‏إظهار الرسائل ذات التسميات د.سناء الشعلان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د.سناء الشعلان. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 14 يونيو 2016

فيلم "الأوديسا العراقيّة" ملحمة من ملاحم الإنسان العربيّ في العصر الحديث - بقلم د.سناء الشعلان

فيلم "الأوديسا العراقيّة" ملحمة من ملاحم الإنسان العربيّ في العصر الحديث
 بقلم د.سناء الشعلان / الأردن
      أُتيحت لي فرصة مميّزة كي ألتقي بالمخرج العربيّ العراقيّ "سمير جمال الدّين" الذي يحمل الجنسيّة السّويسريّة،وكان هذا اللّقاء في العاصمة الأردنيّة عمان في حفل عرض فلمه الوثائقي الأخير " الأدويسا العراقيّة : Al Odyssa al Iraqiya "، في الملكيّة الأردنية للأفلام برعاية السفارة السّويسريّة في عمان وحضور السّفارة العراقيّة في عمان،وحضور نخبويّ من الأكاديميين والدّبلوماسيين والإعلاميين والفنانين والمهتمين من الأردنيين والسّويسريين والجالية العراقيّة في الأردن،وهذا اللّقاء أتاح لي فرصة لحديث ممتع معه حوله فلمه وفكره السّينمائيّ ممّا عمّق فكرتي عن هذا الفيلم الذي يصلح لأن يكون أنموذجاً للملاحم العربيّة التي يعيشها الإنسان العربيّ قهراً في العصر الحديث تحت تراكم عملاق من القهريّات والتّحديات والمؤامرات والعواصف العاتية التي عصفت بالأمّة العربيّة والإسلاميّة،وحوّلت حيوات مواطنيها إلى هجرات ومعاناة وفقد ومكابدة وضنك وحرمان وألم موصول.
     عندما سألته لمنْ أنجزتَ هذا الفيلم؟ أجابني دون تفكير أو تردّد،وكأنّه قد حضّر الإجابة  لهذا السّؤال منذ زمن طويل : "لقد أنجزته لأجل ابنتي؛فهو هديتي لها".عندها عرفتُ أنّني أمام مبدع يوثّق ذاته وأهله وحضارته وفكره لأجل التّاريخ ولأجل الأجيال القادمة المتمثّلة عنده في القادم من مستقبل ابنته،وهذا قادني إلى الفضول أكثر حول هذا الفيلم حتى قبل أن أشاهده لا سيما بعد أن قال للجميع في معرض حديثه عن الفيلم :" ملحمتي لن تنتهي، "أوديسيوس" عاد إلى دياره وإلى "بينلوبه"، وأنا وجدت «بينلوبي» خاصتي في سويسرا.


