‏إظهار الرسائل ذات التسميات د.حبيب عنون. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د.حبيب عنون. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 17 فبراير 2014

التعاقد الإداري بصيغة التحايل على تدبير المال العام - د.حبيب عنون

التعاقد الإداري بصيغة التحايل على تدبير المال العام
د. حبيب عنون

من الأكيد أن الحاجة للأطر دوي المؤهلات المتميزة في بعض المجالات وغيابها عن بعض أو جل الإدارات العمومية قد جعلت المشرع في القانون الإداري يصيغ إطارا قانونيا يقنن شروط تعاقد إدارة عمومية مع أي شخص ذاتي أو معنوي تستجيب مؤهلاته لحاجيات محددة للإدارة العمومية خلال مدة زمنية معينة. فالتعاقد مع الإدارة يقوم في الأصل على أساس توفر خبرة لذا الشخص الذاتي تؤتي قيمة مضافة للإدارة المعنية ليس بإمكان الأشخاص الذاتيين المتواجدين بذات الإدارة العمومية تقديمها. وتمنح للمتعاقد معه صفة مستشار أو مكلف بمهمة مقابل أتعاب أو أجر تحدد قيمته ومدة إنجاز موضوع العقد وفق مقتضيات هذا الأخير أي العقد. إلا أن واقع تدبير الموارد البشرية بالادارة العمومية بات يطرح تساؤلا جوهريا قد يرهن في اتجاه آخر حاضر ومستقبل الوظيفة العمومية من زاوية الإدماج والأجرة والترقية والتقاعد (...) وبمعنى آخر هل يمكننا القول بكون منظومة الوظيفة العمومية بالمغرب تتجه نحو الخوصصة؟

1-عدم قانونية بعض الصيغ التعاقدية الحالية في سلك الوظيفة العمومية:

تشهد عدة إدارات عمومية إدماجا متزايدا لعدة أطر عبر إبرام عقد عمل خصوصا وأن طبيعة عمل المتعاقد مع الادارة العمومية قد زاحت عن أصلها وباتت تحايلا على وزارة المالية والوظيفة العمومية من أجل التوظيف وبالتالي باتت غير قانونية وفاقدة لكل مشروعية. ذلك أن المتعاقد معه لم يعد ملزما بتقديم سيرة ذاتية تثبت خبرته ولا أهليته على القيام بمهام ليس في مقدور الكفاءات المتواجدة داخل الادارة القيام بها. بل الأغرب من ذلك نجد أن الادارة العمومية تدرجه ضمن هيكلة مواردها البشرية النظامية مانحة إياه مرتبة ومسؤولية تجعل الموظفين النظاميين تحت إمرته ويصبح هو من يحدد أعمالهم ومن يقيمها ومن يوقع على كل ما يتعلق بالموظفين النظاميين. والواقع كون هؤلاء لا يسمح قانون الوظيفة العمومية بأن يكونوا تحت إمرة المتعاقد معه لكون هذا الأخير يعتبر مستشارا أو مكلفا بمهمة لمدة زمنية وليست له صفة القارية والانتماء إلى ذات الادارة. وهذا الواقع بعكس تداخلا سلبيا وغير قانوني بين وضعية الموظف النظامي ووضعية المتعاقد. بل الموظف النظامي يجد نفسه يعيش انتكاسة من جراء عدم ترقيته لمنصب كان ليكون من حقه إلا أنه منح بطريقة غير قانونية لإطار متعاقد. فإقحام المتعاقدين دوي المهام الخاصة ضمن الهيكلة الخاصة بالموظفين النظامين أمر غير قانوني وتبذير للمال العام وإقصاء لفرص ترقية الموظفين النظاميين واحتقارا لمؤهلاتهم. كيف يعقل أن يدمج إطار عن طريق التعاقد وهو فاقد لأية خبرة سابقة ويمنح منصب تدبير مديرية أو قسم يشتغل به موظفون نظاميون لهم من المؤهلات والخبرة ما يفوق ما يتوفر عليه المتعاقد "المحظوظ"؟ كيف يعقل أن يتم بنفس الادارة ولنفس المهام تحويل وضعية موظف من وضعيته النظامية إلى وضعية المتعاقد مع الحفاظ على وضعيته النظامية؟ فذات الموظف كان ولا يزال يقوم بنفس المهام، ما تغير هو وضعيته الادارية وخصوصا المالية التي تنتقل من 10000 درهم أو 12000 درهم إلى 25000 درهم. وعليه فالتعاقد هنا يخرج عن إطاره القانوني ليصبح امتيازا ممنوحا في إطار مزاجي لتدبير الموارد البشرية لموظفي الادارة العمومية ولينجم عنه توثر سلبي بين أطر الإدارة العمومية وخلط بين القوانين المؤطرة للمتعاقد وتلك المؤطرة للموظف العمومي النظامي. ويبقى السؤال مطروحا على دور اللجان المتساوية الأعضاء والفعاليات النقابية والهيئات المعنية بحقوق الموظف العمومي وخصوصا دور المجلس الأعلى للحسابات في رصد هذا النوع من تبذير المال العام.

2-أسباب تزايد نسبة الأطر المتعاقدة:

-إذا كانت حكومة بنكيران تزعم أن الادارة العمومية لم تعد لها القابلية في استيعاب أطر جديدة، بدون مبررات موضوعية علمية، علاوة على ترويجها لاحتمالية استهدافها للموظف العمومي إما كيفا عبر محاولة تخفيض عدد الموظفين بنسبة 10 في المائة وإما نوعيا عبر تخفيض أجور الموظفين، فحاضر الإدماج في الوظيفة العمومية يظل مفتوحا على التعاقد الانتهازي والذي من شأنه خلق ارتباك في تدبير الموارد البشرية بسبب تداخل القوانين بين الوضعيتين علاوة على التشجنات والحقد بين موظفي الادارة العمومية ولا مساواة بخصوص فرص الشغل بين الأطر المغربية.

