الأربعاء، 20 يونيو 2018

كيف وصلنا الى اقامة السلطة الفلسطينية (اتفاق اسلو)؟ - غسان فوزي

كيف وصلنا الى اقامة السلطة الفلسطينية (اتفاق اسلو)؟  
وكيف يمكننا تحقيق اهدافنا الوطنية؟ 
غسان فوزي
الحلقة الاولى:
*حقق الرئيس ياسر عرفات نبوءته بالعودة الى فلسطين، تلك التي اطلقها بعد احتلال اسرائيل بيروت وتدمير بنية منظمة التحرير العسكرية والمدنية. تم تحقيق العودة للقيادة والقوات والمؤسسات الفلسطينية الى فلسطين مترافقا مع انسحابات اسرائيلية عسكرية جزئية من غزة والضفة الغربية. ثم تواصلت الانسحابات الاسرئيلية وتواصل تثبيت مؤسسات سلطة فلسطينية تهدف الى تحقيق دولة مستقلة في المناطق الفلسطينية المحتلة في حزيران 1967.


تحقيق العودة والانسحاب تم انجازه وكان ممكنا، فقط وفقط على أساس رصيد 27 عاما من النضال الفلسطيني الحديث امتد من فجر اول يوم في سنة 1965 الى يوم توقيع اتفاق اوسلو في اخر سنة 1993. فلم تكن اسرائيل وامريكا لتعترف باي حق سياسي للشعب الفلسطيني بدون النضال العسكري والسياسي والثقافي والاعلامي والدبلوماسي الفلسطيني الذي اطلقه توافق الثورة المسلحة مع مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية التي تم انشائها بفضل بيئة عربية مساندة.

لكن انجازات العودة وما رافقها من انسحابات عسكرية ومدنية اسرائيلية، قد تم في ظروف تراجع البيئة السياسية الحاضنة للثورة الفلسطينية. كانت مصر تحت نظام السادات قد عقدت اتفاقيات السلام مع اسرائيل، وكان النظام السوري يرواح في المكان مستلهمات سياسة كسر التوازن الاستراتيجي مع اسرائيل. ولكن هذا التوازن اصبح شبه مستحيل مع تفكك الاتحاد السوفياتي والكتلة الاشتراكية الشرقية، وتراجع دور كتلة دول عدم الانحياز.

قد فتح السلام المصري الاسرائيلي امام اسرائيل امكانية احتلال لبنان وتدمير المنظمة سنة 1982، وكانت حرب العراق - ايران المدعومة مصريا وخليجيا تلقي باثارها المدمرة على المنطقة وتستنزف طاقات العراق وايران معا. وتلا تلك الحرب احتلال العراق تحت حكم الرئيس صدام حسين للكويت، وما تلاه من حروب ومن طرد مئات الالاف الفلسطينيين من الكويت ودول الخليج، مما كان يعني تدمير عمق آخر من أعماق الدعم للثورة الفلسطينية. وكانت التراجعات في جنوب اليمن وليبيا والصومال واثيوبيا تزيد الوضع سوءا وتزيد من تشتت الائتلاف العربي والاقليمي المؤيد للاستراتيجية الفلسطينية باقامة الدولة المستقلة على اي جزي يتم تحريره او تنسحب منه اسرائيل.

*لقد تمت العودة والانسحابات اذا في ظل ظروف التراجع الكبير للحاضنة العربية والاقليمية والعالمية وفي ظل تدمير كامل للبنية العسكرية والتنظيمية والثقافية لمنظمة التحرير وفصائلها في لبنان. وتلك مفارقة عظيمة ما زالت تلقي بظلالها السلبية على امكانيات التحرر الفلسطيني وما زالت تعيق تحقيق التقدم في اقامة السيادة الفلسطينية وتحقيق الانسحاب الاسرائيلي الكامل.

نقطة الضوء والقوة الوحيدة التي انطلقت في ظروف التراجع كانت الانتفاضة الوطنية الفلسطينية الشاملة 1987، والتي نمت وتغذت على تاريخ طويل من المقاومة الفلسطينية في المناطق المحتلة 1967، كانت فصائل منظمة التحرير ومؤسساتها شريكة دائمة في تصاعد ذلك النضال وصناعة ذلك التاريخ وفي انتصاره على البدائل السياسية الاسرائيلية التي هدفت شطب منظمة التحرير الفلسطينية وشطب استراتيجيتها في اقامة دولة مستقلة.

في ظل هذه الظروف مجتمعة قامت امريكا بفرض رؤيتها السياسية على المنطقة والعالم وتم عقد مؤتمر مدريد لمفاوضات السلام، الذي شاركت فيه سوريا ايضا، ولم تتمكن سوريا من فرض رؤيتها بجعل المفاوضات عربية موحدة مقابل اسرائيل. هكذا تم تكريس ميزان القوى العالمي الجديد وصارت منظمة التحرير الفلسطينية في مواجهة سياسية مباشرة مع اسرائيل، اسرائيل المستفيدة من الوضع العالمي الجديد وتفرد الادارة الامريكية على الساحة الدولية.