       بعد أن شاهدتُ الفيلم كاملاً بإنعام كبير وتفكّر عميق بدا لي أنّ هذا الفيلم المميّز ليس -فقط - تمثيلاً ذكيّاً وخاصّاً ومميّزاً لخصوصيّة التّجربة العراقيّة في العصر الحديث من خلال فيلم يُعرض في نسخته العربيّة بخليط من اللهّجة العراقيّة والتّعليق على الأحداث باللّغة العربيّة الفصيحة،لتدور أحداثه حول حكاية أسرة عراقيّة في شتّى دروب أقدارها،إنّما هو -في حقيقة الحال- تصوّر أكبر وأعمق لتجربة الحياة الملحميّة التي يعيشها الإنسان العربيّ في شتّى أقطار الوطن العربيّ وفي منافيه ومهاجره القسريّة أو الاختياريّة وفق قراره الشّخصيّ أحياناً؛فهذا الإنسان العراقيّ في هذه "الأوديسا" هو الإنسان العربيّ بامتياز،وإن اختلفت الأسماء أو التّفاصيل أو الأحداث؛فالمآلات ذاتها،والألم ذاته،والجوع نفسه.
  فمن يتابع تفاصيل هذا الفيلم بكلّ ما فيها من استثمارات خاصّة لإرث عائلة سمير جمال الدّين من صور فوتوغرافيّة،وتسجيلات فيلميّة،وأحاديث صوتيّة،ومقابلات مصوّرة يرى صور عائلته الشّخصيّة بتفاصيلها الذّاتيّة مع اختلاف الأسماء والصّور والأماكن،ولكنّها المعاناة ذاتها.
    لقد حضرتُ عرض هذا الفيلم -إبّان عرضه في  الملكيّة الأردنيّة للأفلام في العاصمة الأردنيّة عمان-برفقة بعض أفراد عائلتي،وكم أثار هذا الفيلم فينا من شجون! كما أثار في كلّ واحد من الحضور شجونه الخاصّة!وأطلق شجو ذكرياته؛ لقد استدعى في نفسي وفي أنفس الحاضرين من أسرتي تفاصيل مشابهة من معاناة الشّعب الفلسطينيّ،وتهجيره،وتقطيع أوصاله،بل إنّ كثير من الصّور الفوتوغرافيّة في هذا الفيلم قد استدعت صوراً  مشابهة لها من ذاكرتي حيث صور لأفراد أسرتي في المنافي والمهاجر وضروب الشّقاء والمعاناة بعد أن هُجروا قسراً من فلسطين في عام 1984 بعد أن هاجمت العصابات الصّهيونيّة قريتنا الآمنة في الخليل،وطردت أهلها،وقصفتها حتى سوّت جلّها بالأرض،إنّها الصّور ذاتها التي لطالما رأيتها في دفاتر صور أمي وجدتي والكثير من أفراد عائلتي.
    هذا الفيلم استدعى الكثير ممّا له أن يستدعيه في أنفس الحاضرين وفق ما قالوه صراحة وعلانيّة، وعبّروا عنه في النّقاش الطّويل والمعمّق الذي أُثير مع المخرج سمير جمال الدّين في جلسة حواريّة خاصّة على هامش عرض الفيلم في الملكيّة الأردنيّة للأفلام.
   وبذلك لي أن أقول إنّ المخرج المميّز سمير جمال الدّين ينطلق من حساسيّة ذاتيّة وصولاً إلى كونيّة التّجربة الإنسانيّة إذا ما تشابهت ظروفها ومعطياتها،ويبدو أنّه يصدر من قناعة ناضجة مفادها أنّ الانطلاق إلى العالميّة والكونيّة لا يكون إلاّ من الإغراق في الذّاتية،وخير دليل على ذلك أنّ كلّ الذين أبدعوا في الفنون في كلّ مكان وزمان إنّما انطلقوا من الإغراق في ذاتياتهم ومحلياتهم،ليشكلوا منها دروباً رحبة نحو العالميّة،والذين نسميّهم عالمي الإبداع هم في الحقيقة محليون حدّ النّخاع.
     فسمير جمال الدّين في فيلمه " الأوديسا العراقيّة" الذي قدّم رؤيته لتجربة الشّعب العراقيّ عبر ذاكرة أسرته،إنّما كان يفكّر في مشروع إبداعيّ إعلاميّ عملاق يوثّق لحقبة كاملة من حياة الشّعب العراقيّ،ولي أن أقول بثقة كبيرة إنّه قد نجح في ذلك؛فقد استطاع أن يقف بنا جميعاً على حقيقة مقدّسة قالها لنا في آخر مشهد من فيلمه حيث قال بحكمة وهو ينهي فيلمه بصوته الرّخيم الشّجي المترع بالحزن بعد أن روى أحداثه كلّها :" "لن يمكنكَ تشكيل مستقبلكَ لو كنتَ لا تعرف ماضيكَ".
     إذن هو يقدّم هذا الفيلم الوثائقيّ بغية أن يكون إطلالة له ولكلّ عراقيّ على المستقبل،لاستشراف الخطوات الصحيحة فيه،فلا يكون بذلك مجرّد ناقل لحدث أو مؤرّخ له أو حتى سميراً للسمّار،يحدّثهم بقصصه البائدة،وبأمجاد شعبه المنكوب،ويرثي أحوالهم،وينتهي الهدف بانتهاء هذا السّرد.لي أن أقول إنّ سميراً ذلك الفنان المتميّز الذي سخّر فنه لأجل وطنه العراق أراد أن يقول بملء فيه:" علينا أن نأخذ العبرة من هذا التّاريخ،لنعبر إلى المستقبل،ونستشرف القادم كما يليق بنا وبتاريخنا وبشعبنا:فالماضي يحمل العبرة،ولا فائدة من عَبْرة ليس فيها عِبرة".
      المميز في هذه الملحمة الفيلميّة - إن جاز التّعبير- أنّها تقدّم نمطاً جديداً وجريئاً ودؤوباً من الرّؤية الإنسانيّة- السّينمائيّة التي تعلن صراحة بزوغها من الذّاتيّة والتّجربة المعيشة انتصاراً للوصول إلى الحقيقيّة،إنّها نوع خاص من الغنوصيّة الفكريّة الجميلة التي تجرّد الذّات للوصول إلى الحقيقة من منطلق أنّ الذّات جزء من المكوّن الأكبر للكون والحقائق،وأنّ معرفة الذّات هي الطّريق إلى العالم،ولذلك لم يبحث سمير جمال الدّين عن الإجابات خارج عوالمه ،بل غاص فيها بعمق ليبحث عن الإجابات الشّخصيّة والعامّة،بعد أن استطاع أن يستثمر فكر جدّه الرّجل الشّيعيّ المتديّن الذي كان أكبر من أيّ انغلاق،فعلّم أسرته الحريّة،وترك الخيارات مفتوحة أمام بناته وأبنائه جميعاً بمساواة وإيمان عميق بحقّهم بالاختيار والانتقاء واتّخاذ الدّروب التي يريدونها.
    إنّه يسألنا كيف تغيّر الشّرق الأوسط؟ وكيف تغيّرت المعطيات؟ وكيف تشرّدت أسرته؟ ويفتح الأسئلة على التّأويلات جميعها،ويترك لنا أن نصيغ الإجابات في إزاء الظّروف المشابهة التي هاجمت الإنسان العربيّ في أوطانه جميعها على اختلاف أشكال معاناته،وحدود ظروفه وتحدّياته وانكساراته.إنه يطرح الأسئلة المضنية كما طرحها من قبل رفيقه في الشّتات والتّرحال القائد الإغريقيّ الشّهير "أوديسيوس"،ويترك لنا أن نبحث عن الإجابات،أو أن تبحث هي عنّا.
   ليس من الفطنة بأيّ شكل من الأشكال-وفق رأيي المتواضع- أنّ نعتقد أنّ هذا الفيلم هو فيلم عن التّهجير العراقيّ- وفق ما قرأت في الكثير من التّوصيفات لهذا الفيلم- فهذا تبسيط وتسخيف لفكرة الفيلم؛أعتقد أنّ المخرج وهو كاتب النّص كذلك وصاحب الفكرة إنّما أراد أن يرقب المشهد العراقيّ،وأن يقول كلمته فيه،وأن يوثّقه بمصداقيّة وعدالة كي لا تضيع الحقيقة،وتتيه التّفاصيل،وتُسرق الأحلام،ويُغبن الإنسان؛فالقضية العراقيّة في شكلها الحالي ليست مشكلة لاجئين يتناوبون على المعاناة والألم والبؤس في أصقاع الدّنيا بعد تهجيرهم من العراق،أو هروبهم منه وفق إراداتهم لسبب قاهر أو لآخر،إنّها قضيّة وطن يُسرق وينهار ويهجّر أهله ،ويطمس تاريخه،ولا بدّ من الوقوف إلى جانبه في أزمته لاسترداد نفسه،وإلاّ فالخسارة هي خسارة أمّة وشعب وتاريخ وحضارة،لا مجرّد خسارة شخصيّة لأيّ إنسان كان.
   وهو قد طرح فكرته العملاقة عبر حكاية أسرته التي تهجّرت منذ السّتينيّات من القرن الماضي كما تشرّد نحو خمسة ملايين إنسان عراقيّ،وساحت مكرهة في أصقاع الأرض،فامتدت إلى أبو ظبي،وأوكلاند سيدني،ولوس أنجلوس،وبافالو،ولندن، وباريس،وموسكو،حتى لم يبق من أسرته إلاّ القليل في وطنهم العراق،عندها يعود سمير جمال الدّين إلى الماضي ليستحضره ،وقد عرض هذه الملحمة في ثلاث دوائر،أيّ ثلاثة فصول كوّنت الفيلم برمته؛إذ يبدأ سمير جمال الدّين فيلمه بسرد سيرة جدّه ودوره في النّضال ضدّ الاستعمار البريطانيّ. وفي الفصل الثاني يتتبّع موجات متتاليّة من الهجرة ،إذ سعى أفراد العائلة إلى البحث عن ملاذات آمنة في أصقاع الدّنيا هرباً من سلسلة من الانقلابات والانقلابات المضادة في السّتينيات والسّبعينيّات من القرن الماضي،أما الفصل الأخير من الفيلم فيقوم على شهادات مصوّرة من أهل سمير وأقاربه ،وهي شهادات مرهونة بوثائق نادرة من أرشيفه الخاص،وممّا حصّله من لقطات سينمائيّة ووثائقيّة وأرشيفيّة حصّلها من شتّى أرجاء المعمورة.
   وقد استدعى سمير جمال الدّين في هذا الفيلم قدراته الإخراجيّة العملاقة والذّكيّة،ورؤيته الخاصّة فيها كي يقدّم هذا الفيلم الذي شكله من جذاذات  ذكريات عائلته المشتتة في أرجاء مختلفة من المعمورة،بعد أن سافر لمئات السّاعات كي يلتقي من استطاع أن يلتقي بهم من أقاربه: أعمامه وعمّاته وأبناء عمومته وأخته غير الشّقية في أمريكا وموسكو ونيوزيلاندا والعراق وفرنسا،فضلاً عن أنّه قضى سنوات كاملة في جمع مادته،وبذلك أبحر في "أوديسته" الخاصّة التي كوّنها بأبعاد ثلاثة ((3D لتكون وثيقة شاهدة على عصر كامل.وعلى الرّغم من أنّ الفيلم الذي امتدّ لـ 162 دقيقة من العرض إلاّ أنّه كان مركّزاً في محوره الأساسيّ،ولم يعلق في التّشتّت والضّياع والتّكرار والاستطراد الذي لا طائل منه،وبذلك استطاع أن يكون انتقائيّاً في التّفاصيل هروباً من مأساويّة الوقوع في شرك الأحداث الكثيرة والشّخوص المستدعية في الفيلم دون قيمة فنيّة أو تاريخيّة لوجودها،على الرّغم من قيمتها في حياة المخرج أو ذاكرته أو أرشيف أسرته.
  البطل الحقيقيّ في هذا العمل هو الزّمن والإنسان ومعاناته في تقاطع تاريخيّ وجغرافيّ وإنساني يتناول أسرة عراقيّة منذ السّتيتنات من القرن الماضي حتى الآن،وهي أسرة سمير جمال الدّين،وبذلك نعيش على امتداد عرض الفيلم قرن كامل من حياة أسرته وفق مبتغاه من تحليل التّاريخ العراقيّ في هذا القرن،والمقارنة بين حاضر العراق وماضيه القريب،واستدعاء كثير من الوقائع والحقائق والمعطيات في مساحة واحدة لأجل إعادة النّظر في الماضي،والخروج بتصوّر جديد للدّرب المستقبليّ المأمول أو المنشود أو المتوقّع أو تفسير المفترض منه.
   والفيلم يستدعي أجناساً مختلفة من التّقنيات والفنون،؛ففيه مقابلات حيّة مع أبطال روايته،كما يتضمّن إرشيفاً عملاقاً من الصّور المركّبة،فضلاً عن المزج بين الصّور الفوتوغرافيّة القديمة واللّقطات الأرشيفيّة وتقنيّات الجرافيكس الحديثة لاسيما التّقنية الثلاثيّة الأبعاد،فضلاً عن استدعاء الموسيقى العربيّة على آلة العود التي رافقت أجواء الفيلم كاملة حتى آخر لحظة منه عندما ينهي المخرج الفيلم بجملته المفتاح لهذا العمل كلّه حيث يقول:" "لن يمكنكَ تشكيل مستقبلكَ لو كنتَ لا تعرف ماضيك"،وهو يمزج هذه الجملة الرّكن في هذا الفيلم برسمها بالخطّ العربيّ المتحرّك على الشّاشة، بعد أن ترك السّرد في هذا الفيلم ينساح بحريّة عبر امتداد الفيلم عبر 162 دقيقة عرض،إذ ترك العنان لأبطال فيلمه من أقاربه ليتحدّثوا بحريّة وراحة أمام عدسة الكاميرا في طريقة أشبه ما تكون بالتّحقيق الأنثروبولوجيّ،أو الاعترافات التّاريخيّة،أو البوح الكاشف للحقائق دون تزوير أو تفسير،وقد غلّف هذا البوح كلّه،وهذا السّرد الصّادق الشّفيف بصوته الرّاوي الذي سدر في أنفس السامعين بكلّ ما فيه من حنين وشجن ووجع وفقد،وهو صوت يحرّك القلب والمشاعر في جلّ تفاصيل الفيلم،لاسيما في لقائه مع عمّه أو لقائه بأخته سهير غير الشقيقة،أو بلقائه بأقربائه عندما اجتمعوا جميعاً لرؤية الفيلم قبل عرضه على شاشات السّينما،أو في غيرها من المشاهد الإنسانيّة الرّقيقة التي يعجّ الفيلم بها.
    يبقى القول إنّ هذا العمل هو منجز ملحميّ ضخم أخذ سمير جمال الدّين على عاتقه أن ينجزه وحده دون أيّ مساعدة خارجيّة على الرّغم من أنّ الكثير من شركات الإنتاج رفضت أن تنتجه أو تنفق عليه لأنّها رأته بعيداً عن طموحاتها الرّبحيّة،وهو عمل يحتاج في حقيقة الأمر إلى جهود مؤسّسية عملاقة،ولكن سمير جمال الدّين استطاع أن يتفوّق على نفسه على امتداد عقدين من العمل في هذا الفيلم إلى جانب عمله في أفلامه الأخرى التي أخرجها على امتداد مسيرته الإخراجيّة،كما استطاع أن ينتصر على ذاته،وأن ينجز هذا العمل الفريد الذي صدر في نسختين:عربيّة وإنجليزيّة،وقد عُرض للمرّة الأولى في مهرجان تورونتو السّينمائيّ،ثم في مهرجان أبو ظبي بصيغتين:الأولى وفق ما كان مصمّم للفيلم بصيغته الأولى بتقنيّة الأبعاد الثلاثة، والثاني بالعرض التّقليديّ مع ترجمة إنكليزية،إلى جانب أنّه عرض باحتفاء كبير في أماكن أخرى مثل العاصمة السّويسريّة والعاصمة الأردنية، وبرلين،وغيرها.
     ولمن لا يعرف سمير جمال الدّين فأقدّمه للقارئ باقتضاب،فأقول: إنّه مخرج عراقيّ عريق،يحمل الجنسيّة السويسريّة،وقد وُلد في بغداد من أب عراقيّ من أسرة أصيلة ومن أم سويسريّة،وعاش وترعرع في سويسرا،كتب وأخرج للسّينما،وأسّس شركة دشوينت فينتشر فيلمبرودكشن ،كما أنجز نحو 40 فيلماً،ومن أعماله المهمّة والشّهيرة: الفيلم الوثائقي "التّجرية"و"بابل2"،"الجزار"و"بياض الثلج"و"محطة القطارات وملائكتها"و"بحثاً عن وفاة"،و"إنس بغداد" الذي فاز بالجائزة الأولى في مهرجان لوكارنو والإسماعيليّة،في حين فاز فيلمه "بياض الثلج" بعدد من الجوائز في مهرجانات مختلفة.وآخر أفلامه هو " الأوديسا العراقيّة"، وقد أطلقه في مهرجان تورونتو السينمائيّ الدّوليّ.في حين يعمل الآن على فيلمه الرّوائيّ الجديد "مقهى أبو نوّاس".
   وفيلم " الأوديسا العراقيّة" هو من فكرته وإخراجه وهو من كتب السّيناريو له،في حين أنّه من إنتاج شركة " Dschoint Ventschr Filmproduction, Coin Film،وقد أنجز موسيقاه "  ماسيه سليجيخي"،و منتج "  هربرت شفيرنغ، فرنر شفايزر ،"،و أنتجه  " صوفي برانر، علي الفتلاوي، واثقي الأميري،و تصوير " لوكاش ستريبل، بيير مينيل، يوري بوراك، جون كليران، كيريل جيرا، سمير جمال الدّين" .
   وقد حصل الفيلم على عدّة جوائز، منها :جائزة NETPACلأفضل فيلم آسيويّ في مهرجان أبو ظبي السّينمائيّ في 2014، والجائزة العامة لمهرجان برلين السّينمائيّ الدّوليّ- المركز الثالث وجائزة زيوريخ السّينمائية. وقد شارك كذلك في العديد من المهرجانات السّينمائيّة،منها: مهرجان تورونتو السينمائي الدولي،ومهرجانFilmfestspiele برلين، ومهرجان دي ريو وأيام قرطاج السينمائية وأيام سينما بيروت ومهرجان فيلنيوس السينمائي الدولي، ومهرجانBeldocs- بلغراد الدوليّ للأفلام الوثائقية ومهرجان Biografilm-بولونيا ومهرجان ليالي تالين السوداء ومهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجان بالم سبرينغز السينمائي الدّوليّ،و مهرجان 'تايبكاست' في نيويورك. وقد رشحت سويسرا فيلم"الأوديسا العراقيّة" لفئة أفضل فيلم بلغة أجنبية للمسابقة 88 لجوائز الأوسكار عام 2016

الجمعة، 5 سبتمبر 2014

الطّبعة الثّانية من رواية "أُعْشَقُني" للأديبة سناء الشّعلان

الطّبعة الثّانية من رواية "أُعْشَقُني" لسناء الشّعلان

صدرت في العاصمة الأردنية عمان الطّبعة الثّانية من رواية"أُعْشَقُني" للعام 2014 للأديبة الأردنيّة د.سناء الشّعلان بعد صدور طبعتها الأولى في العام 2012،وقد صدرت هذه الرّواية التي تقع في 223 صفحة من القطع الصّغير في 8 فصول في طبعة جديدة منقّحة فيها الكثير من التّعديلات في متنها الرّوائيّ،وذلك بعد أن حصلت الطّبعة الأولى منها على الكثير من الجوائز العربيّة،منها جائزة دبي الثّقافية للإبداع للعام 2010/2011 في دورتها السّابعة في حقل الرّواية.