-تماطل الحكومة في إنزال قانون خاص بالوظيفة العمومية واكتفاءها باتخاذ إجراءات أحادية دون إشراك باقي الفاعلين المعنيين واكتفاءها كذلك بتأطير الوظيفة العمومية بقانون أبان عن عجز كبير في حسن تدبير المرفق العمومي وموارده البشرية.

-بروز مؤسسات عمومية ذات وضعية شبه خاصة، جعلها تتبنى قانونا تنظيميا خاصا بها وخاص بتدبير مواردها البشرية الأمر الذي جعل التوظيف بهذه المؤسسات يزيغ عن مقتضيات الوظيفة العمومية بدعوى خصوصية المؤسسة وكون إدارتها العامة لها كافة الصلاحيات. إلا أنه وجب التذكير بكون لا صلاحيات بدون سند وتعليل قانوني لكون القانون هو من سيؤطر العمل وهو من سيمكن من المحاسبة والمقاضاة. وكيف لهذه المؤسسات العمومية أن تعتبر قوانينها الأساسية استثنائية أو خاصة في حين أنه أمام القضاء الإداري تجرى عليها مسطرة قانون الوظيفة العمومية؟ فتدبير الموارد البشرية بهذه المؤسسات العمومية هو من أفرغ التعاقد الفعلي من محتواه القانوني والعملي وبالتالي جعل من التعاقد امتيازا مؤسسا على الزبونية والقرابة عوض أن يؤسسه على التميز وفق المؤهلات.

3-هل مسار الوظيفة العمومية يتجه نحو تجاوز طابعه النظامي مقابل إرساء أسس تعميم التعاقد؟

أولا، من المحتمل أن التوجه الحالي العام نحو التقليص من أعداد الموظفين النظاميين لا لسبب سوى أن ميزانيتهم تثقل ميزانية الدولة (وهذا أمر مردود عليه جملة وتفصيلا) بل أكثر من ذلك لقد بات هناك خطاب يزعم بعدم مردودية الموظف وهذا توجه خطير ونعت سلبي يمس بكرامة الموظف ويحاول طمس جوهر إشكالية الوظيفة العمومية والذي يكمن في العجز البين لإصلاح منظومة الوظيفة العمومية لأن في إصلاحها ستغيب الاستثناءات وسيغيب التدبير المزاجي للإدارة العمومية.

ثانيا، السبيل الذي يعرفه النظام التربوي والتعليمي في المغرب والذي بات متميزا بالزحف المتواصل للتعليم الخصوصي المكلف ابتداء من التعليم الأولي إلى التعليم العالي وإعطاء الأهمية لشواهد بعض المؤسسات التعليمية الخاصة من خلال إدماج حاملي هذه الشواهد الخصوصية ضمن مؤسسات الدولة عبر عقود عمل، قد يترجم على امتداد العشر سنوات المقبلة إلى ربما تعميم الإدماج بعقود عمل ضمن الوظيفة العمومية مع إعطاء الأولوية لحاملي شواهد المؤسسات الخصوصية. ولقد كانت مبادرة الوزير الوردي الرامية إلى إدماج خريجي المعاهد الخاصة ضمن وزارة الصحة لإشارة بينة على سلك هذا التوجه.

4-لا إصلاح للوظيفة العمومية على حساب الموظف

والحالة هذه، يبقى تعاقد الأشخاص الذاتيين مع الإدارة العمومية في وضعيته الحالية وفي معظم حالاته مفرغا من مضمونه الأصلي وامتيازا لثلة من المحظوظين لكونه غير مؤسس على تميز في المؤهلات، وتجاوزا لقانون الوظيفة العمومية لكون المتعاقد لا يجب أن يتخذ وضعية الموظف النظامي كما أن وضعية الموظف النظامي لا يجب أن تصبح تعاقدية بنفس المؤسسة ولنفس المهمة إلا إذا توافقنا على كون هذه الصيغة إنما هي تحايل على صرف ميزانية الدولة وحيفا في حق ترقية الموظفين النظامين لهذه المناصب التي بات من الأكيد لديهم أنها مخصصة للتعاقد وما ينطوي عليه من امتيازات. عجيب ومخيب للآمال أن يكون تفكير فعاليات الحكومة المغربية يتجه نحو التخلص من الموظفين بحجة أن رواتبهم المعيشية والتي لا تغني ولا تسمن من جوع باتت تثقل ميزانية الدولة (والحق أن العكس هو الصحيح)، هذا بعد أن بنيت وتطورت هذه المؤسسات والادارات كلها، منذ الاستقلال إلى اليوم، على أساس مجهودات وصبر ونضالات... هذه الشريحة ممن ينتجون ثروة البلاد. عجيب كذلك أنه كلما عجزت حكومة ما على إصلاح أي ورش، كان الحائط الصغير، أي الموظف والعامل و(...) هو المستهدف كأن الأثرياء غير معنيين. ربما قد تناست الحكومة توجيهات ملك البلاد بخصوص ضرورة إصلاح منظومة الأجور ومنظومة الوظيفة العمومية وإبراز طبقة متوسطة واسعة تكون محرك الاقتصاد الوطني. فالثراء الفاحش لذا البعض قد جعل منهم يفضلون الاستغناء عن أجورهم وحتى عن منازلهم الوظيفية. عجيب أن يتم الإصلاح على حساب الموظف لفائدة معالي الوزير. ربما كان هذا هو العدل من منظور حكومتنا المحترمة.

