الاثنين، 25 ديسمبر 2017

السلطة الوطنية الفلسطينية في عين العاصفة -د. رياض عبد الكريم عواد

السلطة الوطنية الفلسطينية في عين العاصفة

د. رياض عبد الكريم عواد
ان الموقف الفلسطيني المناهض للصفقة السياسية التي تعدها الادارة الامريكية من أجل تصفية القضية الفلسطيني، ولقرار الرئيس الامريكي ترامب حول الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل، ونقل سفارة بلاده اليها، قد دفعت الادارة الامريكية، خاصة بعد تلقيها صفعة قاسية من الجمعية العامة للامم المتحدة، في اجتماعها الطارئ وفق القرار المعروف بقرار "الاتحاد من أجل السلم"، خاصة وأن القرارات المتخذة تحت هذا البند وبأغلبية الثلثين لها قوة قرارات مجلس الأمن وصلاحيات الفصل السابع، كما يقول الخبير في شؤون الامم المتحدة والسفير العراقي السابق فاروق سعدالدين زيادة.

إن هذا الموقف الفلسطيني الثابت والصلب قد دفع الادارة الامريكية الى إتخاذ رزمة من القرارات المعادية للشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية تهدف من ورائها الى انهاء هذه السلطة، من خلال حصارها ماليا ومقاطعتها سياسيا، ووقف الدعم عن المنظمات الدولية، خاصة الانروا وبرنامج الغذاء العالمي، التي ترعي شئون الفلسطينيين اجتماعيا وانسانيا.

ان السؤال الذي يطرح نفسه هل تستطيع امريكيا، بالتعاون مع اسرائيل وبعض دول الاقليم، من خلال هذه المقاطعة السياسية والحصار المالي ان تقضي على السلطة الفلسطينية. وكيف يمكن ان يجابه الفلسطينيون هذه الاجراءات الامريكية، وصولا لافشالها والانتصار عليها من اجل المحافظة على هذه السلطة.

ان السلطة الوطنية هي اهم انجاز وطني على الارض حققه الفلسطينيون من خلال نضالهم الطويل، حيت تقوم هذه السلطة بدور اساسي في دعم صمود الشعب الفلسطيني فوق ارضة.

ان بقاء الشعب الفلسطيني في ارضه والصمود عليها هو الهدف الرئيسي للنضال الفلسطيني في هذه المرحلة. ان السلطة الفلسطينية هي الحاضنة الوطنية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، للشعب الفلسطيني وهي القادرة على دعم هذا الصمود وتعزيزه وصولا الى اقامة الدولة الوطنية.

إن من اهم اسباب انهيار حكومة عموم فلسطين في يونيو 1963 هو رفضها سياسيا على الصعيد الدولي والعربي، أدى هذا الرفض الى تجفيف مواردها المالية وصولا الى خنقها سياسيا واقتصاديا، مما أدى الى انهيارها. ان هذه التجربة الاليمة الاولى في التاريخ الفلسطيني تحتم على الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية ومثقفيه النضال من اجل توفير كل اسباب صمود واستمرار السلطة الوطنية، حتى لا يعيد التاريخ نفسه وتتكرر نفس المأساة ونشرب من الكأس نفسه. ان المحاور الخمسة القادمة هي من اهم المجالات التي نستطيع من خلالها مواصلة هذا النضال:


اولا، سياسيا
ان التوجه للامم المتحدة ومؤسساتها المختلفة هو الشكل الرئيسي للنضال السياسي في هذه المرحلة، ان هذا يفرض علينا ان نسير في هذا الطريق خطوة خطوة، مع ضمان التأييد المسبق على الصعيد الدولي، خاصة الاوروبي، وكذلك الاجماع العربي والاسلامي لهذه الخطوات. يجب ترشيد سياستنا في هذه الاتجاه، دون تسرع ودون الوقوع تحت ضغط المطالب الشعبية وتأثير الاعلام والمعارضة السياسية.

اننا بحاجة الى تفكيك جبهة الاعداء ومحاولة كسب الجميع الى جانب قضيتنا العادلة، ان هذا بحاجة الى سياسة رشيدة عقلانية وغير متسرعة. وفي هذا الاطار فان تطوير علاقاتنا مع الدول الاوروبية وروسيا والصين، له الاولوية المطلقة لما لها من دور هام على الصعيد الدولي.

من المهام إفشال المخطط الاسرائيلي الأمريكي الهادف إلى حصار الرئيس ابو مازن، وصولا إلى اغتياله شخصيا وسياسيا. أن هذا يتطلب من كل القوى الوطنية والشعبية أن تكون الجدار الذي يحمي الرئيس من خطر التصفية وعليها أن تضع الخطط اللازمة ميدانيا وسياسيا حتى لا يكون مصير ابو مازن مشابه لمصير الخالد ياسر عرفات. وفي هذا الاطار اتذكر ما كتبه الاستاذ حسن البطل على حسابه في الفيس بوك "هانحن نباطح ونناطح اميركا؟ كل من ضد السلطة الان هو مع ترامب" واضفت أنا "وكل من ضد الرئيس الان هو مع ترامب"

ثانيا، اقتصاديا
يشكل العامل الاقتصادي تحدي كبير للسلطة الوطنية، خاصة وان ميزانية هذه السلطة تعتمد على الدعم الخارجي والضرائب، والتي تأتي في معظمها، من خلال ضريبة ال 17% التي تجبيها السلطة من خلال اسرائيل وفقا لاتفاقية باريس، لذلك فان موازنة السلطة من الممكن ان تتعرض الى خطر شديد.