وتقول الشّعلان عن روايتها"أُعْشَقُني" في طبعتها الجديدة/الثّانية:"من عباءة الخيال العلميّ استطعتُ أن أحلّق نحو الحريّة بكلّ تمرّد دون أن يعوقني عائق نحو تصوير مستقبل البشريّة المفرغ من الإنسانيّة والمشاعر والسّعادة،وهو مستقبل مقبول فرضيّاً وعلميّاً إن استمر الإنسان في لعبته الجهنّميّة مع ذاته،وهي لعبة تحويل نفسه إلى آلة عاملة منتجة مستلبة لا تحلم بحرّية أو إبداع أو خروج عن النّسق،وفي هذا المستقبل توبيخ للإنسان الذي أضاع قلبه ووجدانه وضميره وحلمه،دون الانتقاص من قيمة العلم وجدوى الآلة ودورها في خدمة الإنسان.فهذه الرّواية هي رواية فنتازيا الخيال العلميّ التي ترسم حياة الإنسان المستقبليّ ضمن إرهاصات العلم المحكومة بتوقعات علميّة قابلة للتحقّق،وفي الوقت نفسه تنحاز إلى رصد ردود فعل الإنسان في عوالمه المستقبليّة،وتسمح لنفسها بخلق فجوات حدثيّة غير قابلة للتسويغ بمنظور العلم،ولكّنها شحطات مضافة إلى توقعّات العلم لإبراز أزمة الإنسان الرّاهنة والمستقبليّة في ضوء النتائج المترتّبة المرسومة في مشهد المستقبل الذي يدفع الإنسان إلى إعادة النّظر في سلوكه وواقعه،ويحذّره من مآله،ويحرّضه على تعديل مسيرته بغية النجاة من مصيره المأساويّ المنتظر الذي يحذّرنا الخيال العلميّ منه".

وقد حظيت الرّواية باهتمام الباحثين إذ إنّ هناك الكثير من أطروحات الماجستير والدّكتوراه قد تصدّت لدراستها في الوطن العربيّ، كما حظيت باهتمام النّقاد،إذ قالوا عنها:أ.د.نور الدّين صدّار""قد حظيت بالكثير من الاهتمام:"لما توافرت عليه من جمال الاشتغال على الشّكل والمضمون في بوتقة سرديّات الخيال العلميّ التي تقدّم تصوّراً جديداً للكون،وتفترض صيغة جديدة للحياة والنّجاح والإعمار بأدوات المحبّة والخير والسّلام"؛غنام محمد خضر:"لقد صنعت لها مكاناً مهمّاً في مشهد الرّواية العربيّة لما تنطوي عليه من تجربة روائيّة خاصّة من حيث الشّكل والمضمون،وهي تجربة لها خصوصيتها؛أ.د.ضياء غني العبودي:" تُعدّ رواية أعْشَقُني من الرّوايات التي تعتمد على تقنيات حديثة ، وتُعدّ العجائبية واحدة من أهم تلك التّقنيات التي استطاعت الدّكتورة سناء توظيفها بشكل ناجح.ومن المعروف أنّ هذه العجائبية تقوم في بنيتها على أحداث تفوق الطبيعي ، وتعمل على إثارة دهشة المتلقي ،في اطار صوفي فلسفي عجائبيّ"؛خضر اللامي:"ستبقى رواية أُعْشَقُني عالقة في ذهن المتلقي العربي لغرائبيتها ، قد تناولت سناء الشّعلان ثيمة مهمة وهي الحبّ والجنس والقيم والأخلاق وصراعها ضدّ مخلوقات كونيّة تحوّلت إلى محض آلة على كوكب آخر"؛أ.د عدنان الظاهر:" الحبّ هو إكسير الحياة ، محرّكها وطبّها وشفاؤها. هذه هي نظرية سناء المقتنعة بها وعنها لا تحيدُ. تعتقد أنَّ لهذا البٌعد الفضائيّ طاقة جسيمة هي طاقة الحبّ، طاقة البُعد الخامس؛سيد الهيبان:"قدّمت الأديبة الأردنية د."سناء الشّعلان "فى روايتها "أَعْشَقُني" رؤى لعالم خيالىّ و أدبىّ على نهج روايات الخيال العلمىّ التي لم تجذب الاتجاه إليها بالقدر الذي يجعل منها رافداً له حضوره على المشهد الإبداعيّ العربىّ"؛د.ميسون حنّا:" الرّواية فيها إقناع ودهشة حيث أنّها غير مألوفة لتصبح عند قراءتها قريبة من القلب"؛أ.د سمير الخليل:"وبذلك مثلت هذه الرّواية احتفاءً خاصاً بالذّات الأنثويّة المتكوّنة بصورة الحبّ والجسد والسّلام والأمومة"أ.د عبد العاطي كيوان:"لقد أظهرت سناء الشّعلان في روايتها فيضاً شغلنا على مدار الحدث،وهي- أيّ الرّواية- وإن بدت تغلق الأبواب بداية أمام متلقيها،إلاّ أنّها كشفت عن كلّ هذا جملة واحدة حينما اقتربت من النّهاية... كذلك تكشّفت الرّواية من شيء آخر في وريقاتها الأخيرة،تجسّد في نوع من علاقة فاعلة بين الصّوفي والعاشق والفيلسوف"؛ آوات محمد أمين:"إنّها رؤية جديدة،وتعريف جديد لمفهوم "الاغتراب" وصياغته في أطر وأبعاد لم نألفها من قبل، تلك هي رواية (أُعْشَقُني)،كما فعلت الرّوائية سناء الشّعلان في تقسيم عالم الرّواية على خمسة أبعاد،فإنّني وجدت أكثر من بعد لمفهوم الاغتراب على طول الخط البياني للرّواية"؛نازك ضمرة:"فنحن في رواية (أُعْشَقُني) أمام نص خارج عن مضمون ومجرى وحتى مستوى النصوص العربية المعروفة وخاصة في الأدب العربي الأنثوي"؛فـرج مجـاهد عبـد الوهـاب:"هذه الرّواية قدّمت تجربة ماتعة من نوع خاص جداً...،وهي أضافت شيئاً كثيراً لفضاء الرواية العربية المعاصرة ".

من أجواء الرّواية:"من يوميّات امرأة عاشقة في مجرّة درب التّبانة :وحدهم أصحاب القلوب العاشقة من يدركون حقيقة وجود بُعد خامس ينتظم هذا الكون العملاق،أنا لستُ ضدّ أبعاد الطّول والعرض والارتفاع والزّمان،ولستُ معنية بتفكيك نظرية إينشتاين التي يدركها ،ويفهمها جيداً حتى أكثر الطّلبة تواضعاً في الذّكاء والاجتهاد في أيّ مدرسة من مدارس هذا الكوكب الصّغير،ولكنّني أعلم علم اليقين والمؤمنين والعالمين والعارفين والدّارين وورثة المتصوّفة والعشّاق المنقرضين منذ آلاف السّنين أنّ الحبّ هو البُعد الخامس الأهم في تشكيل معالم وجودنا،وحده الحبّ هو الكفيل بإحياء هذا الموات،وبعث الجمال في هذا الخراب الإلكترونيّ البشع،وحده القادر على خلق عالم جديد يعرف معنى نبض قلب،وفلسفة انعتاق لحظة،أنا كافرة بكلّ الأبعاد خلا هذا البعد الخامس الجميل،أنا نبيّة هذا العصر الإلكترونيّ المقيت،فهل من مؤمنين ؟ لأكون وخالد وجنينا القادم المؤمنين الشّجعان في هذا البُعد الجميل. خالد أنا أحبّكَ،وأحبّ جنينا كما ينبغي لنبيّة عاشقة أن تحبّ..."

الاثنين، 28 يوليو 2014

مناقشة رسالة " الرّؤية السردية ومكوّناتها في تجربة د.سناء شعلان القصصيّة"

  مناقشة رسالة " الرّؤية السردية ومكوّناتها في تجربة د.سناء شعلان القصصيّة"

احتضنت جامعة الشرق الأوسط في الأردن مناقشة رسالة ماجستير للباحث محمد صالح المشاعلة بعنوان " الرّؤية السردية ومكوّناتها في تجربة سناء شعلان القصصيّة"،وقد تكوّنت لجنة المناقشة من "أ.د سعود محمود عبد الجابر رئيساً ،وعضويّة كلّ أ.د بسام قطوس المشرف على رسالة الباحث،ود.خالد الجبر.وقد أشادت لجنة المناقشة بالحسّ النقديّ والجهد الكبير الذي بذله الباحث في سبيل إنجاز هذه الدّراسة .

وقد هدفت الرّسالة إلى الكشف عن تشكيلات الرّؤية السّرديّة في مجموعات القاصّة الأردنيّة سناء شعلان، وقد قُسمت هذه الدّراسة إلى خمسة فصول، تناول الفصل الأوّل: مقدّمة الدّراسة، وأهدافها، وأهمّيتها، ومحدّداتها، ومنهجيّتها، وتناول الفصل الثاني: إطارها النّظري، ودراساتها السّابقة والموازية، وتضمّن الفصل الثّالث: إضاءة على حياة شعلان، وأعمالها الأدبيّة، حيث قدّمت الدّراسة سيرة ذاتيّة للكاتبة، ونُبذة سريعة عن أعمالها القصصيّة، وإضاءات حول مضامين بعض قصصها.أمّا الفصل الرابع: فقد جاء في ثلاثة مباحث، تناول المبحث الأوّل منها: مفهوم السّرد لغةً ومصطلحاً، واختصّ المبحث الثاني:في الجانب النظري الذي يقدم تأطيرًا لمفهوم مصطلح الرؤية السّردية وحقيقتها، وتعدّد الآراء والتصنيفات التي قدّمها النّقاد لدراستها. واتّجه المبحث الثالث في هذا الفصل: نحو دراسة تطبيقيّة للرّؤية السّرديّة لدى الكاتبة ومدى تشكلاتها، وتوضيح أنواع الرّؤية السّرديّة عندها ومكوناتها.وجاء الفصل الخامس خاتمة فصول هذه الرّسالة، ومحوره: الرّاوي وأثره في العناصر القصصيّة في قصص شعلان، وامتدّ هذا الفصل على مساحة أربعة مباحث، أوّلها: مبحث تناول رؤية الكاتبة للزّمان، ومبحث ثانٍ: تناول رؤيتها للمكان، ومبحث ثالث: درس الرّاوي وعلاقته بالشّخصيّة، في حين درس المبحث الرّابع والأخير في هذا الفصل: علاقة الرّاوي بالحدث، ويليه التّوصيات والخاتمة وقائمة المصادر والمراجع.
و قد شملت هذه الدّراسة المجموعات القصصّية التالية للأديبة د.سناء الشعلان:أرض الحكايا،وقافلة العطش،والكابوس،ومذكرات رضيعة،ومقامات الاحتراق،وناسك الصومعة،وتراتيل الماء،الهروب إلى آخر الدّنيا،الجدار الزّجاجي.