21/11/2013

د.حبيب عنون
باحث في العلوم الاقتصادية والاجتماعية
ANOUNE64@gmail.com 

الأربعاء، 27 مارس 2013

ضرورة إعادة هيكلة منظومة المؤسسات العمومية في المغرب - د.حبيب عنون

ضرورة إعادة هيكلة واشتغال منظومة المؤسسات العمومية في المغرب
 د.حبيب عنون - باحث في العلوم الاقتصادية والاجتماعية 

إذا كان الفكر الاقتصادي قد ابتدع في الأصل نمطين اقتصاديين بارزين للإنتاج الأول ليبرالي والثاني اشتراكي واللذان تم تنقيحهما فكريا وفق التطورات التي شهدتها مختلف اقتصاديات العالم، فقد حدد كذلك النماذج المؤسساتية المواتية لكل نمط منهما. وقد أفضت تطورات جل اقتصاديات دول العالم إلى تبني الليبرالية الاقتصادية والاحتكام إلى آليات السوق مع تقليص دور الدولة ومؤسساتها في المجال الاقتصادي. ويترجم هذا التقليص بعقلنة حجم وعدد ودور المؤسسات العمومية ليتم تدبير الاقتصاد الوطني استنادا إلى آليات السوق والقطاع الخاص مع إمكانية تدخل الدولة في حالة عجز آليات السوق عن تجاوز الأزمات التي يشهدها نمط الانتاج الرأسمالي من حين لآخر. إلا أن النموذج المغربي بالرغم من تأكيده على تبني هذا النمط الذي تحول إلى عولمة بسبب امتداده لجل اقتصاديات العالم، فإنه لم يستطع أن يجعل من القطاع الخاص وآليات السوق قاطرة لنمو الاقتصاد الوطني إذ لا تزال الدولة من خلال مؤسساتها العمومية هي المحرك الأساسي للاقتصاد الوطني. ويبق تحول الاقتصاد المغربي نحو هذا الاتجاه رهينا بنضج فعاليات المشهد السياسي التي لا تزال تتصارع من أجل ترأس أكبر عدد ممكن من المؤسسات العمومية غير مبالية لا بثقلها على ميزانية الدولة ولا بجدواها على الاقتصاد الوطني متناقضة في ذلك مع نماذج الدول الليبرالية المتقدمة. فإذا كان رئيس الحكومة المغربية قد أعد سياسية اقتصادية واجتماعية يتم تدبيرها من طرف 13 وزيرا فما الذي جعل هذا الرقم يرتفع إلى 32 وزيرا ؟ ما الذي يدفع شباط على الاصرار على تعديل حكومي كان في الأول آنيا تم بات مؤخرا مسكوتا عنه ؟ فزيادة 19 منصبا وزاريا ليس بالأمر الهين على ميزاية اقتصاد مغربي يزعم البعض أنه يمر بأزمة مالية. كل الأجوبة لن تصب إلا في اتجاه واحد يهم معيار الهاجس السياسي الحزبي والاستمرارية في تبنيه كقاعدة أساسية عند تشكيل منظومة المؤسسات العمومية في المغرب ولكن على حساب ما هو عقلاني اقتصادي.

1- هل التعديل الحكومي بات ضروريا أم مجرد "تقليد" عابر ؟ 


يستمد هذا التساؤل جدواه عقب الجدل، "القائم – الغائب"، حول التعديل الحكومي خصوصا بين بنكيران رئيس الحكومة وحميد شباط الأمين العام لحزب الاستقلال. وإذا كان حزب الاستقلال يلح على هذا السبيل بدعوى أن مردودية بعض وزراء هذا الحزب لم تكن بالمستوى المشرف للحزب فهذه شهادة من داخل الحكومة تعزز نعت المردودية الحكومية بغير الايجابية والتي تؤكد عليها أبرز فعاليات المشهد السياسي في المغرب. إلا أن الظرفية التي طرح خلالها حميد شباط فكرة أو ضرورة التعديل الجزئي أو "الرمزي" للتركيبة الحكومية والتي تأتي عقب توليه تدبير شؤون حزب الاستقلال علاوة على تصريحاته بكون الحزب لم يعد حزبا محتكرا على"العائلة الفاسية"، قد أصبغت على اقتراح التعديل الحكومي الطامح إليه حميد شباط، طابعا فاقدا لكل موضوعية ورزانة سياسية سواء اتجاه حزبه أو اتجاه الائتلاف الحكومي القائم. وبالتالي باتت طموحاته مجرد إثبات للذات ليس إلا. خصوصا وأن تعديل ثلاث مناصب وزارية لن يكون بضامن لتنشيط الأداء الحكومي وتسريع وتيرته. فما يفسر بطء وثيرة الأداء الحكومي هو أمر أكبر وأعقد من مجرد استبدال وزير بوزير (...) فالأداء الحكومي هوت فعالياته وخصوصا فعاليات حزب بنكيران في إشكالية كيفية التخلص من ملفات جد معقدة طرحتها عند بداية ولايتها أمام المواطن المغربي ولم تفلح في معالجة ولو ملف واحد منها لتلجأ لمصطلحات غريبة عن قاموس السياسة والتهديد بالنزول إلى الشارع (وهذه فتنة وحيرة يخوض فيها الحزب) لمواجهة من يعتبرونهم خصوما وما هم في واقع الأمر كذلك بل هم أولئك الذين سلبت منهم مطالبهم الاجتماعية والاقتصادية لضمها لخطاب سياسي وبرنامج اقتصادي مكن حزب المصباح "مرحليا" من ولوج تدبير الشأن العام. 

