الأحد، 3 سبتمبر، 2017

التحليل النفسيّ للراديكاليّة الإسلامويّة - شكري المبخوت

التحليل النفسيّ للراديكاليّة الإسلامويّة
شكري المبخوت
* روائيّ وأكاديميّ من تونس
ليست الظواهر المتّصلة بنفسيّة الجماعة بالأمر الغريب عن المعرفة التحليليّة النفسيّة رغم أنّها في أصلها تدور على نفسيّة الفرد. ففرويد نفسه كتب عن "علم نفس الجماهير وتحليل الأنا" لينحت مفاهيم استقرّت في الجهاز التحليليّ النفسيّ من قبيل "التماهي". واشتغل كذلك على الدين في "موسى والتوحيد" الذي افترض فيه أنّ ظهور التوحيد مرتبط بأوّل جريمة في تاريخ البشر وهي قتل الأبناء للأب البدائيّ.

ولئن كان فتحي بن سلامة المحلّل النفسيّ التونسي وأستاذ علم النفس المرضيّ الكلينيكي (السريريّ) بجامعة باريس ديدرو الفرنسيّة، يمارس التحليل النفسيّ والعيادات السريريّة للأفراد فإنّه يخوض منذ ثلاثة عقود، أي منذ كتابه الصادر سنة 1988 بعنوان "فلق الصبح"، مغامرة الربط بين الإسلام والتحليل النفسيّ. وهو مركب زلوق يقلّ فيه المغامرون بسبب ما يشوب التحليل النفسيّ في ثقافتنا العربيّة من نظرة ارتياب وتوجّس خصوصاً إذا تعلّق الأمر بدراسة المقدّس. فضعف المعرفة التحليليّة النفسيّة في العالم العربي يجعل هذا التوجّه البحثيّ أقرب إلى الهرطقة في اعتقاد من يرون الدين ثوابتَ لا تمسّ حتى على سبيل مزيد الفهم والتعمّق.

المسلم الأعلى
إنّ الالتزام الحقيقيّ لفتحي بن سلامة من خلال كتاباته يتعدّى إخضاع الدين والظواهر المرتبطة به لشبكة القراءة التحليليّة النفسيّة، بل هو التزام أكبر بمشاكل المسلم المعاصر وما يعانيه من ظواهر نفسيّة جماعيّة يمكن إدراجها في باب الاضطرابات الجماعيّة التي تؤثّر في الفرد والجماعة في آن واحد على نحو يمنعهما من التحرّر الحقيقيّ وبناء الشخصيّة المتناغمة مع رغباتها وسياقها الثقافيّ والحضاريّ. وهذا ما نستشفّه من كتابه الأخير الصادر سنة 2016 عن دار "سوي" بالفرنسيّة بعنوان "الرغبة الغاضبة في التضحية: المسلم الأعلى" (149 صفحة).
ويسير الكتاب في مسارين متضافرين أحدهما تأمّلٌ في النزعة الراديكاليّة والإسلامويّة اعتمد فيه معطيات تاريخيّة وثقافيّة لإعادة تركيب السياق التاريخيّ والذهني الراهن والمتوسّط المدى لظهور ما أسماه المسلم الأعلى، وثانيهما تحليليّ نفسيّ سعى من خلاله إلى تحديد الأعراض النفسيّة للمسلم الأعلى وخصائصه وسلوكه ونزعاته التدميريّة ورؤيته إلى الحياة والموت واللذّة... إلخ.
وقد عرّف بن سلامة المسلم الأعلى على النحو التالي: "أسمّي "المسلم الأعلى" الإكراه الذي يحمل شخصاً مسلماً على أن يزايد على صفته مسلماً بواسطة تمثّل عن [ تصوّر ] للمسلم الذي ينبغي أن يكون أكثر إسلاماً" (ص 92).
وقد كان تساؤل بن سلامة الأصليّ الذي قاده إلى بلورة هذا المفهوم دائراً على ظاهرة الرغبة في التضحية لدى كثير من الشبان المسلمين باسم الإسلام. ولم ينحت هذا المفهوم إلاّ استناداً إلى ممارسة عياديّة (كلينيكيّة) في إحدى ضواحي باريس بالخصوص حيث أكّد له كثير من الشبان المهاجرين أنّهم "ليسوا مسلمين بما فيه الكفاية". فمطلب العدالة في الهويّة مظهرٌ مما سبق له أن أسماه في كتاب آخر "بجرح المثل الأعلى الإسلاميّ". لذلك يلتقي في تحليله المسار الفرديّ مع وضع الجماعة المسلمة.