ان هذا يتطلب اعادة النظر في كل بنود المصرفات خاصة، بند المرتبات، الذي يستنفذ نسبة كبيرة من هذه الموازنة. لذلك من الممكن تخفيض هذا البند الذي تضخم كثيرا، واعتماد اجراءات قاسية وصولا الى الرجوع الى سلم المرتبات التي كانت معتمدة ما قبل 2003 وتخفيض عدد الوظائف الإدارية العليا.

كما يتطلب هذا الوضع الترشيد في كل بنود الموازنة وترشيد المصاريف، ووقف كل مظاهر البذخ، وزيادة المحاسبة والشفافية. من الهام خلق وعي والتفاف وتفهم شعبي ونقابي لهذه الاجراءات القاسية، والتصدي لمعارضيها وعزلهم ومنع تأثيرهم واستغلالهم لهذه الاوضاع الصعبة من احل اجندات خاصة، محلية واقليمية.

ان استمرار السلطة الوطنية في دفع مرتبات موظفي الحكومة والمتقاعدين ودعم الشؤون الاجتماعية للفئات الفقيرة والضعيفة، كعامل رئيسي هام في حركة السوق المحلية، هو التحدي الابرز الذي سيجابه هذه السلطة، ويحدد مقدرتها على الاستمرار والصمود في وجه مخطط تصفيتها.

ثالثا، نضاليا
غني عن التأكيد اهمية استمرار المقاومة الشعبية السلمية، والاشتباك اليومي مع قوات الاحتلال الاسرائيلي واجراءاته ومستوطنيه، وفي هذا الاطار يجب التأكيد على:

١. منع استغلال هذا النضال الجماهيري لخلق فوضى داخل اراضي السلطة الوطنية، لذلك على قوات الامن الفلسطينية ان تمنع اي محاولة في هذا الاتجاه.

٢. حماية ابناءنا من الموت المجاني على الجدران والاسلاك الشائكة، والا يكونوا هدفا لرصاص القناص الاسرائيلي، الذي يستخدمهم كشواخص للرماية. ان قوات الامن الفلسطيني والاحزاب والمؤسسات الوطنية والشعبية مطالبة بلعب دور هام في هذا الاتجاه.

٣. عدم الوقوع في فخ اسرائيل باستدراج غزة الى حرب مدمرة، لحرف المعركة عن هدفها الاساسي.

ان المعركة الاساسية للشعب الفلسطيني في هذه المرحلة هو الحفاظ على الضفة الغربية لتبقي ضمن اطار النضال والديمغرافيا الفلسطينية، ومنع كل مخططات ضم اراضيها الى اسرائيل. لذلك يجب الوقوف في وجه كل من يريد ان يستخدم غزة كقاعدة لاطلاق الصواريخ العبثية غير الوطنية من اجل اهدافه الخاصة او اهداف دول الاقليم.

ان المعركة السياسية في غزة محسومة، وأن غزة واهلها، مع جميع ابناء الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، هم المخزون الوطني للاستمرار في النضال من اجل الحفاظ على مكتسبات السلطة الفلسطينية واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

رابعا، الانقسام، المصالحة، عودة غزة الى حضن الشرعيةرغم ان هذه هي امنية كل الشعب وقواه الوطنية، الا ان الظرف الدولي والاقليمي، بعيدا عن الارادة والرغبة الفلسطينية، يلعب دورا معرقلا لهذا التوجه، لذلك لن نرى تقدما نوعيا هام في هذا الاتجاه. انه لمن الهام عدم استغلال هذا الوضع لاستنزاف طاقاتنا في المناكفة وفي اضعاف الموقف الموحد ضد الاخطار التي تواجه قضيتنا، وفي افشال الهبة الجماهرية الموحدة في وجه الاحتلال الاسرائيلي. يجب ان نجد الطرق والوسائل لاضعاف اي تأثيرات سلبية لهذا الملف على القضية الفلسطينية.


خامسا، العلاقات العربية والدولية والنضال الشعبي في الخارج
يحب استمرار علاقاتنا مع كل الدول العربية والاسلامية والمحاولة، ما امكن، من تقليل التعارضات وعدم النفخ في الخلافات مع اي دولة عربية او اسلامية، على قاعدة الحفاظ على حقوقنا الاساسية، ومنع التدخل في قرارنا المستقل. كذلك من الهام تطوير علاقاتنا الاوروبية، خاصة وان هذه الدول تعي خطورة قرار ترامب وانهيار السلطة الفلسطينية على الاوضاع الامنية والاقتصادية في القارة، وفي تأجيج التطرف والصراع الديني. كما انه من الهام حث الدول العربية والاوروبية زيادة مساهماتها في ميزانية الانروا وبرنامج الغذاء العالمي.

ان حركة الجماهير الشعبية في مختلف دول العالم، والنشاط المميز الذي تقوم به مجموعات الضغط والمقاطعة المعروفة باسم BDS قد سجلت تصاعدا هائلا في تأييدها للنضال الفلسطيني، وفي الضغط على الحكومات لتكون الى جانب هذا النضال. ان حركتنا السياسية والدبلوماسية في كل دول العالم يجب ان تتصاعد وتواصل عملها في هذه الساحات الهامة.
إرسال تعليق