التي رفضت أن تعيش كالنعاج وعاشت مناضلة من أجل حرية المرأة ... ضد من ؟ ضد قيود الأسرة الظالمة التي تهدر حق المرأة ... وتعلو بها البطلة إلى مرتبة الشهادة . نعم هي مرتبة الشهادة . كيف ؟ القضية عند البطلة " هزار " معادلة بسيطة ؛ إذا كان ضياع الوطن مرهون بضياع قيم الإنسانية لدينا ... وإذا كان ضياع القيم الإنسانية لدينا مرهون بسلب حقوق الأنثى إذن من تدافع عن حق المرأة في الحرية هي مدافعة عن قيم الإنسانية وإذا كان الدفاع عن قيم الإنسانية دفاع عن الوطن ... وإذا كان من يدافع عن الوطن شهيد إذن " دلال شهيدة " وفقا لتلك المعادلة أو تلك الحسبة البسيطة
إن اغتيال " دلال " يساوي " اغتيال الأرض . إن ضياع رمز الحرية يساوي ضياع الحرية ذاتها هكذا تعلن بطلة روايتنا " هزار "
وتمضي أحداث فصول الرواية العبقرية التي لا أريد أن أحرق شغف القارئ في التهام مشاهدها التي تسمو وتعلو في بناء درامي محكم النسيج حتى تبلغ نهايتها ...
ولكني وبعد إتمام قراءة تلك الرواية العبقرية أتساءل ... أين تلك الرواية بين أصناف الرواية العربية ؟ هل هي رومنسية ؟ أم واقعية ؟ هل هي تاريخية ؟ أم نوع من الفنتازيا ؟
إنها رواية تجمع بين الرومانسية والواقعية في مزيج ذي رائحة عبقة رائحة تجذبنا إلى الرواية الرومانسية بما تحمله من تجسيد للمثل الأعلى ورسم مشاهد الطبيعة الخلابة ثم سيطرة مسحة الحزن عليها ثم تحمّل واقعية الحدث ومعيار الصدق الفني في المشهد الواقعي ليس مصداقية حدوثه في الواقع الفعلي وإنما إمكانية دفع القارئ إلى تصديق إمكانية حدوثه في الواقع
هنيئا للمكتبة العربية بانضمام رواية " رائحة الزمن العاري " إليها حاملة رؤية كاتبة عملاقة تدخل بروايتها إلى قاطرة ناسجي فن الرواية العربية الأصيلة
عبد الله جمعة
الإسكندرية / مصر

الخميس، 18 يونيو 2015

مغفرة - قصة قصيرة : الأديبة هيام مصطفى قبلان

 مغفرة - قصة قصيرة 
 الأديبة هيام مصطفى قبلان 
تراقصت بفستانها الزّهري..امتدت يده تلامس خاصرتها الثملة ، تمسح ماء عينيها احتفاء برجوعها .... .....
كلّ شيء يهتزّ ، كاسات الكريستال على الرفوف ، السّتائر ، زجاجات العطر المتراصة بجانب المرآة ، السّرير ، أوراق من الماضي كادت تتطاير كالفراشات لتلامس النّجوم ، دقات قلبها المتراكضة ، شمعة بضوئها الخافت ، عطره الذي رفض الانتظار فخرج من ثوبه ، ولحظات الدّهشة والشّوق ، الصّحف المبعثرة على مكتبه ...
-أحسّك ، تسافرين فوق خارطة العمر ،ظلاّ ظليلا ...هل أنت هروبي من القدر ، أم أنك القدر؟
يحمل فؤاده بنشوة على رؤوس أصابعه ،، يتسلّق وجهها الآتي من بلاد الغربة ، يطلق زورق محبته وشوقه ، وهي المتمطيّة فوق الأريكة تلملم عن جبينه قطرات ودوائر وأسطورة فينيقية نزفت قمحا على بيادر الوطن.
اقترب ،، اقتربت ،،انزلق حفيف همسه على شعرها المسترسل ...

