الأحد، 3 يونيو 2018

السلطة الوطنية بين الشيطنة والولولة والتشكيك - د. رياض عبدالكريم عواد


السلطة الوطنية بين الشيطنة والولولة والتشكيك 
د. رياض عبدالكريم عواد
يتجلى موقف العديد من الاطراف الفلسطينية المتناقضة خلال أي حراك نضالي او سياسي فلسطيني باحدى هاتين الطريقتين:
اولا، الولولة والتشكيك والتبشير بالهزيمة القادمة، التي ستقع لا محالة، ليس بسبب صعوبة الاوضاع وقوة المشروع الصهيوني وحجم التأييد الدولي من حوله، بل بسبب تآمر السلطة الوطنية على هذا النضال والعمل على افشاله ومنع اي تضامن شعبي معه!!!
ثانيا، التبشير بالتنازلات المجانية التي ستقدمها السلطة للطرف الاسرائيلي او الامريكي، هذه التنازلات، التي يحذرنا العديد منها منذ عشرات السنين، لو جمعناها لن نجد ارضا ولا شعبا ولا قضية نناضل من اجلها. طبعا لا ينفكون من تذكيرنا ان هدف هذه التنازلات هو استمرار بقاء السلطة الفلسطينية، التي لا لزوم اصلا لها ومن اجل استمرار ابو مازن متشبثا بكرسي الرئاسة؟!

تجلى هذان الموقفان بصورة واضحة خلال اضراب اسرى الكرامة وزيارة ترامب للمنطقة. حيث لم ينفك هؤلاء لحظة واحدة عن توقع الهزيمة لهذا الاضراب ، طبعا ليس بسب اجراءات العدو، ولكن بسبب مواقف السلطة المتخاذلة؟! كما انهم لم ينسوا ان يعيدوا على مسامعنا قائمة التنازلات التي سيقدمها الرئيس ابو مازن لترامب من اجل ان يقابله فقط!!. لكن عندما انتصر الاسرى بأمعائهم الخاوية وهزم الكف المخرز، احتفلوا بالنصر ونسوا ما كانوا يبشرون به من هزيمة حتمية لهذا النضال. وعندما انتهى لقاء الرئيس مع ترامب، لم نعد نسمع عن هذه التنازلات التي قدمها الرئيس.

هذه الولولة والتشكيك والشيطنة قد تكون مفهومة عندما تمارسها تنظيمات الاسلام السياسي لانها لا تخفي تناقضها مع كل المشروع الوطني، وتطرح نفسها بديلا جاهزا لهذا المشروع، كما انها على استعداد لاستخدام كل الوسائل، المشروعة وغير المشروعة، لتحقيق هدفها، دون اي مراعاة لمصالح الناس او رغباتهم.

يقوم بهذا الدور بعض الافراد والقوى السياسية والمراكز البحثية التي من المفترض فيها ان تكون امينة مع متطلبات البحث العلمي الذي يتطلب الموضوعية والعلمية والواقعية، ولكن للاسف نجد بعضهم يحيدون عن هذه الشروط، ويفضلون مصالحهم، التي قد تتطابق من قريب او بعيد مع مصالح الممولين، التي في كثير منها تتناقض مع مصالح شعبنا الوطنية.

كما قد يمارس بعض الغاضبين في الاطار الوطني هذه الولولة والتشكيك في حال المس ببعض مكتسباتهم التنظيمية او المالية؟! دون ان يعيروا ادنى اهمية للحظة السياسية، ويفرقوا بين المناكفات التنظيمية المزمنة وبين ضرورة انحيازهم السياسي لسلطتهم، التي حققوا من ورائها الكثير من المكاسب الوطنية والشخصية. إن بعض هؤلاء هم من اليائسين والمذعورين قلقا على مصالحهم الأنانية الضيقة وأوهامهم حول دورهم ومواقعهم القيادية.

ان من أخطر ما يرتكبه المولولون والمبشرون باليأس والهزيمة المحتومة هو إعفاء الأعداء التاريخيين للشعب الفلسطيني من جرائمهم وممارساتهم وضغوطهم ومؤامراتهم وحصارهم لسلطتنا الوطنية وأبناء شعبنا الصامد..وتركيز النيران كلها على م ت ف والسلطة وقيادتها ومطالبتها بتحقيق المعجزات أو الإستسلام وإخلاء الطريق لخطهم الإنهزامي المشؤوم.