وقد ذكر الباحث أنّه قد توصّل من دراسته هذه إلى :أولاً:أنّ الرّؤية السّرديّة تُعنى بدراسة الرّاوي وموقعه وخصائصه، وقد يختلف حضور الرّاوي في القصّة من مؤلف لآخر ومن قصة لأخرى، فهناك قصص يغلب روايتها بواسطة راوٍ معين وزاوية واحدة، وقصص أخرى تتسم بتعدّد الرّواة وتنقلهم من زاوية إلى أخرى.ثانياً:يغلب حضور الرّاوي العليم(الخارجي) في قصص سناء شعلان، سواء أكان شمولي المعرفة أم عين الكاميرا، وقد استثمرت شعلان حضور الرّاوي الدّاخلي في مقاطع سرديّة صغيرة.ثالثاً:أمّا الوظائف المشتركة بين الرواة الثلاثة في قصص شعلان؛ فيلاحظ أنّ وظيفة التّعريف بالشخصيّة هي الوظيفة التي يقوم بها الرّواة جميعهم لدى المؤلفين، ولا يقتصر هذا الدّور على راوٍ معين، فتتظافر جهود الرّواة في الكشف عن سمات الشّخصيّة سواء من الدّاخل أم من الخارج.رابعاً:يلاحظ وجود وظائف خاصّة بكل راوٍ لا يشترك معه فيها أحد، فوظيفة التّواصل مع المروي له من مهام الراوي شمولي المعرفة، ويلاحظ أن الشخصيّة في هذه الوظيفة تكون موضع تعليق من الراوي؛ مما يعني أنها تمرّ بتطوّر مُعيّن يريد الراوي أن يُوضّحه لنا، وكذلك وظيفة الوصف المباشر عن طريق الرّاوي عين الكاميرا، أمّا وظيفة إقامة حبكة جديدة فإنّها تأتي مع الرّاوي الدّاخلي، فتصبح رواية الرّاوي الداخلي نفسها حدثًا في القصة.خامساً: لا يمكن فصل الرّاوي عن عناصر القصّة من (مكان، وزمان، وشخوص، وحدث، وحوار، وغيرها)، فالرّاوي ملتصق بهذه العناصر التصاقاً تاماً؛ فهو المعرّف بجميع هذه العناصر، فيضفي عليها رونقاً خاصّاً، ويجعل من أحداث القصّة عنصراً مشوقاً للقارئ.

وقد انتهت المناقشة التي أوصت بمنح درجة الماجستير للباحث بالإطلال على توصيات الباحث التي تتلخّص في:أوّلاً: يوصي الباحث بدراسة مجموعات سناء شعلان القصصيّة وفق مناهج أدبيّة مختلفة، كالمنهج النّفسي والاجتماعي والسّياسي، والأدوات الفنيّة التي من خلالها يتم تقديم العمل الأدبي من استخدام: (الضمائر، والتّذكّر، والارتداد، والاستشراف، والاسترجاع، والمونولوج)؛ فهذه الأدوات تساعد أيضاً في الكشف عن رؤية شعلان السّرديّة.ثانياً:وحرص الدّراسات المقبلة على إظهار مكامن تميّز التجربة القصصيّة النّسويّة عند شعلان، عبر تجربة قصصيّة حافلة بالتجريب وتقنيات الحداثة.ثالثاً:إنّ موضوع الرؤية السّردية لا يعدُّ ترفاً علمياً، فقضيّة دراسة الرّاوي وموقعه تعدّ من أهم الدّراسات وأنجحها؛ فالقصّة لا يمكن أبداً عزلها عن الرّاوي.

ويُذكر أنّ الأديبة الدّكتورة سناء الشعلان من الأصوات القصصيّة والروائية الأردنية والعربيّة التي لها حضور بارز وبصمة خاصّة،ولها نحو 46 مؤلّفاً، منها 13 مجموعة قصصيّة،وقد نالت الكثير من الجوائز العالميّة والمحليّة والعربيّة تثميناً لموهبة قلمها،كما كانت تجربتها القصصيّة والرّوائيّة محط دراسات جامعيّة وبحثيّة وإعلاميّة متعدّدة في شتّى أنحاء الوطن العربي.

الثلاثاء، 3 يونيو 2014

الأميرة سناء عاصم تسلّم د.سناء الشعلان جائزة النّاصر صلاح الدين الأيوبي

الأميرة سناء عاصم تسلّم د.سناء الشعلان جائزة النّاصر صلاح الدين الأيوبي
و  د.سناء الشعلان تهدي الجائزة لـ أ.د عبد الرحيم الحنيطي 
    في حفل رسميّ احتضنته بلدية الكرك الكبرى في القاعة التراثية في مدينة الكرك الأردنية سلّمت الأميرة سناء عاصم الأديبة د.سناء الشعلان جائزة الناصر صلاح الدّين الأيوبي للعام 2014 في حقل القصة القصيرة عن مجموعتها القصصيّة "ناسك الصّومعة" الصّادرة عن نادي الجسرة الثقافي الاجتماعي القطري في العام 2007.
   وقد أعلنت الأديبة  أنّها تهدي هذه الجائزة للأستاذ الدكتور عبد الرحيم الحنيطي رئيس الجامعة الأردنية الأسبق الذي أشادت بدوره المهم في دفع الجامعة الأردنية إلى الأمام في عهده،كما أشارت إلى أنّه كان رئيساً ريادياً  للجامعة الأردنية بكلّ ما تعني الكلمة ،وفي عهد إدارته خطت الجامعة خطوات مهمة في طريق التميّز،كما كانت حينها مثالاً للعمل الأكاديمي والتربوي والأخلاقي القائم على الإنجاز والإبداع والأكاديميّة والبحث العلمي بعيداً عن تحقيق المصالح الشخصيّة والمكاسب الماديّة الذاتيّة وخرائط الشّلليّة والعصابات والمؤامرات,كما كان الدّاعم الحقيقي لكلّ إبداع في الجامعة الأردنية،ولذلك فهي تهديه هذه الجائزة التي تعبّر عن احترامها وتقديرها له،وهو احترام يشاركها به كلّ من عرف الدكتور الحنيطي رئيساً وزميلاً ومربيّاً ومفكّراً وصديقاً.
   وقد حضر الحفل نائب محافظ الكرك عمر الحياري،ورئيس البلدية محمد المعايطة ومدير الجائزة زياد القيسي وسط حضور جماهيري حاشد من المثقفين والإعلاميين والأكاديميين والباحثين والمهتميّن ووجهاء الكرك ومثقفيها ومبدعيها .
   وقال رئيس البلدية المهندس محمد المعايطة في كلمته التي ألقاها في الحفل :"إنّ جائزة الناصر صلاح الدين التي تنظمها البلدية سنويّاً تأتي لاستكمال رؤية معاصرة لدور البلديّة الثّقافي والفكري"،مبينا أنّ تكريم المبدعين يؤكّد معنى من معاني الاستقلال الذي نتفيأ ظلاله في هذه الأيام واستمراراً لما أراده البناة الأوائل الذين أسّسوا إبداعاً راسخاً نحو آفاق المستقبل المنير، حاثّا المبدعين على المزيد من الإنجاز.
  والمجموعة القصصية الفائزة "ناسك الصّومعة" هي واحدة من 13 مجموعة قصصيّة صادرة للشّعلان،وقد نالت معظم هذه المجوعات جوائز عربية وعالميّة كما حظيت بدراسات بحثيّة عديدة،كما قدّمت فيها عدد من الأطروحات الجّامعية لدرجة الماجستير والدّكتوراة كما كانت هدفاً لكتب نقديّة متخصّصة وللعرض في محاور بحثيّة في مؤتمرات عربيّة متعدّدة. وهذه المجموعة هي تقع في 127 صفحة من القطع الصغير،وتحتوي على 16 قصة قصيرة،وهذه المجموعة هي مغامرة تجريبية جريئة لسناء شعلان في المزاوجة بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً، ليس في مجموعة قصصية واحدة وحسب، بل في القصة الواحدة، لاسيما أنّ المجموعة تتّسم بسمة القصة الأم التي تلد قصصاً ضمن وحدة موضوعية واضحة.والقصص المتوالدة في هذه المجموعة تكتسب شرعيتها وحدثها المحور أو فكرتها المحرّك للأحداث من أزمتها المشتركة مع القصة الأم،ويصل عدد القصص المتوالدة من القصة الأم في بعض الأحيان في المجموعة إلى 28 قصة قصيرة،كما أنّ هذه القصص تمتدّ من بضعة سطور إلى بضعة صفحات.
 ولعلّ القلق والارتباك والشكّ والسخرية وشجب التداعي والسقوط بأنواعه هي الثيمات الرئيسة في هذه القصص التي تغزو المتلقّي بهواجسها بعد أن تقدّم نفسها له بلغة رشيقة أنيقة،تحتفي بالكلمة كما تحتفي بالألم والصراع والقلق الذي يسكنها، وتحاول أن تدّعي حياديتها،لكنّها تسقط بسهولة وبعد سبق إصرارٍ في فخّ الرّفض والتنديد، وهي في سبيل ذلك تتستّر طويلاً وراء الفنتازيا والمخيال  الشعبي والتاريخ المفترض أو المتخيّل أو الفكاهة السّوداء أو السّرد الغرائبي والعجائبي أو خلف المفارقات المضحكة المبكية عبر 16 قصة قصيرة أو قصة قصيرة جداً.
   وقد عبّرت الشّعلان عن فخرها العميق والكبير بهذا الفوز الذي تتضاعف قيمته في نظرها لأنّه من وطنها الأردني الذي طالما مثّلته في كلّ مكان،وحملت اسمه في إبداعها كلّه.وعدّته علامة مميزة ومشرّفة في سيرتها الإبداعيّة التي تفخر بها،وتراها هدية لكلّ من يعشق قلمها وإبداعها.

