الجمعة، 5 أكتوبر 2018

أزمة حماس - جميل عبد النبي

أزمة حماس
جميل عبد النبي
مخطئ من يظن أن حماس ليست في أزمة، حتى وإن قال ناطقوها أن لديهم ألف خيار لتجاوز الأزمة، فلقد تبين أن الخيارات الألف لم تأت بأي حلول حقيقية لأي أزمة من الأزمات التي عصفت بغزة، وأثقلت كاهلها.
هناك ما تتحمل حماس وزره كاملا، وهناك بلا شك ما يتحمل وزره آخرون، سعوا لتوريط حماس، ومن ثم إسقاطها، وإسقاط نموذجها، لكن وفي كل الأحوال فإن قانون السياسة لا يحمي اليسطاء، ولا يصنع لهم مبررا، مما كان عليهم قراءته، والتنبؤ به، فما بالك إن كان هناك من حذرهم مما هم ذاهبون إليه؟! لكنهم أقفلوا آذانهم في وجه كل ناصح، إلا من بعض الجهات ذات التاريخ المثير للقلق..!

حماس- حتى ما قبل تبنيها لفكرة المقاومة عام 1987م- لم تلتفت إلى خصوصية القضية الفلسطينية، وموقعها المركزي في صراع الحضارات، فكانت تعتبرها قضية كأي قضية عربية أو إسلامية أخرى، بل تقدم غيرها عليها في بعض الأحيان..! فبينما كانت تشجع الذهاب للقتال في أفغانستان، كانت تتحدث هنا عن التربية، وتخوض جدلا حول بعض المصطلحات الوطنية، كمصطلح الثورة، والوطنية، ولطالما أثارت الشكوك حول شعار" فلسطين هي القضية المركزية" وطرحت بدلا منه شعار" الله هو القضية المركزية" وكأن طارحي شعار مركزية فلسطين طرحوه بديلا عن الله..!
حتى بعد أن صارت حماس أهم مكونات المقاومة في فلسطسن، يبدو أنها لم تلتفت إلى طبيعة القضية الفلسطينية، وخصوصيتها، التي تحول دون استنساخ تجارب مغايرة وإسقاطها على فلسطين، فلقد توهمت حماس مثلا أنها يمكن أن تجمع بين السلطة والمقاومة، وهي تعلم أن الحديث هنا لا يدور عن سلطة حقيقية، بمعنى انها- أي السلطة- لم تتخلق بإرادة ذاتية بعيدة عن الاحتلال، وإنما نتيجة لاتفاقيات معينة مع الاحتلال، ما يعني أنها ليست سلطة حرة، ولا تستطيع أن تصير حرة بإرادتها الذاتية، إنما بموجب اتفاقات جديدة تجلب لها هذه الحرية، كما أنها لا تستطيع أن تخرج عما تم الاتفاق عليه، وعما نشأت وفقا له من الاتفاقيات الموقعة.
تجاهلت حماس هذه الحقيقة، أو ظنت أنها تستطيع ذلك، وأصرت على الادعاء بأنها قادرة على أن تبني جيشا مقاوما لاحتلال لا يزال يتحكم بكل مداخل السلطة التي تديرها..! ورفعت شعارا لم يكتب له النجاح فيما بعد" يد تبني ويد تقاوم" فكدست السلاح، وحولت المقاومة إلى ما يشبه الجيش، ربما في محاولة لتقليد بعض حركات المقاومة العالمية، وهي- وجميعنا معها- تدرك أن سلاحها لا يشكل أبدا خطرا وجوديا على إسرائيل، ولن يشكل في المستقبل القريب، وربما البعيد، والبعيد جدا، فإسرائيل ليست استعمارا تقليديا يمكن طرده بالقليل من الاستنزاف، كما أنها لا تمثل إرادة الإسرائيليين وحدهم، إنما طليعة لأدوات استعمارية، وجزء من مخطط كبير بدأ بسايكس بيكو، ولا ينتهي إلا ببقاء المنطقة مفككة وضعيفة، ومشغولة بذاتها.