2- لماذا تم طوي ملف التعديل فجأة ؟


من الأكيد أن كل متتبع لهذا الجدال حول مسألة التعديل الحكومي يرى أن حدته بين شباط وبنكيران بدأت تبهت: فهل اقتنع شباط بأطروحة بنكيران بعد تليينها والداعية إلى أنه لا تعديل حكومي إلا بعد الانتهاء من تنصيب المسؤولين الساميين ومدراء المؤسسات العمومية ؟ إذا كان هذا صحيحا واطمأن إليه شباط وحزبه فهذا يعني أن مطلبه بالتعديل لم يكن لا ضروريا ولا مستعجلا بل كان أمرا لا يعلمه إلا شباط وأولئك الذين ربما قد وعدهم بمناصب وزارية. وبالتالي فما وجب أن نستوعبه كمواطنين مغاربة أنه " لكل دعم جزاء " وان معيار العلاقات والزبونية يعلو عن الاهتمام بمصالح المواطنين أي أن ما هو سائد هو تجسيد لمبدأ "المناصب في المقربين أولى" وأن ما يدلون به في خطبهم وتصريحاتهم إنما وجب على المواطن المغربي أن يأخذ بجدية عكس ما يصرحون به لكي لا يفاجأ في ما بعد. من الطبيعي أن لا يكون المواطن المغربي على بينة مما يروج في كواليس من ينعتون بعضهم البعض ب"العفاريت" لأن هؤلاء لهم لغة وأساليب وأنماط تخاطب وتعامل خاصة بهم لا يمكن للمواطن الإنسان أن يستوعبها. ولكن فليطمئنوا لأن استغفال واستهبال المواطن المغربي لن يكون بدائم لأن من بين المواطنين "فقهاء" بإمكانهم "صرع هذه العفاريت". 

3- لم لا يعوض التعديل الحكومي بفتح ورش إعادة هيكلة المؤسسات العمومية ؟ 


يطرح هذا التساؤل في زمن بات فيه تدبير الشأن العمومي، واقعه ومستقبله، وبالتالي إعادة النظر في هيكلة منظومة المؤسسات العمومية وشيه العمومية يفرض نفسه كورش وجب تعميق النقاش بشأنه بكل جرأة وعقلانية على ضوء التغيرات والتحديات المختلفة الجوانب التي يعيشها المغرب والتي باتت تتطلب ضرورة تغليب الجانب الاقتصادي العقلاني على الجانب السياسي. ولا يجب أن يفهم من هذا السبيل الرغبة في العدول عن ما هو حزبي سياسي لفائدة ما هو تقنوقراطي أو تركيبة بين هذين الأخيرين، فتطورات المشهد السياسي في المغرب بفعل مؤثرات داخلية وخارجية استقرت عند 2011 عند دستور ينتظر من مقتضياته أن يتم تدبير الشأن العمومي من طرف حزب سياسي أو توافق سياسي أهلته أو أهلتهم إرادة المواطنين المغاربة لذلك شريطة أن تكون فعاليات المشهد السياسي مؤهلة للقطيعة مع ممارسات التغاضي والتوافقات السلبية البائدة بغية تفعبل مقتضى المسؤولية والمحاسبة عند تأهيلها لتدبير مرافق الشأن العام. لا أعتقد أن الارادة السياسية وحدها قد تكون كافية لضمان تفعيل هذا السبيل لكون المسألة متعلقة بمدى نضج المشهد السياسي المغربي وبمدى الوعي بالأبعاد الايجابية من تخليق الممارسات السياسية لتكون الارادة السياسية تتويجا لهذا النضج. وما مضامين تقارير المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة لوزارة الداخلية إلا برهان على كون هذا النضج قد لن يكون لغد. 

 -* لم الاستمرارية في إطفاء "الخصوصية السياسية" على المرفق العام ؟ 


إذا كانت المؤسسات العمومية تدرج إلى جانب باقي الفعاليات الاقتصادية كالمقاولات الخاصة والافراد أو العائلات و مؤسسات التمويل بشقيها البنكي وغير البنكي علاوة على المعاملات مع الخارج، فلكون هذه الفعاليات في مجموعها تساهم بما تنتجه في الناتج الداخلي الخام. فالطابع والدور الذي قد تكتسيه كل من المؤسسات العمومية والمقاولات الخاصة يختلف باختلاف طبيعة نمط الانتاج المعتمد في كل بلد. وبما أن المغرب يعتبر من الاقتصاديات الساعية تدريجيا إلى تبني نمط الانتاج الرأسمالي مع إدراج مصطلح "الاجتماعي" لتكون رأسمالية الكتل عوض رأسمالية الأفراد، فمن الموضوعي أن تواكب المؤسسات العمومية والمقاولات الخاصة هذا التوجه حتى نتجنب التناقض المعاش بين دور المؤسسات العمومية وتلك الخاصة وبين نمط الانتاج المراد اتباعه. ذلك أن المؤسسات العمومية وشبه العمومية نجدها أكثر وزنا وعددا وتحكما في تدبير جل القطاعات الحيوية مقارنة مع المؤسسات الخاصة. 

إذا كان الفكر الاقتصادي في تعاطيه مع المؤسسة الخاصة ينص على ضرورة تطوير هيكلتها وحسن تدبير مواردها البشرية معنويا وماديا وكذا عقلنة تدبير مواردها المالية والاشتغال في إطار يتسم بالمنافسة والشفافية، فمن الواجب أن تنطبق نفس الخصوصيات على المؤسسات العمومية لكون الهدف هو في الأصل واحد إذ يكمن في بلوغ التميز. فإذا كانت المؤسسات الخصوصية تتنافس من أجل إنتاج منتوج مادي يميزها عن باقي المؤسسات، فالمؤسسات العمومية وجب أن تتنافس في إنتاج منتوج غير مادي متمثل في حسن خدمة المواطن. وإذا كان الهدف الطبيعي للمقاولة هو كسب الربح، فالهدف الطبيعي للمؤسسة العمومية هو كسب المواطن علما بأن من يدبرها هو مسؤول بات حزبيا وفق دستور 2011.

