الثلاثاء، 18 يونيو، 2013

الحلم الصيني أو التموضع الإستراتيجي! - نبيل نايلي*

الحلم الصيني أو التموضع الإستراتيجي! - نبيل نايلي*

"علينا بذل الجهود الحثيثة وان نتقدّم بإرادة لا تعرف الهوان من أجل دفع قضيتنا العظيمة إلى الأمام، وأن نكافح من أجل تحقيق الحلم الصيني بالتجديد العظيم للأمة الصينية.''
" الرئيس شي جين بينغ، 习近平.

انتهت القمة الأمريكية-الصينية المرتقبة يوم الأحد التاسع من جوان الجاري، واجتمع الرئيسان باراك أوباما و شي جين بينغ ما لا يقلّ عن 9 ساعات، ورغم نبرة التفاؤل التي أشاعها صنّاع القرار الأمريكيين بخصوص مداولاتها "المتميّزة والإيجابية والبنّاءة"، كما وصّفها أحد المسؤولين، أو محادثاتها "الرائعة"، كما نعتها الرئيس أوباما، ورغم ما جاء على لسان مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، توم دونيلون، Thomas Donilon، معلنا "اتفاقا تاما على الأهداف"، إلاّ أنّ خفايا القمة ورموزها ومضاعفاتها الجيو-سياسية والجو-ستراتيجية أعمق بكثير وأهمّ، خصوصا أنّ الرئيس الصيني أرادها تتويجا بالغ الدلالات لجولة داخل قلاع الإمبراطورية المترنّحة، وحدائقها الخلفية!

بعد إعطاء الأولوية للقارة الأفريقية في أولى جولاته الخارجية، شدّ الرئيس الصيني الرحال إلى أمريكا اللاتينية حيث زار ووقّع معاهدات تجارية واتفاقيات شراكة واستثمار في كل من ترينيداد وتوباغو وكوستاريكا والمكسيك. خطوة جريئة في لحظة تاريخية فارقة تشهد مخاض نظام عالمي جديد في طور التشكّل، اعتبرها بعض المحلّلين ترجمة لل"نموذج الجديد في العلاقات" الذي تؤسّس له بكين، وتوسيعا لمجالات النفوذ الصيني، وصنّفها آخرون ردّا صينيا على استراتيجيات "الإحتواء، Containment" و"الإنعطافة، The Pivot، وليدة تعاليم”الإستراتيجية الأمريكية الجديدة“، الوثيقة التي أختير لها عنوانا مشبعا بالدلالات والرمزية: ” استدامة قيادة الولايات المتحدة للعالم: أولويات دفاع القرن الواحد والعشرين، Sustaining U.S. Global Leadership: Priorities for 21st Century Defense “، والتي كشفت عزم الولايات المتحدة الأمريكية إعادة النظر في سياساتها الخارجية وانتشارها العسكري وتحالفاتها الإستراتيجية بالتركيز أساسا على منطقة الباسيفيكي. من خلال هذه الإستراتيجة يسعى الأمريكيون إلى خنق الصين ومحاصرة نفوذها المتنامي وذلك بالتغلغل داخل مجالها الحيوي، وتطويقها اقتصاديا وأمنيا بالأحلاف والمعاهدات وعسكريا بالقواعد في كل من اليابان وكوريا الجنوبية وأخرى في أستراليا. يبدو أن حسابات الحقل الصيني لم توافق البيدر الأمريكي وها هم الصينيون يخترقون مجالاتهم الحيوية كما اخترق قراصنتهم السيبيريون مواقع شركاتهم ليستولوا على تصاميم الأسلحة الأمريكية المتطوّرة والأكثر سرية وحساسية، وأنظمة الدفاعات الصاروخية، مفخرة العسكرية الأمريكية، والطائرات والسفن المقاتلة.