جيش حماس ليس فقط عاجزا عن تدمير إسرائيل- ونحن لا نلومه في ذلك، حيث المعادلة أكبر منه بكثير- لكنه أيضا سهل على إسرائيل مهمة مواجهة المقاومة، وإنهاكها، حيث تتقن إسرائيل بجدارة مواجهة الجيوش، وتستطيع تحييدها، بينما وقفت عاجزة أمام الخلايا غير الممتدة، التي يسهل اختفاؤها، ويمكن تفعيل غيرها في أي لحظة.
الجيوش صاحبة المواقع الثابتة، يمكن استهدافها ببساطة، كما يمكن- وهذا ما حصل- استهداف الجهة التي ترعاها، خاصة إن كانت بدورها ذات مصالح ثابتة، ومسئولة عن مصالح وطنية يمكن أيضا استهدافها، ما يجبر الجيوش على قبول معادلة الهدوء فقط مقابل الهدوء، ما يعني شلل قدرتها على المبادرة، وبالتالي شلل المقاومة، إن كانت هذه الجيوش هي المقاومة ذاتها.
ثم: لم تقف حماس عند حد الفوز في انتخابات السلطة، وإنما ذهبت في اتجاه ما أسمته" الحسم العسكري" على خلفية العراقيل التي وضعتها السلطة في طريق حكمها، لكنها تجاهلت أن هذه السلطة التي حسمتها عسكريا هي المتحكمة في الكثير من التفاصيل التي تبدو الحياة في غزة بدونها مستحيلة، وحتى اللحظة لم تفصح حماس عما إن كانت تراهن- لحظة الحسم- على أن تستمر السلطة المطرودة بقوة السلاح في التزامها تجاه غزة، أم أنها تمتلك بدائلا أخرى، بات واضحا أيضا أنها غير ذات جدوى.
أيضا: في علاقتها بالمنفذ الخارجي الوحيد" مصر" تورطت حماس في خطاب إعلامي عدائي، هذا إضافة لكونها جزءا من حركة الإخوان المسلمين، العدو اللدود للنظام المصري.
في المحصلة:
1. حاولت حماس الجمع بين المقاومة وسلطة تحت الاحتلال.
2. حولت المقاومة إلى جيش يمكن استهدافه بسهولة، ومن ثم تحييده وفق معادلة الهدوء مقابل الهدوء.
3. دخلت في حالة عداء مع السلطة المعترف بها دوليا، والمتحكمة عمليا بالكثير من التفاصيل المؤثرة في كل مجريات الحياة داخل قطاع غزة.
4. لم تستطع البقاء بعيدا عن الأزمة الداخلية المصرية، ومن ثم فقدت منفذها الوحيد للعالم الخارجي.
5. كما وجدت نفسها مضطرة لملء الفراغ الأمني والإداري الذي تركه خروج السلطة، بعشرات الآلاف من الموظفين الذين لم تستطع الوفاء لهم بمستحقاهم الوظيفية.
الآن: ماذا تريد حماس للنزول عن الشجرة التي اعتلتها بوعي، أو بدون وعي؟
لقد وصلت حماس إلى طريق مسدود، حتى وإن لم تعترف علنا بذلك، ومعها أهالي قطاع غزة، ولا يبدو في الأفق أي أمل لأي انفراجة بعيدا عن السلطة، لكن السلطة أيضا لها شروطها، التي لا تستطيع حماس قبولها، وكما يبدو فإن السلطة لا تستطيع التنازل عنها، فهي مثلا- كسلطة مرتبطة باتفاقات دولية- لا تستطيع أن تحتضن المقاومة، وهذه النقطة تحديدا لا يمكن لحماس التنازل عنها، وبالمثل فإن السلطة لا تجد نفسها ملزمة بعشرات آلاف الموظفين الجدد الذين وظفتهم حماس بمواصفات حمساوية في الغالب.
النتيحة: كل ما يقال عن المصالحة لا تتوفر له فرص حقيقية للنجاح، وكل ما يقال عن حلول خارج المصالحة لن يوفر بديلا عن السلطة، ولن يحول حماس إلى جهة مقبولة دوليا وإفليميا، دون تحول حماس إلى شيء آخر غير حماس التي يعرفها الناس.
كان الله في عون الناس، ورحم الله شهداء فلسطين.
إرسال تعليق