-* حين توضع المؤسسة العمومية في وضعية "الشجرة التي تحجب الغابة" 


لم يتم الحديث عن "كثافة الموظفين" داخل المؤسسات العمومية دونما الحديث عن كثرة المؤسسات العمومية؟ لم الحديث عن ضخامة كثلة الأجور دونما الحديث عن عدد وحدات المؤسسات العمومية وجدواها وجدوى ما تخصصه للتسيير والتجهيز؟ ما المعيار العلمي لتحديد عدد المؤسسات العمومية الضرورية لتنشيط الاقتصاد المغربي؟ ما المعيار المحدد للعدد اللازم للمؤسسة العمومية في غياب واختلالات ، كما أشار إليه المجلس الأعلى للحسابات، للهياكل التنظيمية؟ كيف يعقل في زمن ترشيد النفقات العمومية، أن ينتقل مراب السيارات العمومية من حوالي 40000 ألف سيارة للدولة في ظل حكومة التناوب لتصل اليوم إلى 140000 ألف سيارة مع الابقاء على تعويضات التنقل التي منحت إثر سحب سيارات الدولة؟ ذلك أن مسؤولي المؤسسات العمومية كل حسب درجة مسؤوليته، باتت لذيه تعويضات التنقل مكسبا لتضاف إليها بعد حكومة التناوب سيارة الدولة. أليس هذا بتبذير جلي يؤدي ثمنه المواطن المغربي في حين تتغاضى عنه حكومة بنكيران؟ تطرح هذه الأسئلة وأسئلة أخرى جوهرية لكون الحديث حول المؤسسات العمومية لا يطرح إلا من زاوية جزئية لا تتناول في الغالب سوى التقليص من "كثافة الموظفين"، بدعوى التقليص من كثلة الأجور. وما تم ابتداعه في هذا الاتجاه أمران: المغادرة الطوعية والتفكير في إعادة انتشار الموظفين. أما مصطلح تحديث المؤسسات العمومية فقد اختزل في محاولة تعميم الحواسيب وآليات مراقبة حضور الموظفين واستبدال مقرات عمومية (أو الابقاء عليها كملحقات) بتدشين مقرات جديدة وما لهذا من انعكاسات، لا تثار ولا يتم حتى الجدال بشأنها، على تضخيم مصاريف ميزانية الدولة. فتحديث تدبير منظومة المؤسسات العمومية وجب أن يهم بالدرجة الأولى إيجاد معايير علمية تمكن من إبراز جدوى وفعالية تواجد هذه المؤسسة أو تلك. ففي الوقت الذي نجد فيه دولا متقدمة تفوق نسبة ساكنتها نسبة ساكنة المغرب إذ تعتمد في تدبير شأنها العمومي على مؤسسات أقل عددا وكلفة، نجد الوضعية العكسية هي المميزة لمنظومة المؤسسات العمومية وشبه العمومية في المغرب. وبالتالي تطرح عدة تساؤلات وإشكاليات حول مدى إمكانية تفعيل البرنامج الاقتصادي والاجتماعي الحكومي الذي يتطلب تنسيقا محكما في مناخ يتسم ب: تداخل الاختصاصات وصعوبة اتخاذ القرارات الحاسمة، عدم الانسجام البين-حزبي من شأنه الغوص في حسابات حزبية ضيقة على حساب الانكباب على تفعيل ما من شأنه تنمية البلاد والرقي بالمستوى المعيشي للمواطن، صعوبة أو عرقلة إيصال وتفعيل توجيهات رئاسة الحكومة، صعوبة المراقبة الفعلية لهذه المؤسسات وبالتالي تغيب المحاسبة في جل الأحيان لتوصف تدقيقات المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة لوزارة الداخلية ب"الانتقائية" وما هي كذلك في واقع الأمر أمام العدد الهام للمؤسسات العمومية مقارنة مع ما تتوفر عليه هاتين المؤسستين من موارد بشرية، (...). 

فإذا كان في وقت غير ببعيد تستند فيه هيكلة منظومة المؤسسات العمومية إلى توافق أو "تقاسم" حزبي وفق ما يزال ينعته البعض بوزن الأحزاب داخل المشهد السياسي، فهذا زعم بات مردودا على أصحابه ومتبنيه لكون المعيار الموضوعي لا يكمن في الوزن العددي أو الكمي للحزب بل في أهلية ومردودية من يؤهلهم الحزب لتدبير جانب من الشأن العام علاوة على الامكانيات والحاجيات الضرورية للبلد. فهذا سبيل بات بائدا ومتجاوزا في ظل مرحلة بات يتطلب فيها الاقتصاد الوطني الأهلية والجدية لتجاوز لا أقول تحديات الألفية الثالثة بل تجاوز الاقتصار على التفكير في بلوغ معدلات نمو، وما اقتصادنا على هذا النهج ببالغها، للتوجه نحو التفكير في بلوغ معدلات التنمية في وقت باتت دول أخرى تتبنى مؤشر الرفاهية.

4- البديل المقترح في مجال هيكلة واشتغال المؤسسات العمومية:

قد يعتمد في هذا الطرح مبدأ التفاعل الايجابي والمتين بين المجالس العليا المحدثة والفعاليات الحكومية كمنهج قويم للرقي بالاقتصاد الوطني المغربي وذلك من خلال تحديد ما يمكن اصطلاحه بالمؤسسات الوزارية البنيوية: وزارة التأهيل الاقتصادي - وزارة الحكامة المالية - وزارة العدل - وزارة الصحة - وزارة التعليم والتأهيل الفكري - وزارة التأهيل الصناعي والتكنلوجيا والطاقة والمعادن- وزارة التنمية الفلاحية وتأهيل الوسط القروي - وزارة التنمية البشرية والتشغيل - وزارة الخارجية والعلاقات المؤسساتية الدولية - وزارة الداخلية والحكامة المجالية - وزارة التنمية السياحية - وزارة تأهيل الثروات البحرية - وزارة الشؤون الاسلامية وتعايش الديانات - وزارة الدفاع الوطني - وزارة القصور والتشريفات والأوسمة إضافة إلى رئاسة الحكومة.

