الأحد، 7 أكتوبر 2018

الشباب والواقع السياسي والتنظيمي - د. رياض عبدالكريم عواد

الشباب والواقع السياسي والتنظيمي  

د. رياض عبدالكريم عواد
رغم ما يكابده الشباب في بلادنا من أوضاع معقدة، اجتماعيا وسياسيا، تفتقد لأدني أمل وانغلاق تام لأي آفاق مستقبلية، بالإضافة إلى هذا الواقع الذي يتميز بالضياغ والخوف والشك وانعدام اليقين بأي حقيقة على الارض، والبحث عن حلول فردية وهجرة عبر البر او البحر، لا فرق. رغم كل هذه الأوضاع المأساوية على صعيد الأفراد والمجموع الوطني، الا أن الشباب مازال هو عماد كل حراك وطني، سياسي كان او اجتماعي، وهم الوقود الذي يتم استخدامه لأهداف صحيحة تارة، وأهداف غير واضحة مرات كثيرة. فهم الشهداء وهم الجرحى وهم الاسرى وهم مبتوري الاقدام، الذين أصبح وجود هؤلاء بيننا، علامة فارقة على بؤس وتردى أوضاعنا بمختلف جوانبها المعيشية والإنسانية والسياسية والقيمية.
 جراء نقص الأدوية... جرحى غزة ينزفون ألماً
حاول الشباب مرات عديد أن يكون لهم أصوات مميزة وحركات مستقلة تعبر عن طموحهم وطموح مجتمعهم، بالعيش حياة كريمة تتوفر فيها أدنى مقومات الحياة.
تقدم الشباب الصفوف محاولين أن يكونوا الصوت المستقل المعبر عن المجتمع، في ظل تراجع دور التنظيمات والأحزاب وتردي اوضاعها التنظيمية وغياب رؤيتها الوطنية الواضحة.
ورغم ما واجهه هؤلاء الشباب من قمع مباشر لحراكهم من خلال الاستدعاءات والاعتقالات بين صفوفهم، وتقديمهم لمحاكمات تفرض عليهم غرامات مادية باهضة، بعد رحلة طويلة مقصودة من الذهاب والإياب المتكرر للمحاكم، لارهاقهم وتعظيم خسارتهم المادية، في ظل فقرهم وحاجتهم، حتى لسيجارة من النوع الرديء ينفثون دخانها في هذا الأفق المغلق، لعلها تخفف شيء من حنقهم، على كل من ظلمهم.
رغم كل هذه الطاقة الجبارة التي يمتلكها الشباب، والمقدرة العظيمة على العطاء والتضحية الا أننا نود مناقشة "قضيتين فقط" لهما علاقة بنضال الشباب في هذه المرحلة.
الاولى: تردي الوعي التنظيمي
فشلت التنظيمات الوطنية بأن تكون الوعاء الوطني الذي ينخرط داخل بوتقتها الشباب، ويفجر من خلالها طاقاته الكامنة. كما فشلت هذه التنظيمات في الاستفادة من هذه الطاقات وتهذيبها وتطويرها وتوجيهها في الاتجاه الصحيح.
ترافق هذا القصور الفصائلي، مع سيادة نظرة سلبية من الشباب تجاه هذه الفصائل، ونفور واضح منها وعدم قناعة بها وبدورها السياسي والاجتماعي، والنظر لهذه التنظيمات وأعضائها نظرة سلبية، وتوجيه تهم مختلفة لها ولاعضائها، واتهامهم بالمصلحية والارزقية والتكسب على حساب الصالح العام.
كما يتهم الشباب هذه التنظيمات بأنها تحاول تجيير نضالاتهم لمصلحتها واهدافها الحزبية، واستغلالهم بعيدا عن المصلحة العامة بصفة عامة، ومصلحة واحتياجات الشباب بصفة خاصة.
وجهات النظر التالية تبين موقف بعض الشباب من التنظيمات، حيث يتهم أحد المعلقين الفصائل بأنها "هي التي ضيعت القضية، وباتت تبحث عن الحكم، وتعتاش على الفساد.....". ويضيف أخر "الفصائل يحركها المال السياسي النجس، وهي تتسم بالغباء، ولا تتعلم من التجارب، ولن تتغير، وقودهم دماء هذا الشعب المغلوب على امره....".