الجمعة، 25 أبريل 2014

لقاء مع النّاقد الجزائري نور الدين صدار - الأديبة د.سناء الشعلان

لقاء مع النّاقد الجزائري نور الدين صدار
لقاء مع النّاقد الجزائري نور الدين صدار - الأديبة د.سناء الشعلان
 نور الدين صدّار علم من أعلام  المناهج النقدية وتحليل الخطاب في الجزائر والوطن العربي.يعمل حاليّاً عميداً لكلية الآداب واللغات في جامعة معسكر.تقلّد الكثير من الوظائف الأكاديمية والبحثية والتقيمية في الجزائر وخارجه،شارك في العشرات من المؤتمرات المحلية والعربية والدولية حول البنيوية التكوينية ، الأسلوبية ، السيميائية ، المدارس النقدية ، نظرية النص ،التناص ، نظرية القراءة وجمالية التقبل ،وتعليم العربية لغير الناطقين بها.عنده نحو 13 مؤلّفاً في حقول اهتمامه الأكاديميّ،آخرها كتابه “البنيوية التكوينية مقاربة نقدية في التنظير والإنجاز″ فضلاً عن العشرات من الأبحاث العلميّة المحكمة المنشورة.
{ كيف أثّر النقد وتخصّصك الأكاديميّ على تفكيرك ووعيك وحياتك الخاصّة؟
- الواقع إن النقد الأدبي وإن كان  منطلقه الذوق وهو أساس العملية النقدية ،إلا أنه فكر ومنهج وعلم ، وبالتالي فإن الناقد بوصفه قارئا  حصيفا متميزا عليه أن يتزود بهذه الأدوات المنهجية والعلمية التي تقتضيها القراءة المنهجية للنص الإبداعي ، وإلا فإن القراءة ستصبح مجرد قراءة انطباعية فحسب. ومن هنا  يكون مدخل تأثير النقد على التخصص الأكاديمي  وعلى الوعي والتفكير في حياة أي ناقد يدعي لنفسه الصرامة المنهجية. فالنقد تفكير ومنهج ومثل هذا السلوك لا يتوقف عند القراءة لأي إبداع ، بل يصبح ممارسة فعلية في حياة الناقد ، وفي تفكيره ومنهجه ووعيه منهجه وحتى في  سلوكه اليومي مع الناس يخضع لهذا التنظيم المنهجي الذي استقاه من ممارسته النقدية .
{ هل النّقد حرفة أكاديميّة أم توجّه رؤيوي في الحياة؟
- هما الاثنان معا ، فالنقد في المفهوم اللفظي للكلمة هو تقويم ،والتقويم  حرفة والحرفة تقتضي الدربة والممارسة والتجربة والصنعة ، وهذا ما جعل نقادنا القدماء يطلقون مصطلح الصناعة على العملية النقدية ، وهذا ابن طباطبا يطلق على كتابه الشهير عنوان”‘ كتاب الصناعتين “، فضلا عن القراءة الواعية  للمناهج النقدية  في أصولها ومرجعياتها الفكرية والفلسفية والابستيمولوجية ، وللآليات المنهجية التي هي مفاهيم وأدوات  إجرائية ينبغي التحكم فيها لتكون القراءة علمية  واعية وفقا لما تقتضيه الصرامة المنهجية ، زد على ذلك  القراءة المتأنية  للنصوص الإبداعية ، وهو ــ و أعني النقد ـــ   علاوة على ذلك توجه رؤيوي في الحياة ، مبني على قناعات ومكونات ومرجعيات فكرية وغيرها  مما يوجه القراءة النقدية ، ومن هنا كان النقد في تصوري حرفة وصناعة  ـــ ليس للعيش ــ وتوجه في الحياة ، لأن الناقد يسعى من خلال قراءته ترسيخ وإقامة  مشروعه الثقافي الذي لا يمكن البتة فصله المشروع الثقافي الوطني والقومي.
{  ما هو مشروعك النقدي؟
- هذه كلمة كبيرة ، فليس بمقدور  فرد اليوم أن يقوم عداد وإنجاز مشروع  نقدي دون أن تتدخل معه أطراف أخرى ، وطبيعة المشاريع  العلمية الصارمة  تقتضي  ــ اليوم ـــ التدخل الجماعي من خلال فرق بحثية متخصصة  تساهم في تركيب المشروع النقدي ، ومن هنا بات أمر تحقيق  المشروع النقدي صعبا للغاية. وبغية تحقيق فكرة المشروع النقدي الذي نطمح أن يلعب دورا هاما في تفعيل الحركة النقدية العربية المعاصرة ،انشأت منذ سنتين مخبرا نقديا أطلقت عليه عنوان مخبر  ” المناهج النقدية المعاصرة وتحليل الخطاب ” يتشكل من اربع فرق بحثية تشتغل على مشاريع بحثية بدأت نتائجها تظهر إلى الوجود من خلال تنظيم مؤتمرات وندوات علمية فضلا عن دراسات نقدية ، آخرها المشروع الموسوم : “البنيوية التكوينية بين التنظير والإنجاز″، الذي يعد ثمرة من ثمرات مشروعنا النقدي والذي ستتلوه إنتاجات بحثية في المستقبل القريب . وهكذا حينما يكون العمل الجماعي الجاد تتحقق المشاريع النقدية الصارمة .
{ بوصفك ناقداً هل تؤمن بمقولة ” إنّ النّاقد هو أديب فاشل؟
- تنطوي هذه المقولة على مغالطة كبيرة تنقص من رسالة الناقد ، بل تجعل دوره دورا ثانويا هامشيا وهذا غير صحيح . لقد جاءت نظرية القراءة لتعيد الاعتبار  لدور الناقد الذي كان مهمشا، بل إن الناقد في ضوء هذه النظرية قارئ منتج ومبدع. ولا قيمة للإبداع إذا لم يحظ بالقراءة الجادة التي تمكن من بعث النص الأدبي إلى الوجود، وتعطيه قيمته ودلالته ، وبدون قراءة يصبح النص في حكم النسيان والطمس. إننا عيش اليوم في  عصر القراءة ، وإن الإيمان بهذه المقولة هو ضربة قاضية للإبداع نفسه الذي لا يستقيم عوده إلا في ضوء  قراءة واعية منتجة ومبدعة .
{ هل النقد قضية أساسيّة في عملية الإنتاج الإبداعي؟أم هو حالة استدراكيّة على الإبداع؟
- الواقع فإن هذا السؤال متفرع عن السؤال السابق ،فإذا كنا قد أكدنا في الإجابة السابقة على الرسالة المنوطة بالناقد المعاصر ،وهي رسالة تعطي للناقد صفة المنتج والمبدع الثاني للنص الإبداعي ، و قد اتينا في الوقت ذاته  على تفنيد المقولة القائلة:” إن الناقد هو أديب فاشل” ، وأكدنا على التصور الجديد للعملية النقدية وهو تصور  يؤكد على الصفة الإنتاجية والإبداعية للممارسة  النقدية، فمعنى ذلك أن النقد قضية أساسية في عملية الإنتاج الإبداعي، وليس حالة استدراكية كما يتوهم للبعض. فلا مستقبل للإبداع الأدبي في غياب القراءة الواعية والمنتجة لحقيقة النص .
{ كيف توصّف النقد العربي والجزائري؟
- النقد الجزائري ــ بطبيعة الحال ـــ له خصوصيته وهويته ، وهي هوية لا يمكن فصلها أوبترها عن الخصوصية العربية ، فلا نستطيع أن نقول إنه بخير ، كما لا نستطيع أن نقول إنه في أسفل السافلين ، وفي  اعتقدي فإن النقد العربي والجزائري على الخصوص  ينقسم إلى قسمين الأول  يتمظهر في الكتابات النقدية التي تنشرها المجلات النقدية المتخصصة  والصحف اليومية في أعمدتها الثقافية والأدبية ، وهو في عمومه نقد يحاول أن يستأنس بالقضايا الحداثية ، وهي الغالب الأعم قضايا تجنح إلى التكرار والرتابة ، والثاني وهو النقد الأكاديمي المتمثل في الرسائل الجامعية من ماجستير ودكتوراه، وهو في عمومه يبقى نقدا غير معروف في الأوساط النقدية والثقافية بسبب عدم نشره.
{ لم ينتج العرب حتى الآن نظرية نقدية معاصرة، بل استوردوا النّظريات جميعها من الغرب. بما تفسّر ذلك؟
- ليس من السهل إنتاج نظرية نقدية معاصرة ،قد نتخلص من التبعية الاقتصادية والتكنولوجية ولما نتخلص من استيراد النظريات من الفكر الغربي ، وتبقى تبعيتنا للغرب في هذا المجال مستمرة لسبب بسيط وهو أن الغرب قام بحفريات عميقة في أركيولوجية المعرفة والفكر والفلسفة، وامتلك الأدوات المعرفية والمنهجية التي مكنته من إنتاج نظرية تنتج  المعرفة ومنها هذه النظريات النقدية المعاصرة ، ويتبين لنا هذا الأمر  حينما نحاول  تمثل هذه النظريات الغربية فنجد أنفسنا مضطرين إلى البحث في مرجعياتها الأبستمولوجيا لمحاولة فهم مكوناتها ومنظوماتها المفاهيمية. وهذا لم نستطيع القيام به فلو أننا قمنا بحفريات  عميقة في الحقول المعرفية في ثقافتنا العربية لاستطعنا أن نكون لأنفسنا نظرية عربية في الفكر والمعرفة ، ولن يتأتى ذلك إلا بتعاون كبير بين مختلف مفكرينا وعلمائنا في إطار منظم يسمح لنا بإنتاج أدوات المعرفة التي تتيح لنا بدورها إنتاج النظريات العربية التي نطمح إليها.
{ هل الإبداع العربي في حاجة إلى بناء نظريات نقدية خاصّة به؟
- نعم في مقدورنا أن نعود إلى النظريات النقدية الغربية لنستفيد منها بما يتلاءم مع طبيعة الإبداع العربي دون أن نتعسف في تطبيق هذه النظريات على أنها  نظريات مقدسة . ذلك أن ما لم يمثله بعض نقادنا ومفكرينا أن هذه النظريات فهي على أهميتها المعرفية والمنهجية والمفاهيمية إلا أنها  نظريات جاءت لتخدم ثقافة معينة لها  خصوصيتها وهويتها . ومن هنا كان وبد أن تأخذ المختبرات النقدية العربية هذه الإشكالية على عاتقها لمحاولة صياغة نظريات عربية تتماشى وطبيعة الإبداع العربي. ويحضرني في هذا السياق مثال واحد أسوقه للتدليل على بعض المحاولات  الفردية والتي أصفها بالجادة في نقدنا العربي المعاصر التي حاولت تطويع وتليين بعض النظريات والمناهج النقدية لتجعلها في خدمة الفكر والإبداع العربي ، ويتعلق  الأمر بالدراسة التي أنجزها الباحث محمد برادة والموسومة ” محمد مندور وتنظير النقد العربي ” التي حاول  من خلالها مقاربة مكونات النظرية النقدية عند  الناقد العربي محمد مندور في ضوء  المنهج البنيوي التكويني دون أن يسقط في التعسف القاتل في مقولات وأدوات هذا المنهج ، حيث قام بتطويع وتليين مفاهيمه وتطعيمها بمفاهيم وآليات أخرى من مناهج مختلفة بما ينسجم وطبيع الإشكالية التي يناقشها ، ولو حاول محمد برادة  تطبيق المنظومة المفاهيمية للمنهج البنيوي التكويني لما حقق شيئا يذكر ، وبذلك استطاع وبذكاء كبير أن يجعل النظرية النقدية في خدمة موضوعة بحثه .
{  كيف تصف خارطة النظرية النقدية في الوقت الحاضر؟
- بكل بساطة يمكن وصف خارطة النظرية النقدية في الوطن العربي ، على أنها نظريا تتأثر بالتقسيم الجغرافي للوطن العربي.فتمثل النظرية النقدية  في المغرب العربي يختلف اختلافا كبيرا لدى إخواننا النقاد في المشرق العربي ، وبيان هذا الاختلاف مرتبط بأسباب ثقافية وتاريخية وفكرية ولسانية ( وأعني باللسانية تأثير اللغة والثقافة الفرنسية في بلدان المغرب العربي وتأثير اللغة و الثقافة الإنكليزية في المشرق العربي)، هذه الأسباب المختلفة أثرت بشكل أو بآخر في رسم خارطة النظرية النقدية المعاصرة في الوطن العربي  وخصوصا إذا علمنا  أن جل المناهج النقدية المعاصرة المشكلة للنظرية النقدية المعاصرة ترتبط بالثقافة الفرنسية ، أو على الأقل كانت فرنسا هي البيئة الأولى  الحاضنة لها .ومن هنا اقتربت المسافات لدى البعض وابتعدت لدى البعض الاخر في مقاربة  مفاهيم وآليات  النظرية النقدية المعاصرة ، أضف إلى ذلك  تباين  مرجعيات لفكر النقدي المشرقي والفكر النقدي المغاربي.
{ إلى أيّ المدارس النقدية تنتمي؟ ولماذا؟
- الواقع أنا لا أنتمي إلى مدرسة نقدية معينة،ولا أدعي أنني أنتسب إلى مدرسة نقدية  تحت  اسم ما، لسبب بسيط وهو أن كل مدرسه تهدف إلى تحقيق هدف واحد وهوتفسير النص الإبداعي من وجهة نظرها،  تفسير  يبقى مرفوضا من وجهة المدرسة الأخرى،  وعليه فإنني أقف على مسافة واحدة بين كل هذه  المدارس والاتجاهات والنظريات النقدية المعاصرة .وما يكمن أن أقوله أنا رجل يحاول أن يقرأ النص الإبداعي وفق القراءة التي يرتضيها النص نفسه  فلا أدخل بفكرة أو مقصدية مسبقة، ولا  أروج لمنهج معين.
{ ما رأيك بالرّدات النقدية التي نجدها عند الكثير من النقاد الذين يتحولون دون سابق تسويغ من مدرسة نقدية إلى أخرى؟
