الاثنين، 18 سبتمبر 2017

السلطة الفلسطينية والمزاوجة بين العمل السياسي والعسكري - د. رياض عبد الكريم عواد

السلطة الفلسطينية والمزاوجة بين العمل السياسي والعسكري 
د. رياض عبد الكريم عواد
تعيش القضية والسلطة الفلسطينية في ظل مجموعة من الازمات والتعقيدات والظروف المحيطة بها تجعل من امكانية استمرار هذه السلطة ومقدرتها على تحقيق اهدافها في اقامة دولة مستقلة على الاراضي الفلسطينية المحتلة في عام ١٩٦٧ ودحر الاحتلال الاسرائيلي ومستوطناته ومستوطنية امرا بالغ الصعوبة، تتمثل هذه الظروف الاربعة باختصار شديد في:
١) تنكر الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة لعملية السلام وسيطرة اليمين الاسرائيلي العلماني والتوراتي على الحكم في اسرائيل.
 ٢) توسع الاستيطان في الضفة الغربية وتغول المستوطنين واعتداءاتهم المتكررة وتحويل حياة الفلسطينيين، خاصة في مناطق ج و ب الخاضعة للسيطرة الامنية الاسرائيلية الى جحيم. 
٣) عزل قطاع غزة عن الضفة الغربية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وانقسام السلطة الفلسطينية من خلال سيطرة حماس على قطاع غزة منذ احد عشرة سنة. 
٤) تردى الوضع العربي كثيرا بعد ما سمي بالربيع العربي الذي أدخل كثيرا من الدول العربية وخاصة المركزية منها في أزمات داخلية مركبة، وتغير اولويات هذا النظام واعتبار العديد من دوله ان ايران هي العدو الاول بدلا من اسرائيل، واستعجال العديد من هذه الدول بتطبيع علاقاتها مع اسرائيل.

يستشهد كثير من الكتاب والمثقفين والقوى السياسية بثلاث امثلة بارزة في مجال الموائمة بين المقاومة العسكرية والعمل السياسي:

اولا، تجربة الشهيد ياسر عرفات
بعد ان شعر الشهيد ياسر عرفات بمماطلة حكومات اسرائيل في التوصل معه الى تنفيذ اتفاقيات اسلو، وأيقن انهم يستخدمون هذه المماطلة في المفاوضات لمنع تحقيق الاهداف الفلسطينية، غض الطرف في نهاية تسعينيات القرن العشرين، كما تقول اسرائيل، عن عمل المنظمات العسكرية الفلسطينية، واستخدم سياسة ما سُمي "بالباب الدوار" مع قادتها وكوادرها، يعتقلهم نهارا ويفرج عنهم ليلا، وصولا الى اتهامه من قبل اسرائيل بانه كلف احد المقربين منه لشراء اسلحة وتوريدها الى قطاع غزة على ظهر السفينة كرين A.

تطور هذا الدور اثناء الانتفاضة الثانية، تحت ضغط ممارسات اسرائيل وتعدياتها المتكررة، حيث كان للشهيد عرفات دورا واضحا في تأجيج هذه الانتفاضة، والزج بالسلطة وتنظيم حركة فتح وابناء الاجهز الامنية في خوض معركة الانتفاضة الثانية، مستخدمين اسلحتهم الرسمية كما قالت اسرائيل، بالاضافة الى ما كان يتم تصنيعه داخل مؤسسات السلطة الوطنية من اسلحة وذخائر مختلفة. إن معظم شهداء وجرحى هذه الانتفاضة كانوا من ابناء الاجهزة الامنية.
ثانيا، تجربة غزة
استطاعت الفصائل الفلسطينية واجنحتها العسكرية، مراكمة قوة عسكرية مسلحة تسليحا جيدا، وصولا لتصنيع الصواريخ وقذائف الهاون والذخائر العديدة، وبناء مواقع عسكرية ثابتة، وحفر العديد من الانفاق وبذل جهود جبارة في مختلف المحالات العسكرية، نالت اعجاب ابناء الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، حيث تصاعد التأييد لفصائل العمل المسلح الفلسطيني، ورأت الجماهير في هذا الطريق، السبيل لاعادة احياة مجد المقاومة الفلسطينية المسلحة، وتحقيق اهداف الشعب الفلسطيني في تحرير وطنه.
ثالثا، تجربة حزب الله
لا يهدف هذا المقال الى دراسة وتقييم تجربة حزب الله ولكن يهدف الى نقاش هل هذا النموذج من المقاومة من الممكن ان يتوفر للشعب الفلسطيني في الاراضي المحتلة؟ وهل هذا النموذج ملائم لظروفنا وامكانياتنا؟.

ان الجميع يعرف ان مقدرة حزب الله العسكرية والتسليحية لم تكن لتتحقق لولا وجود ايران كحليف استراتيجي لهذا الحزب، تتعامل معه كاحد ادواتها الاقليمية لتحقيق اهدافها الاستراتيجية، كما لا يمكن ان ينسى احد الدور اللوجستي الهائل الذي لعبته سوريا في توصيل المعدات والسلاح والتدريب الى هذا الحزب.

لقد استطاع هذا الحزب ان ينتصر على اسرائيل ويدحرها من جنوب لبنان بالتعاون مع كل فصائل المقاومة اللبنانية، ثم خاض حرب دروسا في جنوب لبنان في عام ٢٠٠٦، تصدى فيها لالة الحرب الاسرائيلية واوقع فيها خسائر هائلة وصمد صمودا اسطوريا، كانت نتيجته اتفاق هدنة طويلة مع اسرائيل، تحولت فيها الحدود اللبنانية الاسرائيلية الى حدود امنة، دون ان ننسى الدمار الهائل والخراب الذي احدثته الة الحرب الاسرائيلية في لبنان، والتي دفعت الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الى ان يدلي بتصريحه الشهير حول هذه الحرب.
لقد استطاع حزب الله ولاسباب كثيرة، منها التوازنات الاقليمية، ان يفرض برنامجه على الساحة اللبنانية، بعد ان عطل الانتخابات الرئاسية لشهور طويلة وفرض شروطه والرئيس الذي يريد على الكل اللبناني.