في صمت وثبات وسرعة، وترجمة لشعارات برنامج تختزله اللفظة الرسمية الحكومية الصينية "Zou chuqu، 走出去،" التي تعني "إذهب أو سافر بعيدا"، مع ما تستبطنه من أبعاد جيو-إقتصادية، وجيو-سياسية وجيو-ثقافية، تعزّز الصين تغلغلها وبسط نفوذها مكثّفة استثماراتها في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وفق مقاربة شاملة لا تقتصر على ضمان مصدر للموارد المنجمية والمحروقات، فحسب، بل تتجاوزها إلى المساهمة في البنى التحتية للسكك الحديدية والصلب وكل المشاريع العملاقة والإستراتيجية. تماما كأفريقيا والدول العربية، فإن أمركيا اللاتينية، أضحت بالنسبة للحكومة الصينية مجالا خصبا لتطبيق المبادئ الخمس لما يُسمّى "ميثاق بكين" الراجع تاريخ إعداده لسنة 1964، تحت إشراف الوزير زهو إنلاي، Zhou Enlai، الذي ترتكز عليه دعائم السياسة الخارجية الصينية: إحترام سلامة الحدود وسيادة الدول المطلقة عليها، عدم الإعتداء، عدم التدخّل في الشؤون الداخلية، التكافؤ والبحث عن المصالح المشتركة، التعايش بسلام.

يبلغ التنفّذ والزحف الصيني باتجاه الفناء الداخلي الأمريكي ما أضحى يهدّد المصالح الحيوية الأمريكية وكعب أخيلها التصنيعي والتسويقي والإستثماري، ما حدا بريجيس سوبرويار، Régis Soubrouillard، إلى الذهاب في تقرير نشره بصحيفة ماريان الفرنسية، Marianne، حد القول بأنّ الصين تتصرّف في أمريكا اللاتينية ووكأنّ "المكان على ذمّتها: بحيث تسوّي جبلا في البيرو، وتطوّر حقول النفط في فنزويلا، وتحوّل منطقة سيرادو الغابية في البرازيل إلى حقول صويا، وتضع شركاتها النفطية يدها على أكثر من 3 ملايين هكتار من الغابات الأمازونية البكر في الإكوادور"! التنين الصيني المتحفّز ما عاد قادرا على كبح جماحه. فالصين تريد الإعتراض على مناطق نفوذ واشنطن في أمريكا اللاتينية والكاريبي، هذا ما يؤكّده كاتب الإفتتحايات دينغ غانغ ، Ding Gang، عبر مقالات ينشرها بالصحيفة الصينية الرسمية، غلوبال تايمز، Global Times، بقوله: "بينما تستقرّ الولايات المتحدة في مناطق نفوذ الصين تحذو الصين حذوها وتفعل مثلها".

صاحب عقيدة "الإنعطافة، The Pivot"، والجازم بالقول بأنّ "الولايات المتحدة الأمريكية هي قوة باسيفيكية، ونحن موجودون هنا لنبقى!"، الرئيس الأمريكي أوباما، المرحّب بما يسمّيه "صعود الصين السلمي، Peaceful Rise"، ورغم تأكيده على "وجود مجالات للتوتّر بين البلدين"، يراهن بناء على "علاقات تعاونية قوية بين الشعبين الصيني والأمريكي"، لا شكّ يستأنس بما يقوله أحد أكبر عرّابي السياسة الخارجية الأمريكية، وزير الخارجية الأمريكي السابق، هنري كيسنجر، Henry Kissinger، الذي استشرف الموقف قبل عقد القمة قائلا: "يبدو لي أن الطرفين عازمان على مراجعة وعودهما من أجل النظر في إمكانية التوصّل إلى علاقات مبنية على نوع الرؤى المستقبلية التي تتجاوز اللّحظة، بمعنى أنها ستذهب أبعد من معالجة المشاكل الآنية"