 - هذه موضة ليست جديدة في ثقافتنا العربية ، فقد سقط نقاد كثر في أحضان المدارس والمناهج النقدية دون وعي أو تبصر أو حتى فهم في كثير من الأحيان لمفاهيمه وآلياتها ومصطلحاتها، وكانت النتيجة أنهم سوقوا أفكارا ومقاربات متذبذبة فيها كثير ما الخلط واللغط  والتناقض ، لذا نجد هذه الفئة من أشباه النقاد يحاولون دوما القفز على حبال كثيرة ، خوفا من البقاء  على حبل معين، ولكن حينما يكون السقوط فإن العواقب ستكون وخيمة .، ولذا فأنا لست مع التسويق ولا مع الرفض .
{ هل النظرية النقدية يمكن أن تكون نظرة للوجود كما هي زاوية نظر للنص الإبداعي؟
      – النظرية النقدية من منظوري  وجدت لمقاربة  الوجود الإبداعي ، الذي هو بدوره تمثيل لوجود الوجود بقيمه وتناقضاته وهمومه وأفراحه وأحزانه وحريته،وبالتالي فإن النظرية النقدية هي من هذه الزاوية قراءة للوجود وتفسير له وفهم لماهيته ومكوناته البانية ، زد على فإن النظرية النقدية تستمد مقوماتها ومكوناتها من مرجعيات أبستمولوجيا وجودية ، فهي  قراءة للوجود من زاوية نظر للنص الإبداعي  .
{ هل تؤمن بموت المبدع بعد إنتاج نصّه؟
- هذه أكذوبة من أكاذيب ‘رولان بارت ‘ ـــ ونحن نقدر فكر هذا الرجل ومساهماته اللامحدودة في النقد المعاصر ـــ وهي فكرة مستمدة فكر الفيلسوف الألماني ‘نيتشه ‘ والقائلة بموت الإله ، ويعني بموت الفلسفة المركزية . والواقع فإن فكرة موت المؤلف فكرة افتراضية جاءت كرد فعل من الاتجاه البنيوي  على المناهج السياقة التي أولت اهتماما للمؤلف، فجاءت البنيوية الشكلية لتؤكد من خلال هذه المقولة على اهتمامها بالنص وليس إلا النص . ومهما حاولت البنيوية الشكلية أن تهمش المؤلف من حساباتها البنيوية إلا أن المؤلف يبقى حاضرا بقوة وبشدة .
 فهل مات شكسبير بعد أن نالت مسرحياته الشهرة العلمية عبر العديد من القرون. وهل نسي القارئ  ‘ إميل زولا ‘  بعد رواية ‘ جارمينال ‘ ، وهل مات ‘ راسين  ‘ بعد مسرحياته ، وهل مات ‘ بسكال ‘ بعد أفكاره..؟ إن المبدع يبقى حيا في قلوب قرائه مهما طال الزمن ، حتى ولو  تعنت القارئ بنسيانه.
{ هل يمكن بحق أن يكون المبدع خارج نصّه تماماً؟أم هو يعيد إنتاج نفسه بطرق مختلفة في نصوصه الإبداعيّة؟
 - شخصية المبدع تتماهى مع النص الإبداعي ، وبالتالي فإن المبدع حاضر بشكل أو بآخر في نسيج النص ، في كلماته وفي عتباته ، في إيقاعه ، وفي كل مستوى من مستوياته،  ولكن ليس بالصورة التعيينية المباشرة ، وعلى الناقد الحصيف أن يبرز هذه الشخصية بآلية التماثل التي تمكن القارئ من رؤية صورة المبدع في مستوى من مستويات أسلوبه، أليس″ الأسلوب هو الرجل “.
وفي كل مرة نجد  نفسية المبدع وشخصيته تتمظهر بمستويات مختلفة وتنويعات متعددة في كتاباته الإبداعية.
ولنا في ذلك أمثلة عديدة في الآداب العالمية ، فمن يقرأ مسرحيات ” راسين ” رغم  تعددها وتنوعها فإن القارئ في نهاية قراءته يجد ‘راسين ‘ يعيد إنتاج نفسه من خلال رؤيته المأساوية التي لطالما هيمنت على كل نتاجه المسرحي.
{ هل فلسفة العلامة رؤية نقدية أم حالة إبداعية ترميزية؟
-  بالطبع  فإن فلسفة العلامة هي رؤية نقدية لأن العلامة بهذا المفهوم تحمل دلالة سيميائية ، وبالتالي فإن التحليل السيميائي هو تحليل للخطاب ،وإن فلسفة العلامة تهتم ببناء نظام لإنتاج  الأقوال والنصوص، ومن هنا ينطلق التحليل السيميائي مما انتهت إليه جهود اللسانيين حول ما توصلت إليه النظرية العامة للغة.ولكن في الجهة المقابلة فإن العلامة( العلامات ) هي  قبل كل شيء حالة إبداعية ترميزية تسبح في فضاء  إبداعي من  الرموز تحمل رسالة إلى المتلقي  بطريقة إبداعية ، فيأتي التحليل السيميائي (الرؤية النقدية ) ليكشف عن نظام العلامات في النص الإبداعي لما تحمله من رموز ثقافية واجتماعية ، ومن هنا يتحقق التواصل بين الناس عن طريق الشفرات أو العلامات بين الباث والمتلقي .
{ هل الأدب وسيلة لنفي الآخر أم للتواصل معه؟
- حتى ولو افترضنا جدلا أن الأدب وسيلة لنفي الآخر ، فهو في هذه الحالة تواصل معه  بشكل من الأشكال.
 ومن هذا المدخل نقر بان الأدب من أحدى مهامه الأساسية هو التواصل ، فطبيعة اللغة هي التي تحقق هذه المقصدية .
 فتاريخ الإبداع العالمي هو تاريخ التواصل مع الآخر .
{ ما هو الحدّ الفاصل بين التّناص والسرقة الأدبية وفق رأيك؟
التناص مصطلح سيميائي معاصر  يدل على تداخل النصوص وتفاعلها ، وأن النصوص تنتج بعضها بعضا وقد يظهر هذا التفاعل النصوصي بمستويات مختلفة فأحيانا بطريقة مكشوفة وأخرى بطريقة ضمنية تحتاج إلى قارئ حصيف ليقبض عليها، وهو ظاهرة طبيعية وصحية بين النصوص ، ذلك أن أي مبدع ليس بإمكانه أن ينتج أي نص من فراغ  إلا من خلال قراءاته الواسعة في النصوص السابقة ، التي تشكل له رصيدا ومعينا يغرف منه عند كل حالة من حالات الكتابة سواء أكانت الكتابة تعيينيةأم إيحائية .ومن هنا فإن تاريخ الآداب هو تاريخ التناص الذي يساعد النصوص على أن تفسر بعضها بعضا.
 أما مصطلح السرقة في مفهومه المباشر فإنه يدل على الأخذ غير الشرعي للنصوص الإبداعية وغيرها وإلحاقها  إلى الشخص . ومن هنا كانت السرقات المفضوحة مرفوضة ومحرمة لأنها تعد اعتداء  على ملك الغير ، ولا يختلف أمرها عن السرقات في المجال المادي ، وهنا يكمن الحد الفاصل بين السرقات التي هي غصب واعتداء سافر وموصوف على النصوص دونما حرج في ذلك .أما التناص فهو تفاعل مشروع بين النصوص. غير أنه ينبغي العودة إلى مصطلح السرقات الأدبية الذي ورد استعماله في التراث النقدي العربي القديم والذي انطوت تحت مظلته مصطلحات كثيرة دلت على النقد العربي القديم تمثل مفهوم السرقات الأدبية تمثلا واعيا  على أنها  شكل من أشكال التناص ، وبهذه الفكرة يكون  تراثنا النقدي قد تعرض إلى فكـــرة التناص دون أن يشير إلى المصطلح بالصيغة المعاصرة ، ويعد ابن رشيق القيرواني في عمـــــــــدته أحد الأعلام الفكر النقدي القديم الذي تعرض إلى هذه المســـألة بشكل دقيق.
{ ماهي الفجوة بين التراث العربي والفكر الغربي المعاصر بما يخصّ نظرية النّص؟
  -  ينبغي بادئ ذي بدء أن نسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية،  فنظرية النص بوصفها نظرية ألسنية  غربية بامتياز ،  هي ثمرة إنجازات المنظرين والباحثين في الحقل اللساني والحقل النقدي والحقل الأسلوبي ،فضلا عن التحولات التي طرأت على مفهوم النص ، والتي تستمد وجودها من الأطر الفكرية والفلسفية والعلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية ، مما أعطى للنص قوة فاعلة. وجاءت نظرية النص لتقوم بوظيفة التأويل والتفسير والبحث عن القوانين والعلاقات التي تحكم النص وتنظمه، وبالتالي فهي التقرب العلمي من النص من خلال البحث عن العلاقات التي تحكم البناء النصي والكشف عن هويته وطريقة نسجه، تمهيدا لقياس وتقويم  عطاء النص .
 إن هذا لا يلغي الإنجازات الهامة والجهود المعتبرة التي بذلها علماؤنا  في التراث العربي القديم ،التي تؤكد على اهتمام الدرس اللغوي والنقدي بالتنظير للنص وبالأخص النص الشعري عند الجاحظ والحاتمي والجرجاني والقرطاجني والسجلماسي، وعلى الرغم من أهمية الجهود المبذولة إلا انها لا ترقى إلى مستوى النظرية النصية المعاصرة، وهذا لا يقلل من قيمة هذه الجهود، إنما يجب أن نقر أن الظروف والمعطيات العلمية التي توفرت لنظرية النص المعاصرة لم تكن متوفرة لدى علمائنا قديما.، وهنا تكمن الفجوة .
{ هل هناك مشكلة حقيقيّة في المصطلح النقدي العربي؟وماجذور هذه المشكلة؟
- طبعا فإن إشكالية النقد العربي المعاصر ، هي إشكالية المصطلح نقدي نفسه، وبالتالي فلا يمكن فصل المصطلح عن النقد . وقد طرح المصطلح النقدي إشكاليات كثيرة في المجال الألسني والمجال النقدي، حيث شهدت الساحة الفكرية والثقافية العربية ظهور مصطلحات نقدية جديدة ومترجمة أو معربة لم تكن مألوفة ، مما أثار  إشكالية نقدية كبيرة نتيجة التناقضات التي عرفها المصطلح الواحد في الممارسة النقدية، على الرغم من الجهود التي بذلها المعجميون والمترجمون إلا ان الإشكالية ما تزال قائمة بسبب عدم التزام كثير من المترجمين واللسانيين والنقاد بالجهود المشتركة .وفي تقديري فإن معالجة هذه المشكلة تقتضي العودة إلى الجذور المسببة لهذه المشكلة والتي جعلت المصطلح موضع تجاذب متباين ، ويتعلق الأمر بالمصطلح النقدي في التراث النقدي والبلاغي ، فضلا عن المصطلح في أصوله الغربية وصراع المناهج والنظريات المعرفية ، والاجتهادات الفردية التي تسعى إلى توليد مصطلحات جديدة.
 { ما الجديد في كتابك  ” البنيوية التكوينية مقاربة نقدية في التنظير والإنجاز″؟
- أنا لم أدع بأنني أتيت بشيء جديد في كتابي الذي صدر مؤخرا والموسوم ” البنيوية التكوينية ، مقاربة نقدية في التنظير والإنجاز″ كل ما في الأمر أنني قمت  بتأصيل عميق للمنهج البنيوي التكويني بالعودة إلى مرجعياته الفلسفية الأبستمولوجيا والأسلوبية،  وهذا بهدف إعادة تركيب الجهاز المفاهيمي للمنهج وإعطاء المحتوى الحقيقي لمقولاته وآلياته ليتمكن الباحث العربي من تمثلها و’أجرأتها’ في  الممارسة النقدية، وقد دفعني إلى ذلك لما بدا لي في بعض  القراءات النقدية  العربية من خلط من جهة  وارتباك صريح في الطرح النظري للمنهج من جهة ثانية . ولتستقيم الرؤية المنهجية رأيت من اللازم  أن يحتوي الكتاب على قسم تطبيقي ليتمثل  القارئ العربي حقيقة البنيوية التكوينية تنظيرا وممارسة ، بهدف توضيح الصورة المنهجية للقارئ العربي الذي يطمح إلى إنجاز قراءة دقيقة أو قريبة من الدقة للبنيوية التكوينية وفق ما تقتضيه أصول المنهج .
{ هل هناك إشكاليّة في تعليمية المدارس النقدية المعاصرة للطالب العربي؟ وماهي هذه الإشكاليّة؟
- نعم تطرح تعليمية المدارس أو المناهج النقدية المعاصرة إشكالية بالنسبة للطالب الجامعي  العربي الذي يرغب في أن يتخصص في النقد الأدبي المعاصر ، فقد كشفت  البحث الميداني الذي أنجزناه بهدف تقويم نتائج اختبارات التي أجريت على طلبة السنة الرابعة بكالوريوس (ليسانس) في المناهج النقدية المعاصرة أن النتائج  المتحصل عليه  في هذا المتطلب   تكاد تكون في رمتها ضعيفة ومحدودة ، وكشف التقويم الذي أجري على عينة واسعة من الطلبة أن أسباب الفشل في النتائج  يرجع إلى الافتقار في الإعداد  للمتطلبات أو لضعف أساليب الإلقاء والتدريس .
وبات واضحا لنا أن تنفيذ المتطلبات التي تتعلق بالمناهج النقدية المعاصرة يقتضي أن تتوفر لدى الطالب العربي بشكل عام معارف ومهارات ومواقف ذات صلة بالمتطلبات والتي ينبغي على الطالب العربي أن يعرفها قبل أن يقبل على دراسة المناهج النقدية المعاصرة ، وهذه المسائل لم تراعها المنظومة الجامعية في إعداد المتطلبات التي من شأنها أن تهيء السبيل للطالب لدراسة هذه المناهج ، ومن هنا يكمـــــــن الإشكال ، فتبدو المتطلبات المقررة للمناهج النقدية غريبة غامضة ومبهمة بالنسبة للطالب لأنه يمــــــتلك الأدوات المعرفية الكافيــــــــــــة التي من شأنها أن تســــــــــــاعده على تمثل هذه المتطلبات .
فكيف يمكن أن نعلم التلميذ القسمة وهو يجهل كلية عمليات الجمع والطرح والضرب. أعتقد أن المسألة أصبحت واضحة الآن .