لن يكون لهذا النموذج التنفيذي وزراء منتدبين بل سيقتصر على كتاب عامين ومدراء ومندوبين للمصالح الخارجية بغية تجنب تداخل الاختصاصات والازدواجية في المناصب وتسهيل تمرير توجيهات ملك البلاد ورئاسة الحكومة وفق مقتضيات دستور 2011. لم تعد الظرفية الحالية تسمح بابتداع مناصب على "مقاس" الأحزاب إرضاء لها بل تماشيا وحاجيات المواطن والتي باتت فوق كل اعتبار سياسي ضيق. ما الجدوى من كثرة المؤسسات دون مردودية إذ أنها لا تزيد إلا في إنهاك ميزانية الدولة. وجب إذا اعتماد هيكلة لمنظومة المؤسسات العمومية وفق ما تتطلبه تنمية اقتصاد البلاد. علاوة على هذه الهيكلة المتجانسة مع بلد يسعى إلى ترشيد ميزانيته، فإن هذه المؤسسات لن تشتغل في عزلة بل بتنسيق تام ووطيد مع المجالس الدستورية المحدثة كالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ومجلس المنافسة والمجلس الأعلى للقضاء والمجلس الدستوري والمجلس الأعلى للتعليم (...) على أساس أن تقوم هذه المجالس الدستورية بإعداد الاطار العام على المدى المتوسط والبعيد الذي وجب أن يسلكه كل قطاع اقتصادي او اجتماعي أو سياسي على أن تقتصر الأحزاب عند تأهيلها لتدبير الشأن العام على تدبير قطاعاتها في إطار تشاوري بينها وفق ما اعدته المجالس العليا المعنية ليكون المبتغى هو تفادي التقلبات الفجائية أو الارتجالية التي تعيشها قطاعات الاقتصاد الوطني عند انتهاء ولاية أغلبية حزبية وقدوم أغلبية أخرى. فالمشاكل التي يعرفها مجال التعليم والتشغيل على سبيل الذكر هي في الأصل ناجمة عن هذه التغيرات المؤسساتية التي تترجم بقطيعة تامة بين ما تم اعتماده خلال ولاية معينة والولاية الموالية لها. أما الوضع الحالي فيجعل من تقارير ودراسات واستراتيجيات هذه المجالس مجرد توصيات ذات صبغة استشارية وغالبا لا تأخذ بعين الاعتبار من طرف الائتلاف الحاكم لكونه يعتبر نفسه أنه هو المسؤول سياسيا عن نتائج تجربته.

إذا كان نمط الانتاج الرأسمالي المتبني لليبرالية اشتغال الاقتصاد الوطني على أساس آليات السوق هو الوجهة التي يسير الاقتصاد الوطني اتجاهه، فمن الأكيد أن هذه الوجهة لا تتناغم لا مع عدد وحجم المؤسسات العمومية وما يتفرع عنها من مصالح ولا مع هيكلتها الحالية ولا مع كيفية اشتغالها ذلك أن النمط الليبرالي تكون فيه أليات السوق هي المدبرة والضامنة لتنشيط مختلف مكونات الاقتصاد الوطني في حين تكتفي المؤسسة العمومية بتوفير الأرضية القانونية الملازمة لقيام نشاط اقتصادي قويم علاوة على إنجازها لما هو خارج نطاق السوق أي ما هو اجتماعي. ففي هذا الاطار تطرح وبحدة ضرورة فتح ورش التفكير وابتداع هيكلة أمثل لمنظومة المؤسسات العمومية تكون بعيدة كل البعد عن التوافقات السياسية وقريبة كل القرب من الضروريات الاقتصادية والاجتماعية للمغرب.

الأحد، 17 فبراير 2013

عاصفة ما بعد إسقـاط صـندوق الـمقاصة - د.حبيب عنون

عاصفة ما بعد إسقـاط صـندوق الـمقاصة 
    د.حبيب عنون
باحث في العلوم الاقتصادية والاجتماعية
يبدو أن حكومة بنكيران من شدة وطأة انتقادات ليس فقط بشأن بطء أداءها الحكومي بل وحتى بشأن التوجه الاقتصادي والاجتماعي المتمادية في تبنيه والذي بات يزكي صفة العشوائية والارتجالية التي ميزته منذ توليه تدبير الشأن العام، ها هو السيد باها وفي أول خرجة إعلامية له يصرح بكون التخلي عن صندوق المقاصة لن يكلف المواطن المغربي حسب تصريحه سوى 600 درهم شهريا كزيادة في نفقاته المعيشية المتهالكة أصلا، بالموازاة، وهذا استهتار بالمستضعف، مع منح طبقة هذا الأخير 1000 درهم شهريا. فالحديث القائم والمتناقض بخصوص إسقاط صندوق المقاصة والذي لا أعتقد أن يكون المجلس الأعلى للمنافسة قد يشاطر الحكومة في هذا التوجه في هذه الظرفية، يطرح عدة ملاحظات وتساؤلات عن 600 درهم و1000 درهم.

1-    لماذا مبلغ 600 درهم بالضبط ؟

أولا : لن يكون من محض الصدفة أن يكون هذا الرقم هو ذاك الرقم الذي أضيف لأجر الموظف ولو بصفة غير مرضية حين كان حزب بنكيران ضمن المعارضة.  أما والتموقع ضمن فعاليات المشهد السياسي قد تغير، فمما لا ريب فيه أن حكومة بنكيران ارتأت أن الحجم الاجمالي للزيادة السابقة كان من بين ما أرهق ميزانية الدولة وبالتالي فأقرب سبيل، من وجهة نظر حكومة بنكيران،  هو المواطن المغربي من خلال استرداد بطريقة غير مباشرة هذه الزيادة. ولن يستقر الأمر عند هذا الحد لكون الزيادة ستزيد وطأتها على القدرة الشرائية كلما زادت أثمان المواد الأساسية التي قررت حكومة سحبها من الدعم الحكومي مع إسقاط صندوق المقاصة. أولم تتذكر حكومة بنكيران الضجة والمشاورات التي قامت في عهد حكومة جطو عند محاولة زيادة 10 سنتيمات فقط في سعر الخبزة الواحدة ؟ والزيادة كذلك في سعر قنينات الغاز ؟

