الجمعة، 27 يوليو 2018

الهروب إلى البحر!!! - د.رياض عبدالكريم عواد

الهروب إلى البحر!!! 

د.رياض عبدالكريم عواد

هربنا من الليلة الظالمة إلى البحر.
بحر غزة جميل، قليل الصخور، امواجهه هادئة ورمال شواطئه الواسعة، صفراء ذهبية......
البحر في غزة قريب من المناطق السكنية، قرية خزاعة في الشرق، هي أبعد نقطة عن هذا البحر، تبعد عنه بحوالي 13 كم، بينما تبعد القرارة، القرية التي اسكنها، حوالي 3 كم عن هذا البحر . 
ذهبنا الى البحر من الطريق التي تمر في مدينة حمد، المدينة الجميلة التي بنتها قطر مشكورة في خانيونس، ووزعت شققها على المحتاجين من الموظفين، وفق آلية سداد طويلة، رغم ما يشاع عن ان عددا هاما من هذه الشقق قد وزعت على جهات وفئات وأفراد مهمين، لاستخدامها وفقا لاحتيجاتهم ورغباتهم. كما أن بعض هذه الشقق وزع من خلال المسؤول القطري نفسه على الأحباب والاصدقاء! مدينة حمد إضافة إلى شارع صلاح الدين، الشارع الرئيسي في قطاع غزة، إنجاز هام لقطر، اهل غزة في أمس الحاجة له، رغم ما قد يقال عن بعض "البيظ" في التوزيع أو ما يشاع عن الثمن السياسي لهذه المشاريع، الا أننا لا نملك الا أن نقول "شكرا قطر"، متمنين على إيران حليفة قطر في محور المقاومة أن تنتبه لاحتياجات قطاع غزة المدنية، بدلا من التركيز فقط على الاحتياجات العسكرية لفصائل المقاومة الشريكة في المحور، الذي يقال عنه محور مقاومة!!!
وصلنا البحر مع العائلة بعد صلاة العصر في الخامسة مساء،
رايات حمراء وسوداء مغروسة على الشاطئ تحذر المصطافين من تلوث مياه البحر بمياه المجاري. تصل نسبة التلوث في مياه البحر في قطاع غزة إلى 73% كما أعلنتها سلطة البيئة، التي أضافت أن هذه المياه تسبب التهابات وحساسية بالجلد والعيون والأذن الوسطى، وأن شربها يؤدي إلى الإصابة بالإسهال أو التهابات في الجهاز الهضمي. بالرغم من كل ذلك فليس أمام اهل غزة الا هذا البحر الملوث في هذا الزمن الرديء الملوث؟!
افترشنا الشاطئ وجلسنا على الرمال في ظل "علية" المنقذ المنتصبة على الشاطئ تراقب المصطافين لتحميهم من الغرق،
شباب يعملون كمنذقين مؤقتا على بند البطالة على ما اعتقد.
رمال الشاطئ جميلة لولا قليل من الأوراق وأكياس النيلون والشبسي وبعض زجاجات البلاستيك المتناثرة هنا وهناك من مخلفات المصطافين من اهل غزة.
الشمس مازالت ساطعة لكن الهواء عليل وامواج البحر هادئة......
لعب الأطفال في المياه القريبة من الشاطيء وأخذوا يتصايحون كلما اقتربت موجة سريعة من اقدامهم الصغيرة....
شاطيء البحر غير مزدحم بالمصطافين، على غير العادة في مثل هذه الايام وفي مثل هذا الجو الحارق، وضع الناس الاقتصادي قد يكون هو السبب؟!
شابين يعتليان ظهر جملين ويتهادين على الشاطئء وسط استغراب الاطفال وانشداهم بهذا المنظر غير المألوف، وشاب يمتطي ظهر جواده "يقصدر" على الشاطئ ايضا، رجلين في عمر الشباب المتقدم يتسليان ويرميان بالسنارة وينتظران منها أن تغمز، اعتقد أن انتظارهما سيطول؟! وشاب سمح وسيم يرمي بشبكته في البحر مرة تلو المرة، فيصطاد سمك فسفوس بطول اصبع السبابة، لا أعرف ما اسم هذا السمك، هل يؤكل هذا السمك، في غزة كل شيء يؤكل! الجميل أن هذا الشاب السمح يعطي الأطفال، الذين يتجمعون من حوله، سمكة من سمكاته الصغيرة، فيفرح الطفل بها ويضعها في زجاجة مملوءة بماء البحر، ويجلس يراقبها وهي تحاول أن تخرج من عنق الزجاجة! لماذا لا يحاول اهل غزة مثل هذه الأسماك الصغيرة أن يخرجوا من عنق حياتهم الضيقة؟!
يمر من امامك عدد كبير من الباعة، الاولاد والشباب، ينادون على بضاعتهم بأصواتهم المتعبة، الغضة أو الخشنة، بزر، ترمس، بسكوت، كوشة، عوقة، براد، شبسي، ذرة......... بائع واحد مر يحمل معه بلالين كبيرة منفوخة على شكل أوزة، يستخدمه الأطفال في السباحة، لم يبع طيلة اليوم كما أخبر صديقه، بصوته العالي، الا اربع وزات؟! اضاف يقول، الناس تعبانة بتجيب معها على البحر بطاطا وبندورة!
غطست الشمس في البحر لتغسل جسدها مما علق به من هم وكدر من سماء اهل غزة المتعبين....
أسدل الليل ستره، فاستغلت النساء ظلمة الليل لتستحم في مياه البحر وهن بكامل ملابسهن.
بدا نور القمر باهتا، مازال أمامه 3 ليال ليكتمل ويصير بدرا
حوالى 30 مركبا صغيرا تتلألأ اضوائها امامك في مساحة صغيرة لا تبعد عن الشاطئ أكثر من كم واحد حسب تقديري، من اين سيجد هذا العدد الكبير من المراكب السمك ليصطادوه، سوق غزة فارغ من الأسماك، لا تجد فيه الا "البذرة" وسمك البلاميدا، شكرا لإسرائيل التي سمحت لنا أن نصطاد لمسافة 3 كم في مياهنا الاقليمية، هل غزة محررة؟!
رفعت اذان المغرب وصليت منفردا وسبحت وحمدت الله وشكرته وتناولنا عشاءنا من الجبنة والزعتر، لكن دون زيت الزيتون الذي أوصى به ابو العبد!!!
رجعنا إلى العتمة والظلمة وصوت الزنانات وقرص الباعوض في ليلة نتمنى أن تختلف قليلا عن سابقتها؟!
كل هروب إلى البحر وانتم بخير؟!
إرسال تعليق