الأحد، 12 يناير 2014

د.سناء الشعلان تفوز بالجائزة التقديريّة لأجمل كتاب للعام 2013

د.سناء الشعلان تفوز بالجائزة التقديريّة لأجمل كتاب للعام 2013 عن روايتها "أعْشَقُني"

حصدت الأديبة الأردنية د.سناء الشعلان جائزة جديدة في مسيرتها الإبداعيّة،وهي جائزة "أجمل كتاب للعام 2013" في مسابقة العنقاء الدّوليّة.وذلك عن روايتها الأخيرة"أَعشقُني" التي نالت أكثر من جائزة،كان آخرها جائزة دبي للراوية للعام 2010/2011.

والرواية كما تقول الشعلان عنها هي: رواية انتصار العرق البشريّ على الدّمار والانقراض بشرط واحد،وهو شرط الحبّ والعطاء والتّواصل،هذه الرّواية ترسم عالماً كابوسيّاً في بُعد خيال علميّ مستقبليّ يستشرف الألفيّة القادمة حيث ستؤول الإنسانيّة إلى مصير كارثيّ في ضوء تخليّ البشر عن إنسانيتهم،وتنكّرهم للحبّ.وفي هذه الرّواية ينتصر البشر(رجالاً ونساءً)على الموت والفناء والآلة بشرط الحبّ.ويبقى السؤال معلقاً هل ستختار البشرية الحبّ والبقاء؟أم ستتورّط في الموت والانقراض؟ نهاية الرّواية مفتوحة على كلّ الاحتمالات،والقارئ هو من يختار النّهاية.

وقال الأديب محمد رشيد المشرف العام على الجائزة: سيتم إحياء كرنفال خاص للفائزين مطلع عام 2014 للاحتفاء بهم ومنحهم الجوائز وباقات من الزهور وتكريمهم .

ويُذكر أن الجائزة الأولى كانت من نصيب الدكتور ثروت عكاشة عن كتابه (مارك شاجال ) ،في حين تم الإعلان عن منح :لكل من الأستاذة الدكتورة أنعام الهاشمي (عراقية مقيمة في الولايات المتحدة الأميركية) عن كتابها (امرأة بين حضارتين) والروائية بلقيس الملحم (سعودية) عن روايتها (حريق الممالك المشتهاة) والكاتب محي الدين اللباد (مصري) عن كتابه (نظر) و القاصة رغد السهيل (عراقية- بغداد) عن مجموعتها القصصية (ضحكة الخاتون) ود.احمد يحيى ود.علاء عبد المنعم ود.احمد عبد العظيم (مصريين)عن كتابهم المشترك (سلطة التراث وبلاغة المتخيل) والكاتب ضياء البياتي (عراقي- بابل) عن كتابه (زمن السينما العراقية) والأديب جمال بخيت (مصري) عن ديوانه (مشاعر بلا ترتيب) والشاعرة مريم العطار (عراقية – ميسان) عن مجموعتها الشعرية (وأد) والقاصة مليكة الشجعي (مغربية) عن مجموعتها القصصية (دموع الصبار) والشاعر حيدر الحجاج (عراقي – ميسان) عن مجموعته الشعرية (عن الوردة وهي تطيح بحياتي) .والشاعر رعد زامل (عراقي – العمارة) عن مجموعته الشعرية (انقدوا أسماكنا من الغرق) .


وقد أبدت الشعلان فخرها واعتزازها بهذه الجائزة التي تضيفها إلى رصيدها الضّخم من الجوائز والإنجازات التي منها :رواية"أعشقني"و" السقوط في الشمس"،والمجموعات القصصية:الجدار الزجاجي" و"قافلة العطش"و"الكابوس"و"ناسك الصومعة"و"مذكرات رضيعة" و"تراتيل الماء"وأرض الحكايا"و"مقامات الاحتراق" و"الضّياع في عيني رجل الجبل".إلى جانب قصص الأطفال: " زرياب: معلّم الناس والمروءة" و" هارون الرشيد: الخليفة العابد المجاهد " و " الخليل بن أحمد الفراهيدي:أبو العروض والنحو العربي" و " ابن تيمية: شيخ الإسلام ومحيي السّنّة و" الليث بن سعد: الإمام المتصدّق " و العزِّ بن عبد السّلام: سلطان العلماء وبائع الملوك" و" عبّاس بن فرناس:حكيم الأندلس" و" زرياب: معلّم الناس والمروءة" و " صاحب القلب الذهبي" .والكتب النقدية : " السّرد الغرائبي والعجائبي في الرواية والقصة القصيرة في الأردن1970-2002م"و" الأسطورة في روايات نجيب محفوظ"و"دور جلالة الملك في مكافحة الإرهاب:تفجيرات عمان في قصص". كما لها مشاركات في كتب نقدية وتعليمية، منها: "في آفاق النّص القصصي:مقاربات في الهويّة والنّص والتّشكيل عند فرج ياسين" و " القصة القصيرة في الوقت الراهن"و" كتاب المبدع الرّاحل محيي الدين زنكنه بأقلام أصدقائه"و"نظرات نقدية في عالم محيي الدين زنكنة الإبداعي"و المشاركة في فصل إبداعي في مؤلّف جماعي في إطار سلسلة" الثقافة بالمجان،و" تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها،المستوى السادس".إلى جانب الكثير المجموعات القصصية المشتركة مثل مجموعة:"في العشق" و"مختارات من القصة الأردنية" و"رسالة إلى الإله" و"" From the speaking Womb of the Desert:SHORT STORIES FROM JORDAN""و"" القصة في الأردن.. نصوص ودراسات "،وغيرها الكثير.

الثلاثاء، 25 يونيو 2013

"أرض الحكايا" للقاصّة الأردنيّة سناء شعلان - مسعودة بن بكر

"أرض الحكايا" للقاصّة الأردنيّة د.سناء شعلان
نغمة متجدّدة على تراقيم الواقع والأسطورة
 مسعودة بن بكر/تونس

إذا كانت الحركة بداية الإيقاع المولّد للنغمة أو إذا كانت ارتعاشة ضوء هي التي تؤدي لمولد اللون فالخيال والكلمة هما أصل الحكاية. هي ذي بداية الكتابة حكاية نصوغها بألف شكل وشكل، على إيقاعات مغايرة ، تظل بذرتها الأولى مستعصية على التفكّك حتّى ورياح التجديد تسعى لتفتيت بنيتها ..
 إنّها البدايات التي ظّلت تحافظ على عنصرها منذ تشكلت مجالس القول وديوانية الذاكرة الحافلة بسير الأولين واللاحقين، وكأنما ورثت حواء في صندوق أسرارها عشق الحكي بلازمة الإثراء والتصرّف تسيل على لسانها متجددة قلبا وقالبا شكلا ومضمونا تستدر خيوطها الحريرية بألوان الضوء الخفية من المعقول واللامعقول من جنان الحقيقة ومتاهاتها ومن خصب الخيال وجنونه وطالما أنّ حواء في كلّ الأزمنة ليست بصورة مطابق لأصل في القدم كما يدعي بعضهم لا تخضع لاستنساخ تتفرّد الحكاية عند هذه وتلك بطابع الروح والذات والذائقة والوعي والثقافة .. تتوشح من سرّ راويتها وتتضمخ بروح مبدعتها ولنا في " أرض الحكايا" جولة قصيرة تؤكد هذا السر: سرّ شهرزاد والحكاية.