الرّاديكاليّة: تهديداتها وأعراضها
كاد مفهوم الراديكاليّة يكون حكراً على الدراسات الاجتماعيّة والبحوث في مجال العلوم السياسيّة. بيد أن تفسيراتها تلغي دور الذات في الخطابات العنيفة والأعمال المرعبة في حين أن الاكتفاء بالمقاصد والدوافع الواعية غير كافٍ، حسب بن سلامة، لفهم ظاهرة معقّدة جدّاً مثل الراديكاليّة. وهنا يستلهم توجّهات التحليل النفسيّ منذ فرويد في تدبّر القوى الجماعيّة المناهضة للحضارة بما يقيم الصلة بين النفسيّ والسياسيّ. وما المسلم الأعلى إلاّ ضرب من المخاطر التي تهدّد المسلمين وثقافتهم.
وفي تحليل بن سلامة المتأنّي للظاهرة وجد أنّ أغلب المتطرّفين هم من المراهقين أو الشباب الذين يعيشون مرحلة انتقاليّة من مراهقة قد تطول بسبب وضعيّة أزمة ممتدّة. فيكون التطرّف أعراضاً لرغبة في التجذّر يبديها من لا جذور لهم أو من يعتقدون أنّهم منبتّون.
ومن هذه الأعراض التي لا صلة لها بالدين أنّ المرشّحين للتطرّف يشعرون بالبخس والعار ويرون أنفسهم لا يصلحون لشيء. إنّهم يعيشون ألماً وجوديّاً وحين يتلقّون عرضاً دينيّاً مغرياً يتحرّك لديهم مصعد النرجسيّة لينطلقوا نحو طوابق عليا بحسب الاستعارة التي استعملها بن سلامة. ويأتي من هنا القفز من المصعد بحثاً عن خلاص من الهاوية فيكون التجذّر في السماء مصدر لذّة تدلّ عليها الحماسة المفرطة لديهم. والعَرْض الذي يجده هؤلاء الشباب لدى داعش مثلاً مغرٍ جذّابٌ ومثير لأنّ مشروع الدولة الإسلاميّة يغذّي يوطوبيا المدينة الإسلاميّة الفاضلة.
وعلى هذا يكون هذا البحث بحثاً عن الهويّة في خضمّ حيرة الشابّ واضطرابه ولكن ما إن يقع التماهي حتّى يرتبط المعنى باللذّة على نحو قد يؤدّي إلى تخطّي حدود اللذّة إلى المعاناة وأحياناً إلى تحطيم الذات. ولا يمنع العيش في وسط متوازن منظّم من هذا السيناريو القائم على الوقوع في فوضى الفكر والروح.