ان التشكيك والولولة المتواصلة تهدف، بوعي او بدون وعي، الى الرفض والتشكيك بمنظمة التحرير الفلسطينية وقواها وفصائلها وبرنامج الاجماع الوطني الفلسطيني..برنامج الحرية والاستقلال...وهذا أيضا يعادل التشكيك في إرادة وتصميم وتضحيات أبناء شعبنا في الداخل والخارج. وصولا الى تعرية النضال الفلسطيني من حاضنته الوطنية، حتى يسهل الاستفراد بكل حلقة من حلقات هذا النضال وايقاع الهزيمة بها.

ان هذه الطريقة من النقد ومن التعامل مع الوضع الفلسطيني لن يكون ذو فائدة الا في تعميق الاحباط الذي اصاب شريحة واسعة من ابناء المجتمع، وتكثير جبهة المولولين والمشككين، الذين يبحثون عن استيراد قيادة جديدة لشعب اخر غير موجود في الواقع.

كما سيؤدي هذا النهج من الانتقاد الخاطئ الى تزييف وعي الاجيال الجديدة، ويدفعها للبحث عن التطرف، الذي ستجده بالتأكيد عند اصحاب الشعارات الكبيرة.

ان استمرار الولولة والتشكيك والتبشير بالهزائم، ليس هو الطريقة الصحيحة دائما لتقييم الوضع الفلسطيني وما يعتريه من صعوبات ومعضلات. لا شك اننا نعيش في ظرف صعب، اولا نتيجة قوة العدو وتحالفاته، هذا العدو المدعوم عالميا، والذي نفخر كشعب، اننا نواجهه وهو في أوج انتصاره كما قال الحكيم يوما. ان انهيار الوضع الدولي وفقدان الحليف الاشتراكي، بالاضافة الى تدمير الدول العربية الاساسية، والتهاء ما تبقى منها في مشاكلها المعقدة، كل هذا ادى الى ضعف الوضع الفلسطيني وأفقده كثيرا من مقومات قوته، ثانيا. هذا بالاضافة الى انعكاس ما قامت به حماس في ٢٠٠٧ واستيلائها على السلطة في غزة، وما ترتب عن ذلك من اضعاف للسلطة الوطنية، مما زاد الطين بلة كما يقولون، ثالثا.

ان كل هذا لا يعني، ولو للحظة، ان يتوقف المثقفون والسياسيون والتنظيمات ومراكز البحث عن تأدية دورهم الهام في النقد البناء للسلطة ومؤسساتها المنطلق من الحرص على مكتسبات الشعب الفلسطيني التي حققها عبر عقود من الكفاح ودفع ثمنها من أرواح ودماء أبنائه..وبين تحويل النقد الى معول هدم للتشكيك في قدرة الشعب الفلسطيني وفصائله المناضلة وسلطته الوطنية على الصمود والثبات وتحقيق المنجزات ومراكمة المكتسبات النضالية والمضي قدما لتحقيق هدف شعبنا المقدس في الحرية والاستقلال. ان من حق وواجب الكل الوطني مراقبة السلطة، ونقد مواقفها ومحاولة تصويبها وتطويرها، لكن طبعا دون شيطنتها وهزيمتها، وصولا الى تعرية الشعب الفلسطيني من حاضنته السياسية والاجتماعية، وتدمير اهم انجاز فلسطيني، وكأن هناك ثأر قديم بين هؤلاء السياسيين وهذه السلطة!!!

كما يجب ان تعمل السلطة الفلسطينية على تحسين ادائها، واختيار الشباب والمناضلين لتبوأ المناصب القيادية، واتباع سياسة اعلامية يقوم عليها كفاءات، تستطيع من خلالها تعبئة الشارع حول مشروعها الوطني. من الواضح انه رغم اتساع القاعدة الشعبية المستفيدة من السلطة والتي تتطابق مصالحها معها، الا ان عدد المدافعين عن هذه السلطة لا يتناسب مع حجم هذه المصالح وهذه الفائدة؟!.

اننا كشعب فلسطيني مستمرون في نضالنا الشعبي ومقاومتنا السلمية ضد الاحتلال الاسرائيلي، وما ينتج عنه من استيطان واسرى وتهويد للقدس وتدنيس للاقصى وجدار وحصار ومصادرة للاراضي والمياه والهواء ومن بناء للجدار وانشاء للطرق الالتفافية التي تخنق مدننا وقرانا.

ان استمرار السلطة الوطنية في ترسيخ وتعميق وقوة تواجدها على الارض، من خلال بناء المزيد من المؤسسات الوطنية، ودعم وجود وصمود الشعب على ارضه، يعتبر حاجة ضرورية موضوعية لاستمرار هذا النضال بمختلف اشكاله، وصولا لتحقيق اهدافنا في دحر الاحتلال البغيض واقامة الدولة المستقلة.
إرسال تعليق