ولكن إذا كان باراك أوباما يمنّي النفس ب"صعود سلمي" للصين ويأمل في قيام "علاقة تعاونية قوية" بين الشعبين في إطار "نموذج جديد للتعاون" مع بكين، رغم ملفات و"مجالات التوتّر" العالقة، فإنّ نظيره الصيني الجامح، شي جين بينغ، يذهب أبعد ليعلن رغبة صينية ملحّة في صياغة "نموذج جديد في العلاقات بين البلدين الكبيرين". نموذج جديد، يختزل ملامحه شعار ابتدعه الرئيس شي جينبينغ نفسه هو: الحلم الصيني في موازاة أو تضادد مع الحلم الأمريكي! أما عن الحلم الصيني فخير من يفكّك تفاسيره، العقيد المتقاعد، ليو مينغفو، Liu Mingfu، صاحب كتاب يحمل عنوانا، عميق الدلالات، هو: "الحلم الصيني: تفكير القوى العظمى والتموضع الإستراتيجي في حقبة أفول القوة الأمريكية، The China Dream: Great Power Thinking and Strategic Posture in the Post-America Era."، والذي أعرب فيه عن الرغبة في تحويل الصين إلى "القوة المهيمنة في العالم". ليو مينغفو يقول بوضوح: "منذ القرن التاسع عشر كبت الصين على المسرح الدولي، ولكن الرئيس شي يحلم ببناء أمة قوية وجيش جبار." فهل يتعايش حلمان؟ وهل هو قدر الولايات المحتوم؟

في ظل التقلّص التدريجي لمجالات نفوذ القوتين وتمدّدهما الإستراتيجي، باتت الفضاءات الحيوية العصية في السابق، هي الأخرى هدفا يُشدّ له الرحال، بل وتُستهلّ به زيارة قمة، دون أن يجد الصينيون في ذلك حرجا أو يرفّ لهم جفن دبلوماسي. هذا ما يختزله المحلّل السياسي ليوناردو كورزيو، Leonardo Curzio، بقوله: "نحن نشهد تغيّرا جذريا في الموقف الصيني من أمريكا اللاتينية. في السابق كانت الصين حذرة جدا ومهتمة فقط بالمواد الأولية والتصنيع، أما اليوم فالصينيون يأتون بكل عجرفة وبرسالة واضحة: نحن قوة عظمى ونريد نصيبنا من الكعكة."

إذا كان زبيجنيو بريجينسكي، Zbigniew Brzezinski، الخبير الإستراتيجي المعروف ومستشار كارتر للأمن القومي، لم يفوّت هذه الفرصة ليصرّح، في إقرار واضح بتراجع الدور القيادي الأمريكي وإعتراف ضمني بصعود نجم منافس جدّي إسمه الصين، بضرورة إقامة ما سمّاه""شراكة حيوية تاريخية طويلة الأمد"، "ليس فقط لكلا البلدين"، كما يؤكّد "ولكن للعالم كلّه أيضا"! محذّرا في الآن ذاته بقوله:"إذا لم يحافظ الجانبان على تلك الشراكة فسوف يعاني كلاهما، لأنّ قدرة العالم على الإشتراك فى تعاون واسع النطاق سوف تتضاءل بشدة"! ليخلص محمّلا الرئيسين "مسؤولية تاريخية". فإن غيره من الخبراء الإستراتجيين ودبابات الفكر، think-tanks، باتوا يتحدّثون هذه الأيام عمّا يسمّونه ب"الحذر الإستراتيجي المتبادل، Mutual Strategic Suspicion "، ليس الحذر الناتج عن العاطفة، بل المتمخّض عن دراسة وتحليلات على مدى طويل، كما يوضّح كينيث ليبرثال، Kenneth Lieberthal، الباحث بمؤسسة بروكينغز، Brookings Institution.