*هذه هي شروط وظروف العودة والانسحابات الاسرائيلية، وشروط وظروف الاعتراف المتبادل بين اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. وقد عرفنا هذه التطورات باسم (اتفاق اوسلو). كان اتفاق اوسلو نتيجة حتمية للتدمير الذي لحق بالقوة الفلسطينية الثورية، ونتيجة للتراجعات في صمود الحاضنات العرببية والاقليمية والدولية للثورة الفلسطينية. لم يكن (اتفاق اوسلو) اذا خيارا مزاجيا على قائمة مطعم مدريدي فاخر يمكن استبداله بوجبة اخرى اكثر دسما واكثر فائدة لصحة الشعب الفلسطيني.

*كنت من بين منتقدي (اتفاق اوسلو) وبنوده وطريقة توقيعه، وكنت مع فئات واسعة تظاهرت ضد الاتفاق في فلسطين والخارج. لكن الاحداث على الارض كانت مستمرة ولم يعد من العقلانية في شيء التوقف عند بنود الاتفاق والاستمرار في تكريس القوى للحديث عنها واصدار المزيد من البيانات في ادانتها وادانة الاتفاق. لم يكن عقلانيا ولا مجديا الاستمرار في سياسة معارضة شبيهة بتلك السياسة المستمرة في معارضة قرارات كثيرة واتفاقيات كثيرة تمت بشأن القضية الفلسطينية ومن اشهرها قرار الوحدة/التقسيم الذي اعتمدته الامم المتحدة سنة 1947.

لم يكن (اتفاق اوسلو) بدون ايجابيات هامة، وقد ذكرت منها العودة والاعتراف الاسرائيلي والانسحابات الاسرائيلية، وانفراج الوضع الدولي الاوروبي خصوصا حول منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت مدرجة في قائمة منظمات الارهاب، مما يعني عدم الاعتراف بشرعيتها وبكونها ممثل لطموح شعب في الاستقلال.

واضيف على ايجابيات (اتفاق اوسلو) انه حقق للفلسطينيين تحت المواطنة الاسرائيلية مكسبا تاريخيا مزدوجا. يتمثل الاول في تحقيق شرعية الانتماء الفلسطيني علنا بما في ذلك رفع العلم الفلسطيني في اطار حدود دولة اسرائيل. ويتمثل المكسب الثاني بتحقيق الثبات في الوطن للفلسطينيين تحت المواطنة الاسرائيلية وحرية تواصلهم مع مشروع الدولة الفلسطينية. وقد راينا اثر تلك الماكسب في سياسة الحكومات الاسرائيلية الجديدة تجاه حقوق الفلسطينين في اسرائيل وتجاه تطوير بلداتهم ودورهم في النظام الاسرائيلي.

بناء على المكسب الاول فقد عدت مع رفيقي ابو سلامة رافعين العلم الفلسطيني على سيارته على طول الطريق من مسرح الحكواتي في القدس حيث كانت الاحتفالات باطلاق سراح الالاف السجناء عشية التوقيع على (اتفاق اوسلو) الى مدينة ام الفحم. كان العلم الفلسطيني يرفرف وتصادفنا قوات الجيش الاسرائيلي والشرطة الاسرائيلية وكانها مصابة بالذهول ازاء هذه المبادرة الابداعية المستفيدة من اجواء (اتفاق اوسلو).

*لم يكن (اتفاق اوسلو) مجرد خطأ او سلبيات في بنود اتفاقية يمكن تعديلها، وانما واقع تراجع عسكري وسياسي ودبلوماسي محيط بالوضع الفلسطيني كله. ولهذا السبب فقد اصبح عبثيا ادارة السياسية الوطنية المعارضة تحت شعار اسقاط (اتفاق اوسلو). لقد اصبحت المهمة المباشرة امام كل وطني فلسيطين هي مهمة العمل من اجل تثبيت كل الايجابيات التي شملها (اتفاق اوسلو) وتقليص كل السلبيات التي شملها الاتفاق.

ولقد كان الرئيس عرفات والموقعون على اتفاق اوسلو اول العاملين على تجاوز شروط (اتفاق اوسلو). فقد خلقت عود القيادة وبعض القوات الفلسطينية المترافقة مع انسحابات اسرائيلية، اجواء جديدة من التماسك الفلسطيني، ومن اللقاء المباشر بين كل تنظيمات العمل الفلسطيني على مستوى القيادات العليا. هذه الحيوية الفلسطينية الجديدة تسميها اسرائيل "خرق اتفاق اوسلو" وما زالت حكومة نتانياهو تحارب منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية والحكومة والدولة الفلسطينية وكل المؤسسات الفلسطينية السيادية، تحت شعار انها تقوم بالاخلال باتفاق اوسلو وكل اجواء التصالح والسلام.

*لقد تواصلت عملية البناء الفلسطيني في ارض الوطن رغم كل العدوانيات الاسرائيلية ووصلت الى مرحلة انتخاب مجلس تشريعي موسع، والى اجراء انتخابات دمقراطية نزيهة والى تحقيق عملية سياسية فريدة هي تطور البنية المؤسساستية التي تمت بناء على (تفاق اوسلو) الى درجة استقبال ومشاركة معارضي الاتفاق، بل والى مشاركتهم وفوزهم في الانتخابات وتسلم اسماعيل هنية ممثل حركة حماس رئاسة الحكومة الفلسطينية. اتوقف هنا وساكمل استعراض التطورات عموما وفي الداخل الفلسطيني تحت المواطنة الاسرئيلية .

Ghassan Fawzi
غسان فوزي، مناضل فلسطيني من أم الفحم
إرسال تعليق