أن هذا الواقع الفصائلي والشبابي أدى إلى بهتان فكرة التنظيم وتشوشها في عقول الشباب، مما أدى إلى عدم إقبال الشباب على الانتساب لهذه الفصائل، وعدم مقدرتهم في نفس الوقت على خلق أطر شبابية فاعلة وقادرة ومستقلة تمثلهم وتعبر عن مصالحهم واحتياجاتهم، وتعمل على تطوير مفاهيمهم، وتصقل خبراتهم النظرية والعملية.
أن هذا الواقع أدى إلى سيادة روح الفردية والأنا بينهم، وبروز مظاهر الشللية والتكتلات المبنية على اسس شخصية، مما عمق الاختلافات والتنافر والتنافس اللامبدئي بينهم، الذي لا علاقة له بالاختلاف في المفاهيم او أساليب العمل.
لقد تعمقت هكذا مشكلة العمل التنظيمي بين الشباب، فلا الأحزاب قادرة على احتوائهم، ولا هم قادرين على خلق حركات او مجموعات مستقلة وفاعلة تستطيع أن تمثلهم وتحميهم وتحمي مصالحهم، مما جعلهم عرضة من جديد للاستغلال البشع من كل حاو ومغتصب، مستغلا فقرهم وحاجاتهم وضعفهم وقلة حيلتهم.
ان استمرار عزوف الشباب عن العمل التنظيمي، على اسس وطنية وسياسية واضحة، بالإضافة إلى عدم مقدرة الفصائل على الاستفادة من طاقات الشباب والزج بهم إلى صفوفها القيادية الأولي، يشير إلى ضعف نضالية هذه الفصائل، وعدم مقدرتها على تمثيل مصالح مختلف الفئات الاجتماعية، وتفاقم مشكلة عدم وجود الشباب بين قيادات الصف الأول.
أن تهميش الشباب وعدم الاهتمام بقضاياهم، اضافة الى القمع وانعدام الحريات أو ضعفها، يدفع بشريحة واسعة من الشباب الى الانطواء والانسحاب من المجتمع والانغلاق على الذات، والبعد عن التنظيمات، والتفرغ لمشاكلهم وقضاياهم الخاصة. كما يدفع هذا الواقع بآخرين إلى التطرف اللفظي وحتى العملي، والبحث عن أشكال مختلفة لتفريغ طاقاتهم، بشكل سلبي في غالب الأمر. بينما يتجه بعض ذوي الخبرة والتجربة منهم "للتنطيط" من فصيل إلى آخر، مستخدمين طول ألسنتهم ومقدرتهم على الفهلوة، وعلاقاتهم السابقة في البحث عن مصالحهم، والوصول إلى مواقع متقدمة في هذا التنظيم او ذاك.
ان هذا يفسر تردي وضعف مستوى بعض القيادات والكوادر في كثير من التنظيمات، كما يفسر ما طرأ على هيكلية قيادات معظم التنظيمات السياسية من تشوه بوصول شخصيات، اقل ما يقال فيها انها غير وازنة، الى تبوأ الصفوف الاولى. ان هذه الاوضاع تساهم من جديد، بشكل واضح، في عزوف الشباب عن الالتحاق بتلك التنظيمات.
ان ظهور أشكال مختلفة من الاقصاء الى الوصاية الى الاستعلاء الى الفردانية الى الشللية الى الانانية .. ثم الى الانسحاب نهائيا من المجتمع، والانغلاق على الذات ..كلها صورة موجودة بين الشباب تؤدي الى تعميق الهوة بينهم وبين ان يكون لهم ذلك الدور المأمول في المجتمع.
الثانية: ضعف الوعي السياسي