ثانيا : على أي أساس علمي وبالخصوص على أية رؤى مستقبلية ارتكز كل من باها وبوليف في تحديدهما لمبلغ 600 درهم كانعكاس إسقاط صندوق المقاصة على القدرة الشرائية للمواطن المغربي ؟ وعن أي مواطن مغربي يتحدثان؟ فإذا كان التعميم فهذا لن يكون عادلا لكون بنية المجتمع المغربي غير منسجمة من حيث الدخل وبالتالي من حيث القدرة الشرائية، ناهيك عن اختلافها بين جهات المغرب. فإذا كانت بنية المجتمع المغربي تغلب عليها شريحة ذوي الدخل الهزيل والغير قار وذوي الدخل المحدود والدخل المتوسط فهذه الشرائح هن من سيكتوين من انعكاسات الزيادات المرتقبة في المواد الأساسية للعيش البسيط وبالتالي فبنكيران برضاه وبتزكية ما يقترحه وزيره بوليف، فهو يستهدف الشريحة المجتمعية ذات القدرة الشرائية الدنيا والمتوسطة عوض الشريحة المجتمعية الميسورة التي عجزت حكومته على إخضاعها للضريبة على الثروة والضريبة على ذوي الأجور والامتيازات الخيالية.

ثالثا : إذا كان إسقاط صندوق المقاصة أي توقف الحكومة عن دعم المواد الاستهلاكية الأساسية هو التوجه الذي ستتخذه حكومة بنكيران سبيلا، فوجب على هذه الحكومة العمل على تواجد سوق تسودها المنافسة الحرة عوض الاحتكار السائد وقلة المنتجين الذي يتناقض شكلا ومضمونا مع إحدى أسس الليبرالية الاقتصادية. ففي غياب سوق بمواصفات الليبرالية الاقتصادية الحقيقة والملموسة، لن يوصف إسقاط صندوق المقاصة وما سيعقبه من ارتفاع في المواد الاستهلاكية للمواطن المغربي إلا كتلك "نقطة الماء التي ستفيض الكأس.

رابعا : ففي الوقت الذي نجد فيه الدول المتقدمة وفق النظريات الاقتصادية تسعى إلى إنعاش الطلب أي القدرة الشرائية للمواطن وكذا الطلب العام كمحرك أساسي لإنعاش العرض وبالتالي تنشيط الاقتصاد الوطني، ذلك أن إنعاش الطلب من خلال إنعاش القدرة الشرائية يعتبر من إحدى ضمانات استقطاب وتحفيز ألاستثمارات  نجد أن حكومة بنكيران تسلك اتجاها معاكسا مضادا لتحفيز الطلب وبالتالي نجدها تتساءل عن ضعف الاستثمارات أو تعليل العجز عن استقطابها بانعكاسات الأزمة العالمية.

خامسا : وفي غياب آليات ضبط أسعار المواد الاستهلاكية تشهد سوق المواد الاستهلاكية حركية استثنائية مشحونة بسؤال واحد : ماذا بعد رفع الدعم عن المواد الاستهلاكية ؟  تجعل من المستهلك (الطلب) عرضة لسلوكيات غير مسبوقة من طرف البائع (العرض) كما لو أن صندوق المقاصة قد تمت فعلا إزاحته.. فسلوكيات العرض والطلب فد بدأت تسبق إلغاء دعم المواد. "فالمستهلك بدأ يقتصد والبائع بدأ يخزن قصد البيع بثمن أكبر". وليس هذا بغريب عن النظرية الاقتصادية التي اهتمت ب les anticipations rationnelles des agents économiques إلا أن هذه النظرية تصطدم  بتوجه اقتصادي مبهم وسلبي لا يمكن من جعل سلوكيات الفاعلين الاقتصاديين سلوكيات عقلانية. وهذا مسار قد يخلق متاعب لا يمكن التنبؤ بعواقبها في مجال تدبير الشأن العام.

 2 -  ماذا عن "هبة" 1000 درهم: لفائدة من؟ وإلى متى؟

أولا: حقيقة وتناقضات 1000 درهم
عجيب أن الشريحة المجتمعية التي كانت مسنودة عن أحقية من خدمات صندوق المقاصة ستجد نفسها محرومة منه مقابل منحها 1000 درهم شهريا.  إلا أن هذه الشريحة وجب أن يخبرها بنكيران بأن 1000 درهم ليست بمنحة حقيقية بل مجرد إسمية. ذلك أنه إذا أخذنا بعين الاعتبار نسبة التضخم إضافة إلى 600 درهم التي ستثقل قفة المستهلك بعد إزاحة صندوق المقاصة، فالقيمة الحقيقة ستتراوح بين 350 و400 درهم شهريا فقط هذا إذا ما استقرت أسعار المواد الأساسية التي تدعمها الحكومة على حالها وهذا أمر جد مستبعد. وفي واقع الأمر فالمستهدف الحقيقي للإنعاش من إسقاط صندوق المقاصة هي ميزانية الدولة وليس هاته الشريحة المجتمعية المستضعفة. فما ستمنحه حكومة بنكيران باليمين سأتخذه بالشمال مضيفة إليه الضريبة على القيمة المضافة عند الاقتناء. وإذا كان التخفيف من عجز ميزانية الدولة يمكنه أن يمر عبر إسقاط صندوق المقاصة، فهذا أمر لن يستساغ من طرف المواطن المغربي الذي بات على بينة من كون من يثقل ميزانية الدولة هي نفقات لا علاقة لها بتاتا بدعم المواد الأساسية للمواطن المغربي بل بات متيقنا أيضا بكون حكومة بنكيران تسير في الاتجاه المعاكس للخطاب أو البرنامج الذي دشنت به ولوجها حقل تدبير الشأن العام. كل ما أفلحت فيه هو إبقاء الحال على ما هو عليه بالنسبة للطبقة الميسورة من امتيازات وأجور عليا وعلاوات والسكن الفاخر الوظيفي (وما خفي كان أعظم وأشد وطأة على ميزانية الدولة)، متوجة هذا التوجه بعفا الله عما سلف جاعلة من الطبقة الدنيا والطبقة المتوسطة ورشا لتفعيل ما لم تستطع تفعيله اتجاه الطبقة

الميسورة وجاعلة إياها تتيه في شعارات محاربة الفساد والريع والمساواة والعدالة بل جعلت من هذه الطبقات "تغوص في مستنقعات الضفادع وعالم الجن والعفاريت والتماسيح". إنها سذاجة الخطاب السياسي في أبهى حلله.