العرْضُ الجهاديّ وإغراءاته
ورغم هذا الوصف لما يترتّب عن صدمات الهويّة، فإن الانتقال إلى الفعل زماناً ومكاناً يظلّ غير واضح تمام الوضوح. لكن المراهق الذي سار في طريق التطرّف يقدّم نفسه على أنّه سيشفي المجموعة والمجتمع بل الإنسانيّة كلّها من عللها.
إنّهم شباب محمولون بمبدأ المثاليّة القائم على تغيير الهويّة. ولمّا كانت المثل العليا تتضمّن نزعة راديكاليّة محتملة وقابلة للتفجّر فإن الراديكاليّة الإسلامويّة على خلفيّة أزمة العالم الإسلاميّ قد اكتسبت قدرة جماعيّة على النفي والهدم طالما تغذّت من الكبت والإقصاء ورفض الذات والعالم الموجود، ويمثّل الإسلام الراديكالي بيئة مناسبة لنموّها. وهذا جوهر ما تعرضه الجهاديّة الإسلاميّة على الشباب الذي يعاني من الفراغ والسأم واليأس والاكتئاب فيسعى إلى إعادة بناء المثل الأعلى بحماسة ومشاعر ملتهبة جيّاشة سعياً إلى الارتقاء بتمثّل الذات والرغبة في عالم جديد تنتصر فيه الحقيقة والعدالة.
ومدار هذا السعي التساؤل الأصليّ عن حدود الوجود وأحياز اللبس بين الذات واللاّذات والحياة والموت والجنس والجنس المقابل والواقع واللاّواقع والعالم وما وراءه. وداخل هذا الالتباس فإنّ البحث عن المعنى يدفع الشبان إلى خوض مغامرة استقصاء الحدود.
وعلى هذا تترابط العلاقات بين التفسير الاجتماعيّ والتفسير النفساني للراديكاليّة حسب فتحي بن سلامة.

شخصيّة المسلم الأعلى
يقتضي تعريف المسلم الأعلى الذي ذكرناه أعلاه السعي إلى التطابق مع المسلم المثاليّ المتجسّد في صورة الرسول والسلف الصالح. فالمسلم المثاليّ هو الذي "يعود" إلى وضع سابق يجسّد الفضيلة ويتحقّق فيه الوعد وما على المرء إلاّ أن "يستعيده".
ويؤكّد فتحي بن سلامة أنّ المسلم الأعلى تشخيص للحياة النفسيّة للمسلمين الذين تشبّعوا بالإسلامويّة وسكن نفوسهم الشعورُ بالذنب والرغبة في التضحية. وليس أمامهم إلاّ أن يهجروا واقعهم فيتطهّرون من أدرانه. ويبرز هذا التشخيص أنّ المسلم الأعلى يفقد فكرة الخضوع والتواضع التي هي الجوهر الأخلاقيّ المؤسّس للإسلام في ضرب من الخيلاء بالعقيدة وإظهارها للناس. وتدلّ على ذلك الزبيبة على الجبين وعلامات اللباس والصلاة في الشارع وغيرها. وسرعان ما يستحيل الكِبر والخيلاء حقداً على من لا يمتلكون العلامات الخارجيّة التي يفتخر بها. من ذلك أنّ التكبير في فحواه دعوة إلى الشعور بالصغار أمام الله، ولكنّه يصبح لدى المسلم الأعلى إظهاراً لنوع من السلطة والعنجهيّة التي يمنحها لنفسه فلا يتورّع عن القتل وهو يكبّر. لذلك يغري المسلم الأعلى المنحرفين إذ يحقّق نزعتهم إلى مناقضة المجتمع والخروج عن القانون باسم الشريعة ويصبغ نزعة الموت لديهم بصبغة مقدّسة.
ولهذه النزعة بُعدٌ آخر مردُّه اليأس. فالعيش في عالم ما انفكّ يتعلْمن يجعلهم يشعرون بأنّهم أصبحوا شيئاً آخر ولم يعودوا هم. إنهم في منفى غربيّ دون إله أو في وضعيّة عالم متغرّب فيجدون في الإسلامويّة قصّة خياليّة مغرية نسجت منذ الصدام مع الغرب عند حملة نابليون بونابرت على مصر وبالخصوص بعد أن أنهى كمال أتاتورك الخلافة. فالعالم القائم يحتاج إلى أن يُهجر أو تُقطع الصلة به أو المشاركة في إفنائه.
ولا بديل عن اليأس إلاّ الخلاص الديني وما يتيحه من أمل. ولكنه أمل في عالم آخر بعد الموت. وهذا في التأويل الفرويدي طاقة هائلة يقدّمها الدين للإنسان ويستمدّها من وضع يعيشه الإنسان في طفولته قبل أن يعي الفصل بينه وبين العالم. إنّه الشعور باللاّنهاية والتوحّد مع الكون.