- ما الذي يعيدني اليه الآن ؟

تحرّك في داخلها هاجس من ألف ليلة وليلة ،، وبصهيل الحب الأعمى انشقّ جنح الظّلام ليسفر عن انكسار اللّحظات المتسارعة ، لم تنس الشّرخ الذي فتك بروحها وحوّلها الى فتاة ليل ، فتاة الغرف الحمراء ، والخمرة ، وأمراء البترول ، وأصحاب الياقات والعباءات الفضفاضة.
من النافذة تدلّى نجم كحزمة حزن ، تتحسّس جسدها الذي ارتكب المعصيات وتتمرّغ على أسرّة من حرير في ليالي الضلال ، كموجة اعتلت صهيل الألم، تبدّل شكل الأسطورة وتفاصيلها وأحداثها ،، تراه أمامها ، تحتضن فصوله ، تمارس لذّة الريح معه وتعصف ،، تتناثر الأوراق ، تنتفض المحبرة ،، يبرح طيفه المكان ، تراقب عقارب الساعة الزاحفة بأنين صامت ،، يخرج من مجرّتها وفي عينيه لوم وعتاب ،، تبكي ،، يسقط الحلم من حنين الذّاكرة .

الخميس، 4 يونيو 2015

بين شاعر و شاعرة - شعر الأديبة هيام مصطفى قبلان

( بين شاعر و شاعرة ) :
الأديبة هيام مصطفى قبلان 

* : مهما جنت أقلامنا في حبّنا
لا بدّ أن ألقاك بعد فراق
يا لهفة انّي صبوت عناقها
روحي تذوب بخفة الأشواق

&: ألحبّ ليس جريمة الأوراق
الحبّ يشفي القلب كالترياق
فالشّمس تفرح لو تلاقى ضوءها
بالأرض تحت مظلّة العشّاق

*: ناح الأنين الى لقائك فانحنت
نفسي عليك بفرقة المشتاق
حتى نمت أحلامها بمرارة
ثمّ انكويت فهل لنا من راق؟

&: قلبي لديك خذيه لا أحتاجه
والعشق فيه يميل للاحراق
نيرانه العذراء لم تحرق سوى
قلبي المذاب بلذّة الدّراق

*: زهر تورّد فارتعدت عذوبة
أشهى من الاغماض للأحداق

&: للقلب أنت وأنت مراّتي التي
فيها أراني كامل الأشواق
كم أشتهي القبلات تحت ظلالها
الهمسات تجلو عتمة الاّفاق
وينير وجهك عالمي وأرى به
قمري الذي يعلو على الاشراق

( الأديبة هيام مصطفى قبلان ) ...

الأربعاء، 8 أبريل 2015

تعرّش على جنح ليلي - الأديبة هيام مصطفى قبلان

تعرّش على جنح ليلي
 الأديبة هيام مصطفى قبلان


احدودب الوقت ، احتال على رمشي

ظلّ ينزف شقائق نعمان

يتورّد الماء اشتعالا

تتساقط الأصابع على الأصابع

في اللاشيء ...

تشاكسني قدماي ..يشرئبّ الهمس

ويتلوى رمح المساء على نحر الحرف

لامس قشور الوجع يا عاشق حزن السيّدة

حافية ..ترفرف ايقاعاتي على لون الوتر

يشهق الفراغ ..نتباكى ،،يتراقص عطر الأرجوان

سمّني بكل الأسماء التي عرفت

لي مقعد في مشتهى ليلك

لك أن تحتويني لأعود غزالة تهادت

على مرج ،، على ساحل ،، على غيمة

لم تشبه قمرا توضّأ على جديلة الريح

لم تصعد على فنن حلمك الى السّماء

هناك ..حيث يخلعون أحذيتهم

يستعطفون الرّب يتكوّر الكرز خجلا

تحت حفيف أنفاسهم ،،يتناثرالضوء تبرا

امتشقني وارسمني على تلال كنعان

أيقونة تنساب منّي،،من احتمائك بي

أنهمر على أحداق صداك وأناك

يتلولب عرش هواك فوق ركام الوقت

تنجلي الرؤية ،،كنا يوما هناك

من عصير الروح اختمرت لذّة الشّهب

أتقفّز بين رحيقك

بزنبق من احتراق ،، تعفّر بالسّراب ..!



