الاثنين، 10 سبتمبر 2018

"أبواب و مفاتیح" للكاتبة سوزان دروزة - بشير شريف البرغوثي

"أبواب و مفاتیح" للكاتبة سوزان دروزة 
بشير شريف البرغوثي
"أبواب و مفاتیح" للكاتبة سوزان دروزة
أھي الروایة الأولى ؟ إن لم یكن لھا ما قبلھا فحتماً سیكون لھا ما بعدھا  و قد قیل قدیما أنه إذا كان أول الكلام مفتاحاً فإن آخره قفلٌ علیه كستارة مسرح یفتح عنوان الروایة قلب لقاريء على تفاصیلھا دفعة واحدة ... أجل ھي نابلس و الراویة البطلة تلتقط المشھد بسرعة ثم تدلف بالقاريء إلى تفاصیل الأزقة تماما كما یحصل  في حالة التداعي الحر للمعاني و الذكریات حیث الومضة الأشد التماعا و توھجاً في الذاكرة تندفع إلى الواجھة فتخطف عین القاريء.

لا مجال في ھذه الحالة لترتیب الأحداث حسب تسلسلھا الزمني فالمھم ھو الأخادید التي حفرتھا  تلك الأحداث في الذاكرة قبل أن تنساب حروفھا في شرایین الأبجدیة. و ھكذا أتت الروایة ماتعة  لي كقاريء و إن لم ترق لبعض النقاد الذین ظنوا أن الخروج على النسق الزمني مثلبة للنص و ما ذلك بصحیح.


سوزان دروزة
صحیح أن الروایة ھي تأریخ من لم یؤرخ المؤرخون لھم , ما یوجب مراعاة عامل الزمن, لكن أي راویة – و لا أقول أي كاتب – لا یملك القدرة على ضبط إیقاع الزمان و المكان و حركة الإنسان على الوتیرة ذاتھا, ناھیك عن أن الحیاة المعاشة نفسھا لا تلتزم ببناء أحداثھا نقطة وراء نقطة.
الإبداع لیس تفكیرا خطّیاً یتم فیھ بناء الخط المستقیم نقطة نقطة كالسفر على الراحلة, بل إن الإبداع تحلیقٌ بطائرة تجعل خط الأفق المنحني أقصر زمنا في سباق الأحداث
ھناك دائما أحداث من الماضي تسبقنا إلى مستقبلنا, و حین نصل لحظة المستقبل نجد تلك
الأحداث أمامنا و في انتظارنا كي تتحكم رغما عن إرادتنا في طریقة تجاوبنا مع وقائع نفترض نحن, و یفترض الزمان أنھا خارج سطوة ذاكرة الفعل الماضي.

الراویة في " أبواب و مفاتیح " تروي و لا تسرد, و ھي اختارت الروایة لا كإطار فني فقط بل كأسلوب في المعالجة. إن قص القصص یعني تتبع الأثر كما ھو على رمل الذاكرة لا بناءه من على غیرما مثال سابق. 