ثانيا: 1000 درهم غير ضامنة لولاية ثانية
من سيصدق المواطن المغربي هل باها وبجواره بوليف الذي صرح بكون الالغاء التدريجي للمواد المدعمة سيترجم بزيادة مبلغ 600 درهم شهريا في النفقات الاستهلاكية للمواطن المغربي، أما تصريح البركة وبجواره الأزمي الذي أكد أن أسعار المواد المدعمة لن تعرف زيادة. أما أوزين فقد حذر من الكف عن دعم المواد الأساسية ؟  تصريحات متناقضة ومبهمة لا تطمئن بقدر ما تزكي فرضية كون قطار حكومة بنكيران ربما قد بدأ يزيغ عن سكته. وبالفعل فهل نحن أمام تصريح حكومي موحد أم أمام تصريحات مختلفة لوزراء تنتمي لنفس الحكومة ؟ وأيهم الأصح ؟ والغريب أن الأحزاب المتبقية والمشكلة للمشهد السياسي وكذا الفعاليات النقابية، فلم تصدر عنها أية ردة فعل !!

فمبلغ 1000 درهم التي ابتدعها وزراء العدالة والتنمية لن تكون كافية لضمان ولاية ثانية لكون المواطن المغربي بات يطالب بعدالة في توزيع ثروات بلاده وهو ليس بطالب لمساعدة ولا بصدقة بل بحقه في التمتع بما يتمتع به الآخرون. ما الذي يصلح في العدالة التي هي مرآة المساواة إذا لم تتجه نحو إرساء عدالة في العيش الكريم ؟ ليس هذا بابتداع ولكنه وبكل بساطة تجسيد لروح الدستور المغربي. لقد صدق القول من سبق وأكد أن مضمون مقتضيات دستور 2011 تعلو بكثير عن ما اقترحته جل الأحزاب.

ثالثا: إلى متى ستدوم هذه المساعدة المالية؟
يطرح هذا التساؤل نفسه لكونها ستصبح تقليدا ترهن به كل الحكومات المقبلة لكون المساعدة ستصبح مكتسبا وإرثا من الصعب الاستغناء عته. وماذا إن اتسعت رقعة المستضعفين ؟ وماذا إذا توفي المستضعف المستفيد وترك وراءه درية ؟ لن يكون بوسع الحكومة إيقاف المساعدة لليتامى ؟ وماذا بعد (...)؟ وكالعادة، سيعهد للحكومة المقبلة فيما بعد التفكير في كيفية التعامل مع هذه التركة. ألا تعتبر هذه المساعدة نوعا من الريع السياسي أو بداية لحملة انتخابية قبل الأوان ؟ كل التفسيرات واردة. عجيب أن تنغمس بعض الحكومات في محاولة إيجاد حلول لإشكاليات متشعبة عوض الانكباب على معالجة إشكاليات أقل تشعبا وحساسية وقد يكون حل هذه الأخير ممهدا الطريق لمعالجة الإشكالية المتشعبة.

الخلاصة:
 التفكير في إزاحة صندوق المقاصة بغية تقويم ميزانية الدولة إنما هو تفكير مجانب للتدبير العقلاني للموارد المالية للدولة ونفقاتها خصوصا وأن آليات اشتغال الاقتصاد المغربي لم تتمكن بعد من إرساء أسس اقتصاد ليبرالي خاضع في توازناته لآليات السوق أي العرض والطلب. لا أحد يعارض الاصلاح والتقويم ولكن ليس حساب الأغلبية المنهكة لفائدة الأقلية الميسورة بسبب سوء اختيارات تدبير مختلف قطاعات الشأن العام. فإذا كانت الدول المتقدمة تكون إصلاحاتها تتسم بالشمولية ابتداء من الطبقات الميسورة كي تكون نموذجا في اتجاه تنازلي نحو الطبقات الدنيا لتتحمل ولتستفيد كل الشرائح الاجتماعية دون استثناء من انعكاسات وإيجابيات كل مبادرة إصلاح. أما الحكومة الحالية، فنراها تبدأ الاصلاح على حساب الطبقات الدنيا والمتوسطة دون المساس بالطبقات الميسورة التي في واقع الأمر تعتبر امتيازاتها ومكتسباتها أصل ومصدر الاختلالات التي يعرفها الاقتصاد المغربي. وهذا التوجه لا يتناغم ومصطلحي العدالة والتنمية التي اتخذهما حزب الأغلبية الذي يترأس الحكومة تسمية له. فمكامن الخلل بات معروفة لدى الكل والتدابير الملازمة للإصلاح هي كذلك معروفة لدى الكل ولم يعد هناك أي مجال لا لاستيعاب المزيد من الخطابات التمويهية ولا لتحمل المزيد من التدابير الترقيعية التي من شأنها المساس سلبا بالمستوى المعيشي المتدهور أصلا  للمواطن المغربي. فأي محاولة لإسقاط صندوق المقاصة في الظروف الراهنة ستجعل حزب الأغلبية في موقع ذاك الرجل "الأسود اللون والقبيح المنظر" الذي لاقاه المتنبي يوما فخاطبه قائلا: ما اسمك يا رجل ؟ فأجاب الرجل اسمي زيتونا. فرد عليه المتنبي بهذه الابيات:

سموك زيتونا وما انصفوا

لو انصفوا  سموك زعرورا
لان في الزيتون نورا يضيئ

وانت لا زيتا ولا نورا