الجمعة، 8 أغسطس 2014

أشتهيك يا موت ....! - الأديبة هيام مصطفى قبلان

أشتهيك يا موت ....!
الأديبة هيام مصطفى قبلان

عدّت قطرات النّدى المتساقطة على حواف الوجع ، أغلقت أسارير القلب ، تفقّدت أصابعها ،،وجهها ،،شفتيها ،، شعرها ليليّ الملامح ،، خاصرتها التي لعقت نزف الشوارع ،، ساعة الحائط اللاهثة بأنّة تلو الأخرى تتعالى مع نعيق غراب تطلّ عينه من بين شقوق الجدران المتهاوية بالقرب من البناية ، لامست عنقها الملتوي ،، شعرت بوخز ألم بين فخذيها ، زحفت الى الحمام لتزيل قاذورات لعابه اللّزج فوق حقلها المصفرّ .

لم تنتحب ولم تجعر كذبيحة العيد على عتبة البيت ،، وقفت عارية كما البدء ، حافية كما النّهر حين يفقد خريره ، فقاعات الصابون تتناثر على الحيطان ، وبرغوة طفوليّة يصرخ الجريح في أحشائها ، ترمي ببقايا من قطع القماش الملوثة بدم بتوليتها الى سلّة المهملات .
" ليلة البارحة كانت صاعقة ، لهاثه الذي اختلط بصوت الرياح في الخارج خنق صوتي على فراش لذّته ، الأحمق بستينه الأعرج وقضيبه المتقوّس ورائحة عرقه الذكوريّ ، شفتاه تنهشان جسدي كوحش مفترس ،ها هو الآن يتمطّى على سريره يغطّ بنومه الخبيث ، لن أكون الطفلة التي رماها القدر في غرفته المرتدية بريق القصور ، تتزاحم فوق جدرانها صور لنساء خطف أبصارهنّ وغادرن محمّلات بالذهب والماس ".
خرخرة صوته من الغرفة المجاورة تعيدها الى صمت الشوارع ، الدّمى المعروضة في واجهات الحوانيت في قريتها الصغيرة ، دويّ المدافع وأزيز الطائرات ، فتاة تركض بوجه الريح وتختبئ بين الأنقاض وأكوام من اللّحم تحملق بجسدها المتكوّر الراجف ، ترتطم بجسد آخر ، تحسّه ، يتصاعد شهيقه ، تفكّ أزرار خوفها ، تلفّ ثوبها حول جرحه النّازف ، يمدّ يده مستنجدا ، دمه المتدفّق من فمه وأذنيه ، زفراته ،، يحاول الزحف بما تبقّى لديه من قوة ، الطلقات تزداد والسّماء يحقنها الدّخان ، لم تعد تراه ، انتعلت الهرب وعلا في الجو نشيج وأنين الجرحى في كل مكان ، لم تشعر برجليها المتسمّرتين أمام وجه عرفته وتعرفه ، صاحب مزرعة القرية ، عملت لديه بقطف الخضار ، تلقّفها ، شدّها من يدها المرتجفة " تعالي معي ، مزرعتي بأمان " .
بيتها الذي سكنته بمفردها منذ رحيل والديها هوى بقصف الغارة اللعينة على بيوت القرية ، ها هي هنا تضمّد جرحا بجرح .
هدأت الغارة ستعاود لعبة الهرب ثانية " يا الهي ،، يجب أن أهرب قبل انقطاعه عن الشخير ، أين أذهب ،، فقدت كلّ شيئ ، لن أمنحه فرصة أخرى ليجعل مني خادمته المطيعة في قصر حريمه " .
تطاولت يدها الى فاكورة الباب ، تلفتت خشية أن يراها ،، محاولة أخيرة " الباب مقفل" .
كلصّة خائفة تلاحقها الكلاب ، تعثّرت بالأريكة ، نهرت التراجع ، عثرت على المفتاح بجانب سريره ، وبثوبها المبتلّ بالدّمع ، بجسدها الذي عزلته عنها ، بقواها العقلية ، بجنون الأنثى ، تتأبّط قدميها وتناشد زوايا المزرعة الخاوية الاّ من أنفاسها المتهدّجة، وأشجار كالأشباح تفترسها بعيونها ، الزهور تحتضر ، رجله العرجاء تلاحقها ، تصطادها عكازه ، بينها وبين بوابة المزرعة خطوتان ، تحاول الانفلات ....
تدوي صرخة في الفراااااغ " ما أرحمك ...يا مووووت ".