لقد قرأت روایة " أبواب و مفاتیح " دون إیلاء أي اعتبار لكونھا الروایة الأولى لسوزان  دروزة, فالروایة لا تشي بذلك إن لم یكن لدى القاريء علمٌ مسبق به .
أما الأسلوب اللغوي فقد جاء عابراً و متخطیا لمشكلات اللغة الفصحى و المحكیة, ذلك أن لسان العرب یعتبر اللھجة المحكیة لغة, لكن السؤال ظل ماثلا منذ أمد بعید حول ما إذا كان الأولى بالراوي أني لتزم الفصحى أم لا, و قد أجاب كثیرون بأن الروایة الواقعیة لا تحتمل مثلا أن نجعل أمّاً أمیّة تحاور ابنتھا في البیت بلغة سیبویھ و لا الخلیل. ھذا سینطوي على مبالغة تفقد النص مذاقھ الواقعي, و لا مھرب من ھذا المأزق إلا بتجنب الحوار و جعل الراوي ھو البطل الذي یدیر حبكة النص و عقدته و ذروته.
ھنا أحسنت الكاتبة صنعا, حیث أن الراویة , ھبة , تستعمل لغة بسیطة أقرب إلى الفصحى إلا حین یغلبھا الإنفعال أو تسارع الأحداث فتمیل عندئذٍ إلى اللغة المحكیة و لكن غیر الموغلة في محلیتھا.
أما الأم فكانت لغتھا محكیة في معظم احادیثھا إلا حین تتحدث عن مشاعر وطنیة فتعیرھا الكاتبة إلى ما یعبر عن عمق العاطفة الوطنیة و تطورھا عند أغلبیة أبناء الشعب الفلسطیني.
و قد عشنا في فلسطین أمثلة لا تعد و لا تحصى لأمھات أمیّات لكنھن عند زیارة أبنائھن في السجون و في المواقف الرسمیة یقلدن لغة أبنائھن و بناتھن بكل إتقان .. و لعل مرد ذلك محاولة التكیف مع البیئة العامة, أو حتى الإحساس بالزھو لأنھا ھي التي علمت إبنھا أو ابنتھا كیف یتقن الفصحى.
ھكذا جاءت اللغة سلسة بلا تعقیدات أو غرابة, و أما بعض ما قیل إنھ ھنات نحویة فقد جاء نتیجة سرعة الإیقاع في بعض المواقف و من منا لا یقع في أخطاء نحویة في غمرة اندفاعھ في الحدیث عن موضوع كارثي؟ لا ضیر في ذلك بل إنھ مناسب للجو العام الذي یخلو من التكلف أیا كان نوعھ. ھذا ھو واقع الحال و ھذه ھي اللغة المناسبة لفتاة حدیثة التخرج و غیر متخصصة في اللغة العربیة, فالراویة درست تخصص تربیة الطفل و لیس اللغة العربیة و ھكذا فاللغة مناسبة للإطار العام للشخصیة
أما من حیث المعالجة فقد عبرت الكاتبة عن المكان و حركة الإنسان فیھ و علاقتھ بھ ضمن حبك مستقل لكل مكان حسب نوعیة المثیرات النفسیة التي یثیرھا المكان و حسب نوعیة استجابة الإنسان المتحرك في المكان مع ھذه المثیرات نفسیاً و حركیا و قد جاء التصویر واقعیا تماما و لو أردنا أن نصور مشاھده سینمائیا ما احتجنا سیناریو و ل إعادة صیاغة للنص حتى الفرش نعرف أنھا اسفنجیة و حتى السریر الیتیم في المدرسة نعرف حالتھ العامة و المسامیر تجعلنا نكاد نمسح أیدینا من الصدأ و نحن نقرأ وصفھا.
و بقي مفھوم الوطن ھو الرابط الذي محل المقارنة الأول أثناء التنقل .. كیف یعطینا المخیم ما لم یمنحنا الوطن؟ الوطن بمفھومھ العاطفي المبدئي أو حتى الرومانسي و لیس بمفھومھ المادي أو التملكي أو المنفعي, و ھذا حقا حال العلاقة بین الفقراء الذین یقدمون كل شيء من أجل وطنٍ لا یمنحھم أي شيء. إنھا علاقة الحاجة إلى الإنتماء لا علاقة الحاجة حتى عندما تكون الحاجة غولا یلتھم الأجساد الأكثر ضعفا والأشد عرضة للإنكشاف أمام عوادي الزمن. مخاوف لم تعلنھا الأم المكافحة إلا بعد أن جازت بناتھا مرحلة الخطر دون أن یتنازلن عن شيء من كرامة أو انتماء حتى لو كان كل ما لدیھن حلم بعید و لا تخلو القصة من بعد تعلیمي لم تشأ الكاتبة أن تضعھ في أسلوب وعظي أو تلقیني مكتفیة بتقدیم نموذج أخلاقي للفتاة المكافحة كما تراھا. لم تركز على اللباس و المظھر بل على مناسبته للحالة الإجتماعیة و المادیة للفتاة مثلا مظھرة نوعا من القناعة و عدم الغلو في الإستھلاك بل إنھا لم تقدم نماذج للفتاة المترفة. كذلك تباھت الأم بما أنجزتھ من تربیة أبناء یعیبھم شيء من ناحیة قیمیة أو أخلاقیة حتى حین یستباح كل شيء و حین ینعدم وجود المفتاح و الباب كرمزین متلازمین للضبط و الإنفتاح ھنا تظھر الكاتبة مقدرة عالیة على فھم العلاقات الأسریة في مجتمعنا العربي بعامة و الفلسطیني بخاصة حیث أثبتت تجارب علم النفس العلاجي أن الأسرة عندنا تترابط لا بحكم الحاجة إلى الإعتماد المتبادل مادیا بل بحكم الحاجة إلى الإنتماء أولا.

 لیس مھما من یؤمن الدخل اللازم للحیاة و لا مظاھر للتمنن بین الأخوات بل ظل الإنتماء الوجداني ھو المسیطر على فضاء الأسرة. و كما في واقع الحیاة تأخذ الأخت الكبرى دور الوسیط مع الأم حین تحتاج الفتاة إلى الحدیث عن موضوع محرج لھا.
و خلافا لما عھدناه في كثیر من منتجات الأدب النسوي – كما یسمیھ البعض- فإننا نجد العلاقات ھنا قائمة على التكامل لا على التنافر..لا مجال لصراع جنسوي بین الرجل و المرأة – مع أن الكاتبة لو أرادت ذلك لخاضت لججھ بكل ما یسمح لھا بھ فضاء النص و عقدتھ و ذروتھ. لا ھجوم على الأب الذي تركزوجتھ تكابد الأعباء بمفردھا بل إن الراویة تكاد تتخذ موقفا محایدا .. تورد التفاصیل و تترك الحكم القیمي للقاريء دون تلقین و لا وعظ !

العقدة المزدوجة ھنا ھي مع الإحتلال و مع الفقر و قد شكلا محور التناقض الرئیسي المزدوج في الحیاة حد الإنغماس بما لا یسمح بأي صراعات أو تناقضات ثانویة.
أما النھایة ! فھي مفتوحة على احتمالات الحیاة الجدیدة و على تجدد الأشخاص و النماذج في مدار الحیاة حیث عزیزة الطفلة الغریبة تحل محل الأم الراحلة في إشارة تشي بأن المھم ھو الإنتماء و استمراره و تجدده و لیس الإعتماد المادي المتبادل.
كثیرون یقولون إنھم یقرأون روایة جدیدة كي ینفعلوا بھا و ھذا صحیح منذ أرسطو و حتى الیوم حیث أن التعلیم و التطھیر أو التقمص الذي یؤدي إلى النشوة أو الألم تشكل دوافع للقراءة, فإن وجد القاريء نصا یتجاوب معھ فإنھ یواصل القراءة... ھذا عمل یستحق القراءة!

بشیر شریف البرغوثي

2018 /19/8

إرسال تعليق