تؤكد التجربة، الشخصية والعامة، أن الأحزاب والتنظيمات لعبت دورا هاما في مجتمعنا في غرس مختلف جوانب الثقافة الوطنية، التاريخية والسياسية والتنظيمية، بين الأجيال الناشئة. كما ان معظم كوادرنا ومثقفينا وكتابنا كانوا خريجي هذه المدرسة، او على الاقل، قد استفادوا من وجودهم داخل مؤسساتها واحتكاكهم بالنشاط الثقافي والنضالي لهذه التنظيمات.
لقد تراجعت هذه المدرسة العظيمة وانتكست، وظهر عليها مظاهر الترهل والتسيب، وتعمقت الثقافة الحزبية الجديدة التي تسودها روح التعصب التنظيمي البغيض، ويعلوها صوت الأنا والادعاءات الكاذبة والبطولات الوهمية والانتصارات الزائفة.
هذا التراجع في دور الفصائل السياسي والثقافي، حدث في ظل ضعف الوعي المجتمعي بأهمية التثقيف الذاتي، وعدم إقبال الشباب على القراءة والإطلاع، وتردي المناهج الدراسية والجامعية وفقرها وعدم اهتمامها بالتاريخ والسياسة الوطنية والفلسفة.
هذا الواقع البئيس عرض الأجيال الناشئة لان تكون نهبا لثقافة الشارع المتردية، وثقافة الجامع المبنية على التعصب والحقد وإنكار الآخرين، والاتهامات المسبقة، وصولا لتكفير المجتمع والافراد.
يستطيع أي متابع أن يلحظ تأثير ثقافة الشارع على الشباب من خلال ما يكتبونه على وسائل التواصل الاجتماعي، وما يعلقون به على كتابات أصدقائهم حيث يتميز في غالبيته، بالسطحية والضعف وعدم القدرة على التعبير والجدل والنقاش الفاعل، مما يضطرهم فورا الى اللجوء إلى المناكفة وما تختزنه جعابهم من شتائم ومسبات وبذاءات وتطاول وفذلكة وتهكم، على الكبير والصغير، بطريقة لا يقبلها عقل ولا يتصورها شخص ولا يستسيغها، الا كل مريض تربى في الشوارع والحواري، بعيدا عن اب او ام او عائلة. هذا طبعا اذا تغاضينا عن التهديد والتكفير وووووالويل والثبور وعظائم الامور.
أن واحدة من مظاهر ضعف الوعي السياسي هو الخلط الواضح بين الواقع الانساني المعيشي الذي نعاني منه وعلاقة ذلك بالواقع السياسي. لقد تشكل وهم في عقول الكثيرين، بما فيهم الشباب، بأن هناك إمكانية لحل مشاكلنا الإنسانية، بعيدا عن، ودون الحل السياسي. لذلك نرى الكثيرين يطرحون حلولا ويرشحون جهات للقيام بهذه المهمة دون أن يعوا خطورة وعدم إمكانية الفصل بين ما هو إنساني وسياسي.
أن ضعف الوعي السياسي والتنظيمي للشباب، وعدم تحشيد وتنظيم جهودهم وتضحياتهم العظيمة يؤدي الى ان تذهب هذه النضالات دون ان تاتي بالنتائج المرجوة، ويعرضها للاستغلال والاستخدام من أطراف عديدة، بعيدا عن أهداف الشباب ومصلحة المجتمع، الوطنية والمطلبية.
لا داعي لتكرار المقولات الجاهزة بأن الشباب هم عماد المجتمع وثروته ورصيده الاستراتيجي وهم قاطرة العمل ورأس الحربة.
لذلك من الهام أن تعيد التنظيمات الفلسطينية تقييمها لبرامجها واستراتيجياتها الموجهة للشباب، كما أنه من الهام أن يستوعب الشباب أهمية العمل الجماعي المنظم الواعي، بعيدا عن الفردية والأنا البغيضة، ومن الهام، أيضا، التحلي بالأخلاق والقيم العامة والوطنية.

 حماس تقدم 200 دولار كتعويض لبتر الأطراف و لا عزاء و لا علاج


إرسال تعليق