تسم الكاتبة الأردنية الدكتورة سناء شعلان مجموعتها القصصية هذه بـ" أرض الحكايا" لتضع جغرافية القول منذ أوّل مصافحة . فلماذا لم تقل على سبيل المثال " بحر الحكايا" أو " سماء الحكايا" ؟ ألأم تقصد بتحديد مكان القول للإحالة على أصله ارتباطه بآدم الذي نزل الأرض ليتلقه فيها لغته البشرية ويتعلم صياغة الحكاية لحفظ تاريخه؟ 
تجعل إذن سناء شعلان من الأرض منبتا للحكاية وأصلا ومنطلقا ، أمّا أساسها الصّلب فهو الواقع واقع الإنسان يتأرجح في كلّ الأزمنة بين الحضيض والأعلى، بين الخير والشرّ، بين الحب والكره، بين الشكّ واليقين، بين الجذب والخصب، بين الطلاح والصلاح.. واقع الإنسان بين جفاف الملموس وطراوة الحلم والمأمول.. بين زئبقية الحدث عبر الزمن وانتصابه في اللحظة والمكان وضعين تكفّلت الأسطورة بقولبته في مختبر المتخيّل وإعادة هيكلته محيطة بحدود المعقول والامعقول وبحدود المكان والزمان... 

المجموعة تشبه في تركيبتها باقة أزهار بريّة يكمن جمالها في اختلاف ألوانها، وأشكالها فمن مناخ الأسطورة والخرافة تعرّج الكاتبة على أرض الواقع حيث الأحلام البسيطة والأماني التي تكشف عن الذّات البشرية الضعيفة في ميولاتها البسيطة المعقّدة يقول مقدّم الكتاب الدكتور ابراهيم خليل :

" قصص سناء شعلان على الرغم من ميلها الواضح للحداثة والتجريب لا تستغني عن عنصر الحكاية " 
تحتفي قصص أرض الحكايات بالذّات البشريّة بين مفارقات وثنائيات ترسم بفضلها نواتات حكاية الإنسان في واقع تتباين أغراضه وأسراره وهي ذات تصر على الحياة وخلق المستحيل وبناء مدن للحلم وللجمال والمحبّة رغم مفاجآت الغيب. 
ترسم سناء شعلان خيوط حكاياها بلغة شفيفة على خلفية مشاهد وصفية راقية (انظر فقرة البداية لقصة : أكذوبة الجزر) ص 33

تتعطّر حكايا سناء شعلان بنثار الأساطير، والعلاقة بين الأسطورة والأدب علاقة متينة 
يقول الأستاذ عامر عبد زيد قي دراسة له بعنوان الأسطورة والأدب ـ دراسة الفكر الأسطوري عن صحيفة الحوار المتمدّن عدد2076 ـ 2007/10/22 
" (...)لاشك أنها علاقة بين مستوى من الفكر وأداة تعبير ، ولاشك أنّ العلاقة قوية بين الاثنين ، لأنّ الأسطورة هي أدب (...) تعبير أدبي عن أنشطة الإنسان القديم الذي لم يكن قد طور بعد أسلوبا للكتابة التاريخية يعينه على تسجيل إحداث يومه فكانت الأسطورة هي الوعاء الذي وضع فيه خلاصة فكره ، والوسيلة التي عبر بها عن هذا الفكر وعن الأنشطة الإنسانية المختلفة التي مارسها بما فيها النشاط السياسي والديني والاقتصادي . إنّ الحديث عن هذه العلاقة يعني الحديث عن ثلاثة مستويات ، الأول يتعلّق بالأسطورة ،والثاني يتعلّق بالأدب الأسطوري،والثالث يتعلّق بالمضمون الفكري للأسطورة".
بوّبات " أرض الحكاياّ

تقسّم المؤلفة باقة زهورها البريّة إلى فصلين يشتمل كلّ منهما على مجموعة من القصص التي تتقارب في جوهرها وإلى جملة أخرى من القصص وهي:
أـ فصل سداسية الحرمان - ويشمل:
- المتوحش
- المارد
- الخصيّ
- إكليل العرس
- فتى الزهور
- الثورة

ب ـ فصل أكاذيب البحر - ويشمل:
- أكذوبة الجزر
- أكذوبة اللؤلؤ
- أكذوبة النوارس
- أكذوبة الأمواج
- أكذوبة المدّ والمرجان
- أكذوبة الأصداف
- فيما ترد بقية القصص وهي : الباب المفتوح ـ الجدار الزجاجي ـ ملك القلوب ـ الطيران على ارتفاع 1000 دقة قلب ـ صديقي العزيز ـ اللوحة اليتيمة ـ رجل محظوظ جدا ـ دقلة النور ـ الصورة ـ الذي سقط من السماءـ أرض الحكايا ـ مدينة الأحلام ـ البلورة . الشيطان يبكي.

تستوقف القارئ في بعض المحطات قواسم مشتركة مثل عنصر الآخر القادم الذي يغيّر مسار الأحداث مثل قصة المتوحّش، قصة الإنسان في المرحلة الصّفر مرحلة حي بن يقظان، مرحلة الإنسان في رحم الطبيعة الخالصة هذا الذي ينبلج من قراره إحساس عارم بالحاجة لوضعٍ مطمئِن على الأرض بين عوامل الطّبيعة القاسية، كأنّه يسعى لقوته سعي الطير وأن يدرأ عنه خطر الوحوش، وأن يحفظ جسده من قسوة الطبيعة متسلحا بأبجديات بيئته وأهمها الرّائحة توسّلها أداة معرفته الأولى، فقد أكّدت هذه الحاسّة نجاعتها لدى الكائن الحي بشراً كان أم حيوانا، غير أنّها تقهقرت أمام تطور الإنسان وتحضّره ودخول وسائل المعرفة التي انتصر فيها سلطان البصر والباصرة واللمس. كانت هذه الوسيلة الطبيعية إذن هي طريق "المتوحش" إلى لقاء مخلوق مغاير هو كما تذكر الرّاوية "عدوّه" .... أليس من طبيعة المرء البدائية والفطرية أن يخشى ما يجهل؟ وأن يعاديه ما لم يكشف أسراره وما لم يحط بحدود قوّة هذا الآخر؟ هذا المجهول وضعفه... تعرّف إذن "المتوحّش" على هذا الكائن الذي يشبهه ولا يشبهه، وقالت الطبيعة قولها الفصل وانجذبت الخلايا لبعضها بعض، وأحبّه أو أحبّها فباتت "كيلا" حبيبته وهنئ بها ردحاً من الزّمن،وهنا تدخل على مسرح الأحداث ثنائية القوي والضعيف لتبدأ مأساة بطل القصّة بقدوم أغراب أقوياء انتزعوا منه حبيبته ورفيقته... في هذه القصة تطفو فكرة الآخر القادم الذي يغيّر مسار الأحداث لتكون القاسم المشترك مع ما يليها ونعني هنا قصة المارد، يترك هذا المارد قمقمه على يد امرأة يقع في حبها ويجعل منها حال خروجه من القمقم ملكة الدنيا ويسعد بقربها حينا من الدّهر حتى يقدم رجل غريب تحبه المرأة وبإيعاز منه تعيد المارد إلى القمقم. كذلك الأمر في قصة الخصيّ كانت الحياة بالنسبة لهذا الغلام المخصيّ في قصر سيّده تسير عادية حتى دخلت القصر جارية خزريّة اشتراها السلطان وقلبها متعلّق بحبيب لها ... أحبّها المخصي وقرّر أن يخلّصها من أسر السلطان،ويساعدها لتعود إلى حبيبها،فمكّنها من الفرار ليشهد مأساته بأن قتله السلطان وعلّق رأسه على بوّابة القصر.

في قصة الثورة كان قدوم " هي" على زمرة من الأصدقاء خطرا يتهدّد لحمتهم، فقد أحبتهم أرواحاً،ولكنّهم أحبّوها جسداً، تفرقوا ثم اجتمعوا على أن يثوروا ضدّ "هيّ وفي حركة مسرحية دقيقة جعلت الكاتبة من "هي" تندمج في ثورتهم بعد أن التقتهم ثانية فانضمّت إليهم تعاطفا معهم حتّى ينتهي بهم الأمر إلى حيث يكون الثائرون، وقرروا بعث جمعية مناهضة لـ "هي". 

في فصل أكاذيب البحر يستبطن القارئ البحث الدائم عن الحقيقة الصّرف لتخليص حريرها من شوك الوهم ... وآفة الاطمئنان للذّات البشرية حيال الأوهام وتختم هذه الأكاذيب بما يشبه الحكم في نص أكذوبة الأصداف.

عبر عوالم مختلفة تكشف الكاتبة عن خفايا النفس البشرية في مواقف كل من فتى الزّهور الذي يأبى إلاّ أن يهب نفسه ما لم يجده لدى الآخرين، ثمّ الحلاّق شوشو في قصة إكليل العروس الذي يشبه بائع العسل الذي لا نصيب له مما يبيع، تبدع أنامله زينة العروس ثم يودعها ليستقبل وجها آخر بحركة آليّة. وعبر ذاكرة فتى الجدار الزجاجيّ تستعيد الذّاكرة فراق الأم وانسداد أفق المحبة بفقدان الخيط المشدود إلى رحم الاطمئنان والحياة والمحبّة. 

أمّا قصة الصورة فرحلة البحث عن طبيب أسنان للتعالج قاد صاحبها إلى السقوط في حبّ صورة هي في الأصل زوجة طبيب الأسنان، فانتهى الحظ العاثر بالمريض في السّجن بتهمة قتل صاحبة الصورة.. .تتكرّر تيمة الحظّ هذه في قصة رجل محظوظ جدا.. وفي منعرج الحكايا تأخذنا الرّاوية إلى عالم طارق العسّاف الذي مات دون أن ينعم بفوز لوحته اليتيمة. ثم على ارتفاع 1000 دقة قلب ترسم مشهد حبيبين يحلّقان نحو الحياة والموت لأجل الحب على جرف قائم بشموخه أمام ضعف جسديهما . 

قصة الشيطان يبكي دليل عمّا بلغه الإنسان من أشواط في المكر والشرّ فاق بها الشيطان نفسه فأصبح هذا الأخير يثير الشّفقة.

لا تسل عن المكان ولا عن الزمان؛ فأزمنة الحكي متداخلة ولا سلطان إلا لزّمن الروح ،وهواجس النفس وجنوحها وطموحها. والمكان منبسط وضفاف بين يابسة الواقع ولجج الخيال تسافر بينهما الشّخوص خلف وهم ما. وهي شخوص تطلع من رحم الخرافة تارة ومن بيئة الرّاهن القريب تارة أخرى شخوص منها ما نجده في حكايا الأطفال ومنها ما نجده في محاورات الحكماء والدّراويش والمتصوّفة يجمعهم " الغرائبي والواقعي" كما أشار الدكتور إبراهيم خليل في مقدمة الكتاب :

" (...) كما أنّها تعتمد الأساطير والأبطال والأسطوريين ، متخذة من البطل الأسطوري علاقة وآلة ورمزا يوحي أكثر مما يقول ، ويعبّر أكثر مما يصف".

   الأديبة الناقدة التونسية
 مسعودة بن بكر/تونس