الخلاصة
ان الاستعراض السريع للتجارب العسكرية الثلاث، والتي ينصح الكثيرون السلطة الوطنية بان تتبنى استراتيجية المزاوجة بين السياسة والعمل والعسكري، من خلال تبنى احد هذه النماذج، من اجل تعديل موازين القوى ولارغام اسرائيل على الانصياع للمطالب الفلسطينية المشروعة، ان هذا الاستعراض يبين بوضوح ما يلي:

ان العمليات التفجيرية داخل اسرائيل واستدراج اسرائيل للسلطة الفلسطينية في عام ٢٠٠٠ ودفعها، مجبرة، الى عسكرة الانتفاضة، لاسباب ذاتية وموضوعية، هو احد الاسباب التي ادت الى الانقلاب في وجهة نظر المجتمع الاسرائيلي وتصاعد تأييده لحكم اليمين الصهيوني، الذي انتهز الفرصة وانقض على السلطة الفلسطينية ودمر بنيتها التحتية ومؤسساتها الامنية والمجتمعية وشتت كوادرها. إن هذا هو السبب الرئيسي الذي اضعف السلطة وجعلها لقمة سائغة للاخرين، وأدى الى كل النتائج التي ترتبت على ذلك، خاصة في قضية انقسام وفصل قطاع غزة عن حاضنته الوطنية.

ان تجربة غزة العسكرية، وبناء على اعتراف الكثيرون، بما فيهم اصحابها، بان "المقاومة لم تعتد تستطيع ان تقاوم"، وان ثلاثة حروب اسرائيلية متواصلة على قطاع غزة، اضافة الى الحصار الاسرائيلي الظالم، بحجة المقاومة واستخدامها للمواد المستوردة في تصنيع الاسلحة، قد حول قطاع غزة الى مكان تنعدم فيه الحياة، وينتشر بين العديد من شبابه اليأس والتطلع الى الهجرة او الانتحار والادمان على المخدرات.

وفي هذا الاطار فان الدعوة الى تصعيد العمل العسكري داخل الضفة الغربية، بعد الصعوبات والانسدادات التي يواجهها في غزة، هو دعوة للمستوطنيين وجيشهم المسلح الجاهز، لتنفيذ مخططاتهم في التنكيل في الفلسطينيين هناك، وتحويل حياتهم الى جحيم، كمقدمة الى طردهم او تهجيرهم.

أما تجربة حزب الله، فالجميع يعرف اننا في الساحة الفلسطينية ليس لنا حلفاء استراتيجيين بقيمة الحليف الايراني والسوري لحزب الله، يقبل بان تكون اراضيه وامكانياته المادية والبشرية قاعدة ارتكاز ثورية، تحمي الثورة وتمدها بكل مستلزمات القوة والسلاح والامتداد الجغرافي والصمود الاستراتيجي. كما ان هناك الكثير من العرب واللبنانيين يشككون في جدوى تجربة حزب الله للبنان والمواطن اللبناني وامنه ومستقبله، ويتهمون حزب الله بانه اداة لتنفيذ ايران لمخططاتها الاقليمية.

ما العمل ؟
ان تركيزنا على هذا الموضوع لا يعني يأسنا من امكانياتنا وركوننا لضعفنا، ولا يعني انني لا نمتلك كثيرا من عناصر القوة، التي تتلائم مع واقعنا وظروفنا، والتي إن أحسنا استخدمها، بواقعية وثبات ومثابرة، سيكون لها دورا هائلا في تعديل موازين القوى وتحقيق اهدافنا الوطنية في الحرية والاستقلال:
  • اولا، التمسك بالسلطة الوطنية وتعزيزها وتطويرها وتخليصها من العناصر الفاسدة
  • ثانيا، انهاء موضوعة انقسام وانفصال غزة السياسي، والعمل على ان تعود غزة الى حضن الوطن كذراع اساسية من السلطة الوطنية.
  • ثالثا، تصعيد المقاومة الشعبية الواسعة السلمية في كافة اماكن تواجد الفلسطينين وجعل ذلك جزءا من حياتهم وبرامجهم اليومية.
  • رابعا، تعزيز كل اشكال النضال السياسي والدبلوماسي داخل وخارج فلسطين.
ان شعبنا الفلسطيني لا يستطيع ان يتبني احد هذه النماذج، الانفة الذكر، تحت مسمى المزاوجة بين العمل السياسي والعمل العسكري، لان هذا الطريق قد جربناه وعرفنا نتائجه المدمرة وتكلفته العالية ومردوده السلبي، كما ان هذا الطريق هو دعوة لاسرائيل لتنفيذ سياساتها اليمينية المتطرفة في تدمير سلطتنا وشعبنا ومقدراتنا، وتهجير شعبنا وفقا لامنياتها ومخططاتها الجاهزة.

ان التمسك بالسلطة الوطنية، وطريق المقاومة الشعبية السلمية والنضال الدبلوماسي الجاد، هو الطريق الوحيد الملائم لظروفنا الموضوعية وامكانياتنا الذاتية، والسبيل الوحيد لتغيير موازين القوى وتحقيق اهداف شعبنا في الحرية والاستقلال.
إرسال تعليق