أمريكا اللاتينية، التي تعتبرها الولايات المتحدة فناءها الخلفي، لم تعرها الصين كل هذا الإهتمام على مدى نصف القرن الماضي، ولكن نهمها المتعاظم للمواد الخام من جهة، وإصرارها على تعزيز فرص قدراتها التنافسية على الريادة ومصادر الطاقة وعوامل القوة، الناعمة والصلبة، والحدّ من مضاعفات "إستراتيجية الإنعطافة" الأمريكية، من جهة أخرى، يدفع بصانع القرار الصيني إلى استبدال استراتيجيات الإنكفاء المتحفّز بنهج الهجوم الكاسح على التخوم. يتغلغل التمدّد الإستراتيجي الصيني، الزاحف من قارة إلى قارة، عميقا داخل المجالات الحيوية الإستراتيجية الأمريكية والأوروبية على حد السواء، ما جعل الباحث في مركز دراسات القارات الثلاث، Centre tricontinental، فريدريك توماس، Frédéric Thomas، يقول: "إنّه في الوقت الذي أصبحت فيه أمريكا اللاتينية المزوّد الرئيسي في مجال النفط والنحاس وزيت السوجا إلى الصين، بما أنّ هذه الأخيرة تعدّ الوجهة الأولى أو الثانية للصادرات البرازيلية والشيلية والبيروفيّة، فإنّ هذا الوضع الجديد أعاد، نسبيا، إنتاج ردود الفعل، والخوف من الخطر الأصفر والتقييمات المتضادّة، بين الفرص التي يجب اقتناصها والمشاكل الجديدة التي يتحتّم مواجهتها، الذي أثاره اختراق الصين لأفريقيا وإذا ما أعدنا قراءة المشهد انطلاقا من الصراع والمقاومة الذي يولّده، فان العلاقات بين الصين وأمريكا اللاتينية تظهر على حقيقتها: صورة متعاظمة لنموذج عالمي، ينتج ويعيد إنتاج اللامساواة وعدم التكافؤ، والكوارث البيئية، والإصلاح الزراعي المضاد من خلال مصادرة الأراضي الفلاحيّة.. والحلول الكاذبة".! هل هي ملامح الإمبريالية الجديدة؟ أ ليس هناك خيار لباقي الأمم غير القناعة بإحدى الإمبرياليتين؟ أن يعود العالم إلى تعددية قطبية لا يعني ضرورة أن يكون أكثر عدلا!!

الحلم الصيني في مواجهة مؤجّلة مع الحلم الأمريكي، لا تغرنّكم لغة الدبلوماسية الخشبية. فإذا كانت وزيرة الخارجية الأمريكية، هيلاري كلينتون، Hillary Clinton، صاحبة المقال التأسيسي”عصر أمريكا الباسيفيكي America’s Pacific Century “، قد سبق وأعربت عن قلقها من الصعود الصيني بقولها: "إذا ما نظرنا إلى النجاحات التي تحققها الصين في أمريكا اللاتينية، فإننا نرى أمرا مقلقا للغاية.. إنها بصدد إقامة علاقات إقتصادية وسياسية قوية جدا مع الكثير من هؤلاء المسؤولين ولا أعتقد أن ذلك يصب في مصلحتنا!"، فإنّ جاف بادر، Jeff Bader، أحد مستشاري أوباما للأمن القومي، يختزل القادم كأبلغ ما يكون بتصريحه: "بين قوة قائمة وقوة صاعدة نادرا ما تنتهي العلاقات بشكل ودّي!". قبل ذلك هل تكتفي القوتان بعلاقة "الصداقة اللّدودة" أو ما يسمّيه الأمريكيون: " Frenemy"، في دمج بين متناقضين، نصف صديق نصف عدو؟ الصينيون لا شكّ يتمثّلون نصائح منظّرهم الإستراتيجي العسكري الأشهر، سون تزو، 孫子، :”أخضع عدوك دون قتال... كل الحروب تقوم على الخداع “ ! فماذا عن الأمريكيين و خصوصا من وضعوا كل بيضهم في سلالهم؟؟؟؟

*باحث في الفكر الإستراتيجي، جامعة باريس.
إرسال تعليق