آليّات التماهي ورهانات اللذّة
إنّ هذا المسار النفسيّ للمسلم الأعلى من الخضوع إلى الشعور بالإهانة فالكبر والخيلاء ثم الشعور بالتفوّق الذي يجعله يحتقر الحياة ويرغب في الموت، تحكمه آليّات تتّصل بالتماهي مع نزعات الحياة والموت ورهانات اللذّة في علاقتها بالمثل العليا.
ومفهوم التماهي هو بيت القصيد في فهم إشكاليّة المسلم الأعلى. إذ هو عند فرويد عمليّة تبرز أنّ الهويّة الإنسانيّة متحوّلة ذات طابع تركيبيّ تتفاعل فيها وجوه من الاتصال والانفصال. فولّد فتحي بن سلامة من هذا المفهوم الفرويدي آليات خمساً تتراوح بين نزع التماهي وإعادة التماهي والتماهي الفائق. وهي آليّات، إذا تجاوزنا دقائق الفروق بينها، نجدها تفسّر استعادة الهوية القديمة بسبب الشعور بفقدان الأصل للتجذّر من جديد ودخول الإسلام ثانية عبر التوبة على يدي شيخ جهاديّ وإعادة تسمية الشخص لنفسه بصيغة "أبو كذا". وجماع هذه الآليّات اعتقاد الفرد بأنّه أصبح أكثر إسلاماً من بقيّة المؤمنين. فالإسلام عنده طريق إلى البطولة خصوصاً في ميادين القتال.
ولكن أقوى الآليات النفسيّة تأثيراً هي التي تقود الفرد إلى نزع التماهي. وهو ما يبرز في العمليات الانتحاريّة التي يحطّم فيها الجهاديّ صورته الجسمانيّة لينفصل عن الهوية الإنسانيّة فيتمتّع الشهيد بتلك التضحية بالجسد على نحو متخيّل شاعراً بلذّة مطلقة. فالموت هنا لونٌ من الهذيان الماليخولي بحثاً عن موت مخلّص وعن خلود يتجاوز حدود البشر.

ضحيّة أم جلاّد؟
يتميّز كتاب فتحي بن سلامة بمحاولة استيعاب أقصى ما يمكن من الظواهر الملحوظة لدى المتطرّفين الإسلامويّين وتأويلها بحسب المقولات التحليليّة النفسيّة دون عزلها عن السياقات الاجتماعيّة والتاريخيّة لظاهرة الراديكاليّة والجهاد. وهو ما يؤكّد الطابع المركّب للظاهرة التي عيب على المتحدّثين عنها اختزالُها في بُعد من أبعادها الاجتماعيّة أو السياسيّة في علاقتها بالرهانات الاستراتيجيّة الدوليّة.
ولئن كانت كثير من التحاليل الاجتماعيّة بالخصوص تكاد تجعل الراديكاليّة الجهاديّة حتميّة اجتماعيّة بمقتضى تفسير سببيّ يربطها بالإقصاء الاجتماعيّ أو الوصم إلى حدّ لا نعرف معه أنحن أمام ضحيّة لمجتمع وسياق سياسيّ واقتصاديّ، أم أمام جلاّد نراه يدمّر ويقتل وينسف كل معنى إنسانيّ أو حضاريّ أو أخلاقيّ.
لكنّنا نلاحظ أن فتحي بن سلامة كان واضحاً في رفضه للحتميّات النفسيّة، وهي أقوى وأشدّ تحكّماً في الفرد مبدئيّاً. فلئن كانت النزعة الراديكاليّة محاولة للبقاء في حالة طوارئ نفسيّة بعد مسار متقلّب عاشته ذات الفرد محفوفة بمخاطر شتّى، فإنّه علينا ألاّ نخلط بين التفسير والتبرير. فللراديكاليّة تبعات معادية للمجتمع بل إجراميّة أحياناً ولا يغفر تحليل واقع الذات نفسيّاً أنّنا أمام حالة جنون أو انعدام المسؤوليّة مطلقاً إلاّ في حالات قليلة.
* روائيّ وأكاديميّ من تونس


إرسال تعليق